جزر القمر تقاوم طمس هويتها الثقافية باللغة العربية

مسجد سلطان القاسمي موئل وعي للنخب المسؤولة
04:06 صباحا
قراءة 6 دقائق

بقيت جمهورية جزر القمر تحت نير الاستعمار الفرنسي واستبداده اللاحضاري لما يقارب من 150 عاماً، وإذا كانت الجزائر ونتيجة لموقعها الجغرافي ومتاخمتها للعديد من الأقطار العربية، قد أسهمت في تصديها ومقاومتها للاستعمار الفرنسي وصلافته، بتحد واصرار على البقاء والمحافظة على شرعية وجودها واستقلالية قرارها بالانتماء للشخصية العربية الاسلامية وثقافتها الانسانية، ووقوف الشعوب العربية والاسلامية مع الشعب الجزائري، فإن جزر القمر كما سماها العرب الأوائل لما يضفيه القمر من جمالية على ليالي أرخبيلها كان لموقعها وجغرافيتها أيضاً خصوصية في أشكال المقاومة التي انتهجها الشعب القمري من مقاومته للهيمنة الفرنسية ومحاولات طمس هويتها وثقافتها العربية الاسلامية، لكونها تمثل أحد الأجنحة المنزوية بعيداً عن قلب الوطن الكبير، وهو ما أسهم في زيادة معاناة شعبها العربي المسلم، والذي فاق كل تصور خلال القرون الثلاثة الأخيرة.

حافظ سكان جزر القمر العرب على جذورهم وسط تعددية عرفية ولغوية واجتماعية وثقافية شاركهم فيها من جاء من شرق إفريقيا وأهل الملاوي والهند من آسيا، وتؤكد الوثائق التاريخية على أن السلاطين العرب قبل الاسلام هم الذين أسسوا دولة جزر القمر، حيث مثل أهل صور وشيراز واليمن الأكثرية العربية الاسلامية، ما جعل المكان يتسم بملامحه العربية الأصيلة، التي تبقى الممثلة الحقيقية لشخصية المكان، منذ ذلك الوقت وصولاً إلى العام 1841 عندما سيطر الاسطول الفرنسي على الأرخبيل الذي تتكون منه جزر القمر، وكانت نقطة الارتكاز لهذا الاستعمار احتلال جزيرة مايوت التي سماها العرب بهذا الاسم لأن الكثير من رحلات السفن التجارية التي تجوب موانئ المحيط الهندي كانت تنتهي وتتحطم على صخور شواطئها بعدما عقدوا اتفاقاً مع ملكها اندريان الذي تنازل عن الجزيرة للجيش الفرنسي، ومن بعدها استطاعوا احتلال بقية الجزر موهيلي واتفاق مماثل مع ملكتها ساليميا والقمر الكبرى وسلطانها سعيد علي، وجزيرة انجوان وسلطانها سعيد محمد، حيث اضطروا أمام قوة النيران للاسطول الفرنسي وتفوقه في العدة والعتاد، لوضع أنفسهم وجزرهم تحت الحماية الفرنسية ووصاية الحاكم العام للاستعمار الفرنسي من جزيرة مدغشقر، وهو ما عانت منه جزر القمر حتى العام 1975 عندما نالت استقلالها عن فرنسا، من دون جزيرة مايوت التي أصر الاستعمار الفرنسي على اعتبارها إحدى المقاطعات الفرنسية في ما وراء البحار.

