تجود جغرافيا الدولة بأسرارها الملغزة، التي تكشف كل يوم عن تفردها وتميزها، وكان آخرها ما كشفت عنه الطبيعة من ظاهرتين فريدتين هما «الجبل الذي يتنفس» في جبل الطويين، والثانية «الصخرة الطنانة» في وادي كوب، والمنطقتان تشملان سلسلة جبال واحدة، تتميز بتكوينها الصخري الفريد من الصخور المتحولة.
وكشفت الرحلات العلمية التي تنظمها الجمعية الجغرافية الإماراتية عن تفاصيل تلك الظاهرتين الفريدتين بالتعاون مع أهالي المناطق، ورافقت «الخليج» وفد الجمعية في رحلتها التي نظمتها الجمعية لمعاينة «الجبل الذي يتنفس» وعدد من الكهوف الجبلية التي ضمتها المنطقة في تكوينها الجيولوجي، بالتعاون مع اثنين من شباب المنطقة.
أطلق أهالي منطقة الطويين اسم «الجبل الذي يتنفس» على الجبل، نظراً لاحتواء سلسلة الجبال على عيون مياه حارة في الباطن على عمق أكثر من 200 متر، تخرج منها الأبخرة لوجودها على خط انكساري يمر بالمنطقة.
محمد راشد الحفيتي (30 عاماً)، من شباب منطقة الطويين، الذي كشف عن ظاهرتي «الجبل الذي يتنفس» و«الصخرة الطنانة» للجمعية الجغرافية الإماراتية، يقول: «بالمصادفة، حين كنت أصعد الجبال كعادتي، وجدت تلك الفتحات الجبلية التي يخرج منها الهواء الحار، وحولها نباتات صغيرة، فعرفت أنها ظاهرة غريبة، كوني من أهل الجبال ولم أرها من قبل، إلا أن المنطقة فيها كثير من العيون المائية في وسط الجبال متوزعة على سلسلة جبال الحمري، الذي سمي كذلك نسبة إلى اللون الأحمر الطاغي على صخوره».
ويضيف الحفيتي: «تعرفت إلى الصخرة الطنانة من أهالي منطقة وادي كوب، وبحثت عنها عدة أشهر إلى أن وجدتها وحددت مكانها، وأخبرت الجمعية عن الظاهرتين، فوعدتني د. أسماء الكتبي بزيارة المنطقة مع وفد الجمعية»، مُرحباً بجميع الرحلات الاستطلاعية العلمية، لتوثيق الظاهرتين اللتين تقعان على أماكن شاهقة.
والجبل الذي يتنفس، توجد به 5 فتحات متباينة الاتساع، إلا أن أكبرها لا تزيد مساحتها على كف الإنسان، ويطلق على الجبل «بقيل» فيما يطلق على الجبال المحاذية له أو بالقرب منه «جبر، ومبرح، وجبل الرادار»، في حين تنتشر وعوب أهالي المنطقة في جبلي الضلع والميه.
سالم اليماحي (21 عاماً) يشارك مع صديقه الحفيتي في إرشاد وفد الجمعية الجغرافية إلى الظاهرتين، يقول: «أبحث مع صديقي دائماً عن كل ما هو جديد في الحياة الجبلية، كونها طبيعة فريدة من نوعها وتحتاج لمن يسبر أغوارها، وسنكمل مشوار بحثنا في منطقتنا عن الجبال الغريبة والظواهر التي توجد فيها».
تستهوي الرحلات الاستكشافية عباس علي العلياك (55 عاماً)، مهندس البترول المشارك في رحلة الجمعية للظاهرتين، ما دفعه إلى المشاركة في العديد منها، إلى جانب أن عمله يتخصص في طبقات الأرض وثرواتها. يؤكد العلياك أنه أول مرة يشهد ظاهرة تنفس الجبل، التي تستحق شد الرحال إليها وتحمل وعورة الطريق ومشقاته. يقول: «جبال الدولة تستحق أن تُخصص لها رحلات استطلاعية بحثية علمية لاستكشاف ما تحويه من مظاهر طبيعية ومناظر خلابة، مضيفاً أن مثل تلك البيئة الجبلية تشجع رب الأسرة على تنظيم رحلات استكشافيه يشارك فيها أفراد أسرته، ليعرفهم ما جابه أجدادنا في الماضي، وكيف كانت صعبة في الماضي، فضلاً عن التعرف إلى مناطق دولتهم المختلفة، ويعزز فيهم الانتماء والهوية الوطنية».
