البشر كلهم بدرجات متفاوتة، مصابون بأزمة الوعي المأساوي الشقّي، لأنهم يعيشون ولادة الوعي بذواتهم، وعندما يشرعون بالمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والسلام والأمن، ويبحثون عن زمن السعادة الضائع، وغير ذلك من المقولات الإنسانية غير المحقّقة أو الفاقدة لكمال التحقق، وبكلمة أخرى إن عدم تحقق الأهداف التي يضعها الأفراد، والجماعات، والأمم يولد وعياً بالمأساة وشعوراً بالشقاء، في الفكر والوجود، إن في عدم تحقيق المقولات والأهداف، يكمن جوهر الوعي المأساوي بالحياة .

تعود أصول فكرة الوعي الشقي في تاريخ الفكر الإنساني:

أولاً: إلى الوعي التراجيدي للحياة، أي إلى الفلسفة والتراجيديا اليونانية، وإلى الأسطورة البابلية غلغامش القائلة بالصراع من أجل الخلود، والوعي الشقي بإنتفاء الحياة أي الموت .

ثانياً: امتد أخطبوط هذا الوعي إلى الأديان الوضعية والسماوية، ثم عادت الفكرة لتستنهض بخصوبة رائعة لدى الفيلسوف الألماني هيغل (1770-1831)، إذ احتلت هذه الفكرة مكاناً واسعاً في فلسفته وباختصار شديد، ان فكرة الوعي الشقي، التراجيدي والبائس التعيس، ترتد في جوهرها إلى: الوعي بالذات، أي أن لحظة الوعي هذه، هي إثبات تستدعي نقيضها، وهو النفي ولأن النفي إثبات، كما يقول المنطق الكلاسيكي والجدلي والعلاقة بينهما جدلية وليست نابذة أو طاردة .

ولا يقف الفكر الجدلي عند الحدية الثنائية وتضادها أي: إما الإثبات وإما النفي، بل لابد من وعي هذا التناقض وتجازوه في حركة مستمرة نحو التركيب بينهما، وهذا التركيب يحصل ضمن حركة دائمة تقع في صلب الفكر والوجود، إذ إن في هذين، يعيش التناقض في باطنهما، فالفكر يعي الوجود على أنه حركة مستمرة تقوم على التناقض وهو ذو غائية، وبلغة اليوم: صهر التناقض أو التعايش .

إن الوعي بالذات هو عقل مفتوح على هذا التناقض (الأليم)، أي أن الوعي به يولد البؤس، ولكنه ليس تناقصاً نابذاً أو طارداً لطرف لنقيضه كما قلنا، بل يضمه ويستوعبه وإن المعقولية تتطلب التأليف أو التلاحم بين: العقل، الوجود، ومن هنا مقولة هيغل : بأن كل ما هو موجود معقول، وكل ما هو معقول موجود، وفي هذا السياق الفكري الفلسفي العام يولد الوعي الشقي أو الوعي بالذات، ونقيضه في آن واحد .

لقد ترجمت كثرة لا بأس بها من أعمال الفيلسوف هيغل إلى العربية في ستينات القرن الماضي، وكان من أهم المشتغلين في الفلسفة في العالم العربي والذين عرضوا فلسفة هيغل ، د . إمام عبدالفتاح إمام، ود . حسن حنفي وغيرهما، ويبدو أن النخب الفكرية في العالم العربي قد انقسمت إلى تيارين مثالي وماركسي جدلي، وكلاهما منبثق من فلسفة هيغل ، يميناً ويساراً . هذا فضلاً عن التيارات الدينية صاحبة الفكر التقليدي الصارم وهو فكر ثنائي بطبيعة تكوينه .

وكان موضوع الوعي الشقي قد عولج في الثقافة الأوروبية المعاصرة، ومن أوائل الدراسين للموضوع الفرنسي جان فال، وعولج أيضاً في فلسفات: نيتشه، والأديب اندريه جيد، وهوسيرل، وهيدجر، وشيستوف، وأخيراً الإسباني أونامونو في كتابه الوعي التراجيدي للحياة .

