تزخر مدينة جرش الأثرية شمال الأردن، بمئات الأعمدة الصخرية والرخامية الشامخة التي نجت من زلازل وحروب ضربت المنطقة في عهود قديمة، وبقيت شاهدة على تفاصيل يونانية ورومانية وشرقية متعاقبة. تقع المدينة على بعد نحو 50 كيلومتراً من العاصمة عمّان، وترتفع 600 متر فوق مستوى سطح البحر، وتشير دراسات بحثية إلى وجود حياة بشرية فيها قبل 6 آلاف سنة، فيما تؤكد مراجع تاريخية، تأسيسها في عهد الإسكندر الأكبر أبّان العصر اليوناني تحت مسمى «جراسا» اقتباساً من المصطلح الكنعاني «جرشو»، ويعني المكان كثيف الأشجار، حيث كانت المدينة كذلك قبل خضوعها للحكم الروماني طويلاً، وانعكاس الأمر على بنائها سواء عبر الشوارع «المُبلّطة» أو دور العبادة ونمط الحجارة في الساحات المفتوحة والقصور والبوابات والنوافير والمدرجات.
يذكر المؤرخ سليم المحارمة في إصداره «الأنباط في مواجهة مدن الديكابوليس العشرة»، أن جرش تحوّلت في عصر الروم إلى جزء أساسي من تحالفٍ ثقافي اقتصادي، أقامه القائد بومبي عام 63 قبل الميلاد، وبسبب موقعها الحيوي أصبحت لاحقاً بمثابة جسر تجاري، وعانت على مر مئات السنوات نزاعات وأطماعاً متفاوتة، حتى طالها الفتح الإسلامي، بما يوازي عام 635 ميلادية.
ويشير المحارمة إلى مواجهة المدينة زلزالاً عنيفاً عام 747 ميلادية، دمّر جوانب منها، تلاه كوارث طبيعية وحروب أدت إلى خراب أجزاء غير محددة، وطمر أخرى، حتى أعاد فريق ألماني اكتشافها عام 1805 ميلادية توالت بعدها عمليات تنقيب متلاحقة إلى أن نهضت المدينة مجدداً عبر سكانها أواخر القرن التاسع عشر، ثم ظهرت فيها طفرة عمرانية متطورة القرن الماضي من دون الانتقاص من المواقع الأثرية، التي تشهد منذ 35 عاماً مهرجانات وفعاليات فنية وثقافية وتراثية متنوعة بينها عروض المصارعة الرومانية، حيث يرتدي خلالها عشرات المشاركين ملابس للقتال وأغطية للرؤوس، ويحملون أدوات للرماية وفق تدريبات محترفة.
ويشرح المحارمة أبرز معالم المدينة الأثرية الماثلة حالياً التي تُعد المقصد الثاني الأكثر تردداً من الناحية السياحية بعد البتراء، ابتداء من شارع الأعمدة الرئيسي الممتد على أرضية «مُبلّطة» طولها 700 متر، على جانبيها أعمدة صخرية شامخة تنتهي إلى ساحة الندوة بيضاوية الشكل تحيطها على الأطراف أعمدة أخرى أكثر صلابة، تتصدرها تيجان من الطراز الأيوبي.
وتشتمل معالم المدينة على قوس النصر وهو عبارة عن بوابّة رمزية للدخول إلى ساحة كبيرة مفتوحة تؤدي إلى المدرج الجنوبي الذي أُنشئ خلال القرن الأول الميلادي، ومقاعده الصخرية تتسع نحو 3500 شخص بينما يأخذ المدرج الشمالي في الناحية الأخرى شكلاً مصغّراً عن سابقه يصلهما طريق يرتادها الزائرون مشياً لا تخلو من الأعمدة الرخامية المتباينة.
ويُعتبر سبيل الحوريات من المرافق الضخمة في المدينة، مدخله يشبه واجهة القصر، وفور ولوجه تظهر مجموعة نوافير وحوض رخامي فخم، مكون من طابقين عليهما زخارف ونقوش ومنحوتات تعود إلى العام 192 ميلادية، بينما لا تزال بقايا معابد أرتيمس وزيوس وزفس موجودة إلى جانب قاعات يُعتقد أنها كانت مخصصة للبرلمان والاجتماعات والاستراحة وهناك مضمار لسباق الخيول على أرضه آثار إطارات حديدية للعربات القديمة فضلاً عن بناء بيزنطي هندسي حافل بمنحوتات متدرجة ومجرى مائي يُطلق عليه «عين القيروان» كان عبارة عن بركة للاحتفال عمادها أنابيب فخارية حولها قنوات حجرية.
جرش التي يصفها باحثون ومؤرخون بأنها «مدينة الألف عمود» تضم في شقها الآخر المسجد الحميدي الأشهر في محيطه، وتدل تسميته على السلطان عبد الحميد الثاني شُيّد عام 1887 ميلادية، تعلوه على ارتفاع 15 متراً مئذنة دائرية حجرية تتلاءم مع آثار على جهتيه الشرقية والغربية، وفي المدينة كذلك مقام النبي هود عليه السلام على قمة جبلية ضمن قريه تحمل اسمه.