أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت عنوان جدل الموضوعية والذاتية في كتابة تاريخ مصر، كتاباً حرر مادته العلمية ناصر أحمد إبراهيم، وتم إهداء دراساته إلى المؤرخة نللي حنا، حيث يضم الكتاب مجموعة مقالات كتبها متخصصون في حقل دراسات التاريخ العثماني، احتفالاً بالمؤرخة نللي حنا، تقديراً لعطائها العلمي المتميز في الأوساط العلمية المصرية والتركية والغربية، فقد قدمت نللي حنا للمكتبة العربية والغربية دراسات رائدة ورصينة، غير نمطية عن تاريخ مصر الاجتماعي بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، اكتسبت صفة المرجعية الأصلية في مجال الدراسات العثمانية .

ويشير محرر الكتاب إلى أن أهم ما يقدم عليه عالم فذ، تبنيه لمشروع علمي أصيل، يفتح من خلاله آفاقاً جديدة ومستقبلية للبحث، يكشف الجوانب المجهولة، وينتج الأفكار والرؤى، التي تثري مجال تخصصه، وفوق ذلك يكون همه الأكبر تكوين جيل جديد، يمد له يد العون، يصقله بخبراته، ويسلحه بالأدوات المعرفية، ليثبت أقدامه على الطريق، فيدفعه نحو ارتياد آفاق البحث العلمي دون تهيب .

وتعد نللي حنا ممثلاً لاتجاه علمي جديد في الكتابة التاريخية المعاصرة عن تاريخ مصر في العصر العثماني، فعلى مدار عقود طويلة من القرن الماضي كان الرعيل الأول من المؤرخين المصريين، أمثال محمد شفيق غربال، ومحمد أنيس وأحمد عزت عبد الكريم، قد أسهم بجهود ضخمة في التعريف ببعض المجموعات الوثائقية والمخطوطات والمصادر الأدبية، ونشر بعضها، وتقديم دراسات رصينة حول أهميتها التاريخية .

وتحظى نللي حنا، بوصفها واحدة من أقطاب المتخصصين في الدراسات العثمانية، بشهرة واسعة بين الأوساط الأكاديمية الدولية، نشر معظم بحوثها بالانجليزية والفرنسية، وترجم بعض أعمالها، فلاقت اهتماماً كبيراً من المتخصصين في مصر وخارجها، نظراً لما تطرحه من نتائج، تعيد توزيع الأضواء على جوانب مهمة من التاريخ الاجتماعي المصري الحديث، بعضها كان مجهولا، وبعضها تمت معالجته في سياق لا يتسم بالموضوعية، ويخدم أهدافاً ذات طابع إيديولوجي .

وكانت جهود نللي حنا واضحة، حيث أحدثت نقلة نوعية متميزة في منهجية الدراسات المصرية في العصر العثماني، فلم تعد الوثيقة أو الكشف عن مصدرها محل اهتمام وانبهار كمصدر للتاريخ الاجتماعي، كما في السابق، وإنما بدت أكثر احتفالاً بالمنهجية، التي توظف بها مضمون الوثيقة، وما يمكن استنتاجه من أفكار ودلالات، تساعد في فهم التطورات المختلفة، داخل السياق التاريخي الأوسع نطاقاً .

وترفض نللي حنا المنطلقات النظرية السائدة في الكتابات الاستشراقية، التي تناولت التاريخ لمصر ومنطقة الشرق الأوسط الحديث، مثل نظرية التطور والتخلف، ونظرية المجتمع التقليدي والتحديث، ونظرية المركز والأطراف، ونظرية الاستبداد الشرقي، التي تجسد ما يعرف بخطاب التنوير الذي يرى في الغرب، وحده، منبع الحداثة، وأن إرهاصات الحداثة لا يمكن تلمسها إلا في سياق اتصال مصر بأوروبا، وتحديداً مع قدوم الفرنسيين عند منعطف القرن الثامن عشر، أو مع محاولات محمد علي الإصلاحية، أما القرون السابقة فينظر إليها عادة على أنها قرون ركود واضمحلال وتدهور .

ويشير المحرر إلى أن كتاب تجار القاهرة في العصر العثماني: سيرة أبو طاقية شاهبندر التجار وثقافة الطبقة الوسطي في مصر العثمانية من القرن 16 إلى القرن 18، وقد كشفت حنا من خلالهما أن حالة التدهور التي أصابت المجتمع المصري في أواخر القرن الثامن عشر لا يمكن سحبها على حقبة القرون الثلاثة السابقة على الاحتلال الفرنسي، كما أوضحت أنه ليس ثمة شواهد تؤكد وجود ارتباط شرطي بين تحقق النهضة في القرن التاسع عشر وبين ما يعرف بالمؤثر الخارجي، سواء جاء في شكل احتلال استعماري أو في صورة احتكاك ومحاكاة ونقل لمظاهر التحديث، بل إنها على العكس من ذلك ترى أن التطورات الدرامية، التي شهدتها السنوات المبكرة من القرن التاسع عشر، لا يمكن أن تفسر لنا بصورة كافية ما حدث دون الرجوع إلى القرن الثامن عشر الذي كان مصدراً لعدد من تلك التطورات .

وفي الوقت نفسه لا تغفل نللي حنا التأثيرات التي تمخضت عن الحملة الفرنسية، لكنها ترفض مقولة إنها أحدثت قطيعة مع الماضي، وأن نموذجها التغريبي فرض نفسه، وصاغ تكوين المشهدين الاجتماعي والثقافي ككل للنهضة في القرن التاسع عشر، حيث إن هذه الرؤية تظهر للمجتمعات الشرقية، وليس المجتمع المصري وحده، في موضع المتلقي السلبي وهو ما يتنافى مع الحقيقة التاريخية .

وتدعو حنا إلى ضرورة إعادة النظر في ما يعنيه مصطلح النهضة في القرن التاسع عشر، وترى أنه لا يكفي أن نضع في اعتبارنا دور النخبة أو الدول أو سياسات الدول، التي لا تمثل سوى جانب من الحقيقة، ولا تعبر عن الحقيقة الكاملة بمختلف جوانبها، وتؤكد أن الفهم الكامل لما شهده القرن التاسع عشر يقتضي منا أن نضع في اعتبارنا مكونات الحقيقة الأقل وضوحا، والأقل بروزاً قبل إطلاق الأحكام المسبقة، أو الوقوع في مأزق التعميم، فمثل تلك الوقائع المنسية أو المجهولة يمكن لها أن تكون قواعد أساسية للتطورات التي مر بها المجتمع المصري في الحقبة الحديثة .

يوضح الكتاب أن نللي حنا عاشت في الثقافة الغربية، وكتبت بلغاتها، لكنها كانت واعية تماماً بين أن تفيد من هذه الثقافة، بكل حقولها المعرفية والنظرية والمنهجية، وبين أن تصوغ أفكارها وآراءها بطريقة تشي بالاستقلالية، بل وبالغيرة الوطنية على ثقافتها القومية وتاريخها الطويل، وكان ذلك نتاج قراءتها المتعمقة في الثقافتين المحلية والغربية .