تؤكد آمنة بن عدي، موظفة، أن مشاركتها في الرحلة الاستكشافية جددت ارتباطها بتخصصها نظم معلومات جغرافية، واستمتعت بالظواهر الطبيعية التي عاينتها عن قرب، مؤكدة انبهارها بألوان الصخور المتحولة التي تميزت بها المنطقة في جبل «بقيل» فهي ألوان مبهجة كاللون الأصفر المخضر، واللون البنفسجي، ورحلة الصعود إلى الأعلى وتحمل مشاق الرحلة أكسبها التصميم على بلوغ الهدف رغم المصاعب والتحديات.
وتشير آمنة إلى أن الرحلات الاستطلاعية سواء كانت مع الجمعيات العلمية أو مع أفراد الأسرة، تضيف عمقاً للهوية الوطنية، مؤكدة أن مشاركة العنصر النسائي من المواطنات في الرحلات الاستكشافية يعطي بعداً معرفيا للأجانب عن طبيعية المرأة الإماراتية وحبها للاستكشاف.
وتقول ميرة حميد، المعلمة المشاركة في الرحلة، إنها كانت تجربة فريدة من نوعها مع أعضاء الجمعية، وتعرفت من خلالها الى أنشطة الجمعية واكتشافاتها السابقة، من ظواهر نادرة تحتويها بيئة الإمارات الجغرافية، فضلاً عن الثروات الطبيعية التي يمكن أن تكتشف من خلال الرحلات، إلى جانب أنها تعتبر بيئة خصبة سياحياً.
وثمّنت تعاون أهالي المناطق الجبلية، وترحيبهم واستضافتهم بكل كرم لجميع أعضاء الوفد الاستكشافي، ومحاولة إرشادهم للطرق المختصرة للوصول لتلك الظواهر الطبيعية الفريدة من نوعها.
من جانبها تقول د. أسماء الكتبي، رئيسة مجلس إدارة الجمعية الجغرافية الإماراتية، إن الجمعية نظمت منذ إنشائها في عام 2009، 8 رحلات علمية، البعض استغرق منها 10 أيام وأقصرها يومان.
وتؤكد الكتبي أن أغرب ما توصلت إليه الجمعية من خلال رحلاتها تمثل بالكشف الأخير عن «الصخرة الطنانة» التي يحتمل تكونها من النيازك أو الشهب لاحتوائها على المعادن التي تصدر أصواتاً تشبه الدق على المعادن، وتلك الأخرى المتمثلة بالجبل الذي يتنفس، إذ تكونت 5 فتحات مختلفة المساحة، مثل أنوف الحيوانات، ليخرج منها هواء دافئ من أثر العيون الحارة التي يحتويها الجبل، مشيرة إلى أن تعاون الأهالي الوثيق، خصوصاً الشاب الذي دل على تلك الظاهرتين، سهّل الرحلة ووفّر الدعم اللوجستي الكامل لوفد الجمعية.
وزارت الرحلة الاستكشافية كهفين في المنطقة، الأول في الطويين ويبلغ عمقه نحو 15 متراً، أما الثاني في وادي كوب ويصل عمق أحد مداخله إلى 29 متراً، والآخر إلى 25 متراً. وكانت الجمعية تبحث عن كهوف طبيعية يصل عمقها لأكثر من 50 متراً، وخصصت جائزة قيمتها 10 آلاف درهم لكل من يستدل على الكهف العميق في جبال الإمارات، فيما استغلت الرحلة بتصوير تدرجات طبقات الصخور ومعرفة عمرها الجيولوجي الذي يصل إلى آلاف السنين.
ومن أبرز مكتشفات الجمعية، كانت «الصخور المنقوشة» بوادي شحة في رأس الخيمة، بحسب الكتبي، وهي عبارة عن رسوم متميزة عمرها أكثر من 1500 عام، أي قبل العصر الإسلامي للمنطقة، وجرى توثيقها مع أحد الوفود الأجنبية التي رافق وفد الجمعية، وهناك أيضاً مدخل وادي حقيل في رأس الخيمة، الذي يوجد به أشباح الكهوف، كما يعتبر غرب وادي حقيل نافذة جيولوجية نادرة في العالم.
وتركز الجمعية من حيث اكتشافاتها على الكهوف، لسببين. الأول، أن معظم الظواهر الطبيعية درستها الجمعية الجغرافية البريطانية منذ عام 1920 كأنواع الصخور والتكوين الجيولوجي، وغيرها من المظاهر الجغرافية لم تتطرق إلى الكهوف، والثاني أن البعثات العلمية التي قدمت للإمارات لم تتطرق هي الأخرى للكهوف.