جميل أن تختفي خلف ناطحات السحاب والمباني الزجاجية والعمارات شخصية أخرى مختلفة تعبر عن روح المدينة الحقيقي المتمثل في عماراتها وبيوتها التقليدية التي مازالت صامدة تحافظ على هوية المكان واهله وتذكر كل من يراها بتاريخ لا يندثر وجاذبية لكل من يود أن يعرف حقيقة تلك الأماكن قبل أن تطالها تطورات المدن الحديثة ونهضتها العمرانية.

وتزخر جدة عروس البحر الأحمر بالعديد من المباني الأثرية القديمة التي لا يزال بعضها قائماً حتى هذا اليوم ومن أشهرها دار آل نصيف ودار آل جمجوم في حارة اليمن ودار آل باعشن وآل قابل والمسجد الشافعي في حارة الشام، ويبلغ ارتفاع بعض هذه المباني أكثر من 30 متراً. وقد بنى أهالي جدة بيوتهم من الحجر المنقبي الذي كانوا يستخرجونه من أماكن متفرقة من البحر مثل بحيرة الأربعين، ثم يعالجونه بالآلات الحادة يدوياً حسب المقاسات التي يريدونها مع استخدام الأخشاب التي كانوا يجلبونها من المناطق المجاورة كوادي فاطمة والبعض كانوا يستوردونه من الخارج خاصة من الهند وكانت تحمله السفن إلى ميناء جدة. وكانت طريقة البناء تتمثل في رص الأحجار في صفوف فوق بعضها بعضا وتعرف بلغة المهنة باسم (المداميك) ومفردها (مدماك)، وتفصل بينها قواطع من الخشب تسمى بلغة المهنة (تكايل) وتوضع لتوزيع الأحمال على الحوائط.

الحجر المنقبي

استخدم البناؤون أربعة أنواع من الأحجار في البناء أشهرها الحجر المنقبي وهو الأكثر استخداماً نظراً لتوفره بكثرة في السواحل البحرية، وكان يتم نحته على شكل قوالب مستطيلة الأضلاع بواسطة آلة حديدية تسمى (الشاحوطة) وتم استغلال جمال هذا النوع من الأحجار لإظهار جمال واجهات المنازل الخارجية دون الحاجة لتغطيته بطبقة سطحية من النورة المصبوغة. ومن أشهر البيوت التي استخدمت هذا الحجر في بنائها بيت البغدادي الذي كان يقع في غرب محافظة جدة قرب شاطىء البحرالأحمر. وأما النوع الثاني من الأحجار فهو الحجر البحري الذي كان يستخرج من ساحل البحر واستخدم بجانب الحجر المنقبي في بعض المباني، وهو عبارة عن حجر مكون من الترسبات الصلبة، أما النوع الثالث فهو الحجر المرجاني الذي يستخرج من قاع البحر بواسطة الغواصين، واشتهر باسم (المشاط) لأن سطحه الداخلي عند فلقه يكون شبيهاً بالمشط. ومن المعروف أن الحجر المرجاني عبارة عن كائنات بحرية دقيقة تتحجر بعد موتها. أما النوع الرابع والأخير فهو البلاط البحري، وهو نوع من الأحجار البحرية أيضاً يستخرج بواسطة الغواصين لاستخدامه في تبليط مداخل البيوت، وهو عبارة عن شرائح حجرية ذات أسطح ملساء.

والسياح القادمون من خارج المملكة أو من داخلها عند زيارتهم لمدينة جدة لا بد أن يأخذهم الفضول للعبور بالمنطقة التاريخية في وسط البلد حيث التجول سيرا على الأقدام في أنحاء المنطقة التي لا تزال تحتفظ بطابعها الشعبي الحجازي سواء من خلال بعض المنازل الحجازية المزينة بالرواشين التي تبلغ 500 بيت، أو التجول في أسواقها القديمة المشهورة كونها أكثر إمتاعا نحو سوق الندى الذي يعد من الأسواق القديمة ويمتد بمحاذاة الجزء الغربي من سور المدينة ويلتقي شماله بشمال غرب المدينة وتتفرع منه عدة أسواق جانبية وقد اشتهر شمال السوق بكثرة انتشار المكتبات وبيع السمك المقلي والمشويات وصناعة الأحذية والحقائب وإصلاح الساعات. أما سوق العلوي فيعتبر الفاصل بين حارة المظلوم شمالاً وحارة اليمن جنوباً ويتميز بعرض العديد من السلع والبضائع كالملابس والبهارات والمستلزمات المنزلية وغيرها، ويشاركه في بيع البهارات والملابس والأقمشة سوق البدو الذي يقع على مقربة من بوابة مكة وسمي بذلك لما احتوى عليه من سلع كانت تجذب سكان البادية إلى شرائها.

ومن أشهر الأسواق القديمة التي أصبح لها أيضا وجه حديث سوق قابل حيث شهد تطورا حتى في السلع التي يبيعها، فتلتقي فيه السلع القديمة بالحديثة وهو محطة لا بد أن تجذب زوار المدينة للوقوف عليها والتبضع منها، وأسواق أخرى كسوق الخاسكية، وسوق الذهب وجميعها قديمة وتعد محطات هامة يرتادها المقيمون الأجانب ممن يعملون في المدينة لشراء التذكارات نحو المشربيات والمسابح والأواني الفخارية والأقمشة والذهب وغيرها من الأشياء التي تحفل بها دكاكين السوق المحتفظة بطابعها الشعبي دون تحديث لها.

نكهة حجازية

وجدة القديمة التي بلغت مساحتها 1 كلم مربع وأحيطت بسور حينها تكونت من أربع حارات رئيسة ومشهورة لا تزال حتى الآن محتفظة بنكهتها الحجازية، فعند دخولك سوق العلوي تجد في الجزء الجنوبي منه حارة اليمن التي سميت بذلك لاتجاهها نحو بلاد اليمن وهي منطقة أثرية يوجد بها بيت آل نصيف من أعيان المدينة الذي بني في نهاية القرن الثالث عشر الهجري وأصبح متحفا وأثرا معماريا من آثار المدينة التاريخية. ومن حارات جدة القديمة الشهيرة حارة المظلوم التي سميت بذلك نسبة إلى شائعة غير أكيدة مفادها أن شخص يدعى عبد الكريم البزرنجي قتلته الحكومة العثمانية ظلما فكتبت دماؤه على جدران الحارة (مظلوم) وسميت بذلك وهي تقع في الجزء الشمالي الشرقي من داخل السور شمال شارع العلوي ومن أبرز معالمها مسجد الإمام الشافعي وسوق الجامع. أما حارة الشام فتقع في الجزء الشمالي من داخل السور متجهة نحو بلاد الشام، والحارة الرابعة هي حارة البحر التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من مدينة جدة وهي مطلة على البحر.

ومن أبرز معالم جدة القديمة (عين فرج يسر) التي تم حفرها عام 910ه من أجل سقيا أهل جدة حيث كانت تأتي مياه العين من شرق مدينة جدة من وادي توم إلا أنها جفت عام 1304ه واندثرت وعلاها الركام والحجارة وقد تم حفرها وإعادة هيكلها لتكون من آثار المنطقة التاريخية. وبجوارها على بعد خطوات من خلال سوق الجامع يجد الزائر مسجد (العتيق) الذي بني في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حسب ما يشير إليه كتاب عبد القدوس الانصاري أما منارته فعمرها 900 عام كما أوضح المهندس سامي نوار مدير المنطقة التاريخية.