خليط عرقي

لعب موقع جزر القمر دوراً مهماً في تاريخها وثقافتها، فهي تقع في المحيط الهندي، مقابل الساحل الشرقي لإفريقيا، وعلى صلة بحرية باليمن وعُمان وبوابات آسيا البحرية، لتشكل محطة تجارية مهمة شجعت عدة أعراق على استيطانها عن طريق السفن التجارية، التي كانت تجوب المنطقة والتي تعود في أصولها إلى خليط عرقي عربي إفريقي آسيوي، إلا أن العرب كانوا الأسبق في الوصول إليها منذ القرن الميلادي الأول، ولكن مرحلة الاستقرار ونمو النفوذ الحقيقي، لم تبدأ إلا مع القرنين التاسع والعاشر الميلادي، حيث ازدهرت فيهما التجارة مع دول الخليج العربي وساحل إفريقيا وبعض دول آسيا، ويرجع بعض المؤرخين في جزر القمر نسبهم إلى الأسلاف العرب، الذين قدموا إليها من اليمن ومملكة سبأ في عدن ومنطقة صور في عمان، وأنهم نشروا ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم في المنطقة التي يسيطرون عليها تجارياً، والتي استمرت حتى افتتاح قناة السويس وتأثيرها في الملاحة في العالم، إلا أنهم يرجعون فترة الازدهار الثقافي العربي الإسلامي في جزر القمر، إلى ازدياد نفوذ سلاطين وتجار زينجيبار التي كانت تخضع للحكم العثماني، ما أفسح المجال أمامهم لترسيخ ملامح الثقافة العربية وانضواء بقية السكان من السواحليين والآسيويين تحت مظلة هذه الثقافة ببعديها العربي والإسلامي، وليس غريباً أن يلمس المرء هذا التداخل والتمازج بين العادات والتقاليد والأعراف بين بعض الممارسات الحياتية التي يعيشها هذا المزيج العرقي الإنساني ما أثرى الشخصية القمرية أبعادها الثقافية والاجتماعية والتي أكثر ما تبدو جلية في ما يتضمنه الفلكلور الشعبي من رقصات وأهازيج، إلى جانب الملابس التي تجمع بين هذه الأعراق فتشكل زياً يختص فيه أهالي جزر القمر، سواء بالنسبة للرجال أو النساء، حيث ترتدي النساء الملابس التي تجمع بين الساري الآسيوي بخصوصية الجلباب العربي والحشمة الإسلامية، مع تلوين وجوههن ببعض المراهم أو الكريم الطبيعي المعطر بهدف اضفاء لمسة جمالية، اضافة لتغذية البشرة وحمايتها من أشعة الشمس، بينما يرتدي الرجال الطاقية العمانية على جلباب يجمع بين الطراز الافريقي والعربي، مع ارتداء سترة معاصرة فوقه، ورغم مساحة الغابات التي تغطي مساحة جزر القمر والتي لا تتعدى 1800 كلم،2 ومع عدد سكانها الذي لا يتعدى ال800 ألف نسمة، تعتبر جمهورية جزر القمر من أصغر وأفقر دول العالم، حيث يعمل أكثر من ثلث السكان في صيد الأسماك، في قرى تتناثر على ذلك السهل الضيق الذي يحاور ساحل المحيط من جهة والجبال التي يصل ارتفاعها إلى نحو 3000 متر، من جهة أخرى، أما باقي السكان فيعيشون على الزراعة واستثمار الغابات، وربما هذا ما دفع فرنسا إلى التمسك بجزيرة مايوت الغنية بنتاج العطور والفانيلا والكاكاو، وهو ما تفتقر إليه بقية الجزر.

حماية اللغة العربية

تحاول اللغة العربية وسط هذه التعددية العرقية واللغوية الثقافية، أن تحافظ على مكانتها بين اللغتين الفرنسية الطاغية في المؤسسات الحكومية والأهلية والتي عمد المستعمر الفرنسي على توسيع انتشارها تعليمياً وثقافياً وفنياً، وبين اللغة المحلية التي تكتب بالحروف العربية، حيث وظف أهالي جزر القمر اللغة العربية وعقيدتهم الاسلامية كسبيل أوحد لا يمتلكون سواه لمقاومة محاولات السلطات الفرنسية طمس هوية الانتماء لهذه الثقافة، فعمدوا إلى بناء المساجد وتعليم الأجيال المتتالية والمواظبة على الصلاة، والاحتفاء بشهر رمضان الفضيل والمناسبات الاسلامية للمحافظة على طابعها الثقافي والفني، إلى جانب التمسك باللغة الأم، من خلال نسخ القرآن الكريم بخط اليد وتوزيعه، وقد اعتبروا ذلك من أسمى آيات المقاومة في مواجهة النفوذ الفرنسي على المستويات السياسية والعسكرية والثقافية.