لقد مرّ الشعور بالمأساة والوعي الشقي في الذات العربية بمراحل، تجلت على الصعيد الحسي وعلى صعيد العقل الديني الإسلامي، وسأتناول هنا نقطة واحدة محددة وهي الوعي بمأساة الوجود الذي يعد تمهيداً سيكولوجياً وعقلياً للوعي الشقي .

في ستينات القرن الماضي، صدر كتاب بعنوان العرب، وتجربة المأساة لكاتب نابه، وبمعالجة لا تخلو من ذكاء للراحل صدقي إسماعيل، وقد تطرق إلى محطات الوعي بالمأساة مبتدئاً بالعصر الجاهلي وصولاً إلى المرحلة التي عاشها الكاتب المذكور، ونحن بدورنا سنذهب إلى ما بعد تلك المرحلة، أي إلى اللحظة الراهنة . يقول إسماعيل: لقد تجسدت المأساة في الحياة الجاهلية، قبل الإسلام، في الرضوخ لسنة الوجود . وحركة الزمان الدهر ويعبر عن ذلك مقولة هؤلاء الذائعة في تلك المرحلة والقائلة إن هي إلا حياتنا الدنيا نعيشها، وما يهلكنا أي ينفينا إلا الدهر . انه الوعي بالوجود والفناء .

ولقد رأى الكاتب أن الحروب القبلية، في الفترة الجاهلية كانت من مقومات الوجود اليومي، ولنذكر القارئ بعبارة: أيام العرب في الجاهلية، والمقصود بها: الحروب والصراعات من أجل الماء والكلأ والبعير، ثم القول المعروف في ذلك العصر الناس رجلان: رجل معك ورجل عليك، (ضدك) .

لقد كانت الحروب غاية في ذاتها، وهذا هو الجانب الفاجع وكان نموذج الفارس الجاهلي، هو الرجل الذي يحمل السلاح أبداً ويعيش للقتال مؤمناً بأنه يلبي نداء الحياة، ص 64 من الكتاب .

ولقد كان الجاهلي يعيش تحت وطأة القيم المتوارثة، وهي تعبر في تكوينه عن مجموعة من النزوات العابثة: ص ،66 الذي ينتهي به الامر إلى قداسة الماضي، والاعتراف حيناً وعدم الاعتراف به أحياناً، وبكلمة مختصرة لقد كان الجاهلي منسحق الوجدان أمام الإرادة الخفية التي تتحكم بمصيره، ص 69 . ولقد ارتبطت حرية الجاهلي بالتزامه بماضيه وأهله وعشيرته وقبيلته .

أما في الإسلام فلقد بدأ الوعي نقطة انطلاق التفكير الإسلامي القائلة بأن الحياة هي السبيل إلى الموت وهي برزخ، والمسلم يعيش في باطنه مثقلاً بالفجوات الحزينة، لأن مشكلته الرئيسة هي: الموت، والتفكير باليوم الآخر، ولا اطمئنان للحياة الدنيا، وإن العالم زائل والحياة الدنيا زائفة ولا قيمة لها أمام جلال الابدية، ولحظة الوقوف أمام الله يوم الحساب .

لقد جسد التاريخ العربي الإسلامي هذا الوعي الفاجع ولأول مرة في الحرب الأهلية الفتنة الكبرى على حد تعبير طه حسين .

ولم نغادر حتى اللحظة هذه الفاجعة التي نصوغ صراعاتنا بلغتها، ثم الزعم الذي ساد طوال مراحل تاريخ الفكر العربي الإسلامي الذي تجلى في صراعات الفرق والملل والنحل، وكون كل فرقة عملت على تكفير غيرها، إنها: الإثبات وغيرها النفي .