ومن هنا تأتي المساجد في جزر القمر وتجذير العلاقة بين المسجد والإنسان كمنبر ثقافي، ومن أهم تلك المساجد الجامع القديم ويسمى جامع حاج نوقم والذي يعود إلى العام 825 ميلادية ويعمد الأهالي إلى ترميمه والمحافظة عليه حتى الآن، وهو يمثل أحد مظاهر تلك المقاومة للوجود الفرنسي، حيث كانت تعقد فيه اجتماعات القضاة والولاة مع الأهالي وتحفيزهم على مقارعة المستعمر الفرنسي، واللغة الفرنسية التي كانت اللغة الأولى، وحث الأهالي على التمسك بالعادات والتقاليد في أفراحهم وأتراحهم، والتمسك باللغة الأم، من خلال القرآن الكريم، كما يمثل مسجد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، منارة ثقافية لتلك الهوية العربية الإسلامية، حيث تلتقي فيه نخبة من المسؤولين والمثقفين من أهالي جزر القمر، ويتقدمهم في صلاة الجمعة رئيس الجمهورية أحمد عبدالله محمد سامبي، وقد شيد الجامع في منتصف التسعينات من القرن الفائت، وتتسع رحابه لأكثر من 500 من المصلين، كما يمثل امتداداً لثقافة أهالي جزر القمر بتواصلها مع محيطها العربي الإسلامي، ويسجل الأهالي أحداث ثورة بركان جبل كارتالا البركانية في عام 1997 كشاهد على ثقافة الجامع وتأثيره في عقيدتهم وثقافتهم، حيث ألقت ثورة البركان بحممها في كل صوب وحدب، وعصفت بالمدن والقرى في طريقها من الجبل إلى البحر، ولم ينج منها إلا أحد بيوت الله، الذي لا يزال قائماً وسط الصخور البركانية التي قضت على الأخضر واليابس في طريقها.

وإذا كانت الثقافة تتكون من عدة عناصر ومقومات فإن من أهم هذه العناصر الآداب والفنون، التي تتصل بوجدان وضمير أي شعب من الشعوب الإنسانية ورغم كل محاولات المستعمر الفرنسي في إلغاء دور اللغة العربية وتأثيرها في وجدان الشعب القمري، عبر انشائه المراكز الثقافية وتكوينه للتجمعات الأدبية والفنية المسرحية لانعكاس وهيمنة اللغة الفرنسية، إلا أن وجود هذا التوق الشديد في وجدان وعقول وأهالي جزر القمر في الانتماء العربي أسهم في وجود ومضات كانت سرعان ما تخبو لعدم وجود التشجيع والدعم من قبل السلطات الفرنسية المتعمدة إلى ترسيخ دور اللغة الفرنسية كبديل للغة العربية، وقطع كل السبل أمام تلك الكوكبة من الشباب الذين كانوا يتناوبون على تلقي العلم والأدب في القاهرة ودمشق والرياض والخرطوم، ورغم قلتهم، فقد نجحوا من خلال وجودهم في مجالات التعليم والاعلام والوظائف الحكومية، في الابقاء على دور وتأثير اللغة الأم على رغم كل التحديات والمعوقات التي كان يصطنعها المستعمرالفرنسي، ولحين مرحلة الاستقلال والتي أعقبها انتشار اللغة العربية في المدارس الوطنية واعتمادها اللغة الأم في المناهج الدراسية والتعليمية، وهو ما دعا وزيرة التربية الوطنية مونا فاطمة جليمي في احتفالية تأسيس أول تجمع مسرحي عربي في جزر القمر برعاية ودعم الهيئة العربية للمسرح بأن تعد الجميع بإلقاء كلمتها في الام المقبل باللغة العربية مقررة بأنها كانت من الجيل الذي لم يجد فرصة التعليم باللغة العربية الحاضنة الأولى لثقافة وشخصية جزر القمر الحقيقية، كما وعد وزير التعليم العالي والثقافة د. كمال افرتيم وفد الهيئة العربية للمسرح بتسهيل وتذليل كل الصعوبات أمام الهيئة القمرية للمسرح، بتوجيهات من رئيس الدولة أحمد عبدالله محمد سامبي، ورعاية وزيري المالية والداخلية، والذين أكدوا في مشاركاتهم مع أهالي جزر المقر، بدعمهم للمبدعين الذين يعيدون انتاج ثقافة مجتمعهم عبر الأدب والفن، بما يعبر عن شخصية مجتمعهم وقضاياه، وهمومه من خلال اللغة الأم ما يوسع فعالية المشهد الثقافي وتطوره وإعادة الاعتبار له من خلال آدابه وفنونه المسرحية والتراثية والشعبية، ويطور الحراك الثقافي والاجتماعي، ليستكمل المجتمع هويته الثقافية الحقيقية ويسهم في مسيرة الابداع العربي، وتجسيد أحلام وطموحات المجتمع القمري في قضايا الانتماء والهوية والخصوصية الثقافية عربياً وإسلامياً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"