ان كل فرقة كانت ترى نفسها الفرقة الناجية وما عداها ضالة مصيرها نار جهنم وبئس المهاد، وكما يحصل الآن، حيث الكل يكفر الكل في بعض الأوساط التقليدية التي كرست نفسها لمحاربة الكفار بدلاً عن محاربة الفقر والجهل .

لقد تراكمت مظاهر الوعي التراجيدي في التاريخ العربي الإسلامي من خلال حركة هذا التاريخ المتراجعة، التي تجلت فيما بعد تاريخياً، في انهيار الإمبراطورية العربية الإسلامية وسقوط بغداد، ودخول العرب في مرحلة ما سمي بالانحطاط، وللموضوع أسبابه السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية لامجال للدخول في التفاصيل .

ثم نصل إلى مرحلة انقلاب الإدارة العربية الإسلامية للعالم إلى إدارته من قبل السلطنة العثمانية التي استمرت أكثر من أربعة قرون . وصولاً إلى منتصف القرن التاسع عشر وما سمي بعصر النهضة، حيث فشلت هذه النهضة في تحقيق الوسطية الاسلامية، ما خلق وعياً مأساوياً إضافياً في الشخصية العربية الإسلامية، وأعقب ذلك فشل في تحقيق التنوير والحداثة، إذ اكتفى العالمان العربي والإسلامي بتحصيل المنجزات الحضارية المادية، والرفض شبه الكامل للتنوع والحداثة الفكريين، وتخلل ذلك لا شرعية السلطات السياسية التي ربضت على سطح الحياة مخلفة البؤس والشقاء، والتخلف الشامل، والهزائم المتكررة .

لقد شكلت هذه الظاهرة التراجيدية بمعنى ما القاع اللاشعوري وأحياناً الوعي بعمق المأساة، وما صاحبهما من معاناة أليمة، وهو ما جعل الذات العربية تواجه الحياة وهي متصدعة في باطن كيانها، وعقلها الواعي .

الخلاصة أن الشخصية العربية المعاصرة تقع في أسر الثنائية الحادة الموروثة بين الدين والدنيا، الايمان والكفر، الحياة العاجلة والحياة الآجلة، ولاتزال أنماط الوعي العربي الإسلامي في الفكر والوجدان تمر عبر قناة التفكير الثنائي، زد على ذلك، أننا ننظر إلى العالم على أنه سديم من العبث والنزوات والمشاعر المتضادة والمتنافرة، نعيش بيقين لحظة التنافر الحادة بين البقاء والفناء، بين الوجود العدم، بين الإثبات والنفي، ونميل بشكل عنيف إلى إثبات الذات ونفي الآخر ونتصارع من أجل أي شيء وتنشب صراعاتنا، لأتفه الأسباب والداعية للعقل إلى الاستقالة، ولقد تجسد الوعي العربي التراجيدي والشقي في هذا الموقف من الحياة الذي يخامره البؤس والهزيمة، فانتقلت الذات العربية في العصر الحديث، من خلال الهزائم الكبرى المتكررة نكبة 1948ونكسة 1967 والصغرى، وبعد أن كانت هذه الذات العربية والإسلامية محور الكون، وتمسك بدفة إدارة العالم الوسيط، ثم تحول الوطن العربي قلب العالم على حد تعبير الجنرال ديغول، في الجغرافيا والتاريخ، إلى بلدان لا نصيب لها في إدارة العالم، وهو وضع كافٍ للوعي الحاضر بالمأساة، ولقد نتج عن هذا كله الواقع الأليم الذي يعيشه الوطن العربي، حيث ينعكس في مظاهر العنف، والاقتتال والتعصب والتطرف والمذهبية، وهذه كلها تدور في حلقة التفكير الثنائي الحاد الذي يقوم على إثبات الذات ونفي الآخر، بحيث أصبح العالم العربي مرعباً، الجميع فيه يعمل على نفي الجميع .

لقد لخص الشاعر العبقري أبو العلاء المعري كامل هذا الوعي المأساوي ببيت من الشعر قائلاً:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم