تمثل جلسات القات لدى اليمنيات اليوم طقساً يصعب تخليهن عنه تشترك في ذلك ربات البيوت وطالبات المدارس الثانوية والجامعيات وحتى الموظفات في المدن والريف؛ فيما يدور حديث قلق عن فاتورة تكاليف وخسائر تتكبدها المرأة اليمنية جراء هذه الظاهرة الآخذة في التزايد.
وتنظر الفتاة اليمنية إلى هذا الطقس بكونه الوحيد المتاح لهن في ظل غياب النشاطات الشبابية النسوية الرياضية الاجتماعية وهروباً من سطوة التقاليد الأسرية التي تقونن حركات وسكنات الفتاة قبل الزواج، ناهيك عن أن منظومة التقاليد الاجتماعية لدى الأسرة جعلت جلسات القات النسائية أفضل الخيارات وأضمنها.
وثمة اتفاق على أن الظاهرة تحولت أخيراً إلى عبء، بعدما صار الانخراط في جلسات القات النسائية التي تجمع الفتيات من شرائح عمرية أو تخصصات مهنية مختلفة تقليدا يحظى بإقبال وتأييد واسع النطاق.
فحتى وقت قريب كانت معظم الأسر اليمنية تحرم تعاطي الفتاة للقات وتتيح لها ذلك مجرد زواجها، غير أن الوضع تغير اليوم تماما خصوصا في المدن، حيث فرضت التغيرات الاجتماعية أنماطا حياتية مختلفة؛ فضلا عن مناطق الأرياف، حيث تشترك معظم الفتيات في نشاط الأسرة بزراعة وتجارة القات، ناهيك عن أن معظم الأزواج يشجعون زوجاتهم على تعاطيه بصورة دائمة بما يواكب عاداتهم اليومية في تعاطي هذه النبتة.
وطبقا لأحدث الدراسات فإن حوالي 65% من الفتيات في اليمن يتعاطين القات بصورة دورية وتتسع دائرة التعاطي في مواسم الامتحانات والمناسبات الاجتماعية إذ إن الكثير من الأسر تشجع بناتها على تعاطي كمية بسيطة من القات لمساعدتهن على النشاط والاستذكار في حين تتيح التقاليد المتبعة في المناسبات الاجتماعية للنساء عموما تعاطي القات في مجالس كبيرة.
ووفقاً لدراسة يمنية حديثة أجريت على عينة من ألف امرأة يمنية تبين أن أكثر من 77% من العينة يتعاطين القات 25% من هذه النسبة تتراوح أعمارهن بين (25-34) سنة، و25% أعمارهن أقل من 25 سنة، أي أن النساء متوسطات العمر أكثر إقبالاً على القات.
وأظهرت الدراسة أن 9.74% من متعاطيات القات متزوجات ولديهن أطفال وتشكل ربات البيوت نسبة 65% والموظفات 2.26%، والطالبات 3.7% وأن ما يقرب من نصف عدد العينة (82.45%) تخزن القات يوميًا. وقياساً ببيانات سابقة يرى باحثون أن البيانات الجديدة أثبتت أن معدل إقبال اليمنيات على تعاطي القات يتصاعد بصورة مستمرة، وتقول الدكتورة نجاة صائم خليل إن السنوات الأخيرة شهدت انتشاراً، لافتاً للظاهرة بين النساء، بخاصة في المدن بين الجامعيات بعد أن كانت الظاهرة في الماضي عيباً، بخاصة بين النساء غير المتزوجات.
وتعيد الدكتورة نجاة أسباب انتشار الظاهرة في الوسط النسائي إلى التطورات الثقافية والاجتماعية التي أنتجت شعورا لدى المرأة بان تعاطي القات يعد حقاً من حقوقها حتى إن الطالبة الجامعية لا تجد حرجاً في تعاطي القات بحضور وعلم الأسرة أو غيرها، تضاف ذلك عوامل ثقافية واقتصادية واجتماعية، إذ إن القات يعتبر ثقافة يمنية وهوية للإنسان اليمني في حين أنتج الانفتاح والتغير في نمط الحياة في المجتمع اليمني ظروفا جديدة أتاحت للفتاة الخروج والانضمام إلى مجالس القات النسائية التي تقام في يومي الإجازة الأسبوعية.
كما أن استقلال المرأة المادي ساهم في انتشار الظاهرة، حيث إن كثيراً من النساء اليوم يعملن ولديهن دخلا وحاليا تقدر نسبة متناولات القات في اليمن بحوالي 85% واغلبهن من الجامعيات، كذلك تجرى الطقوس المصاحبة لتناول القات والتي أصبحت تجذب يوميا العشرات، فالمجلس والبخور والغناء والمشروبات الغازية والشيشة والمداع وطريقة الاجتماع تتيح تفريغاً نفسياً للفتاة وتتحول إلى عوامل جاذبة للمرأة للانخراط في جلسات القات.
وتؤكد الدكتورة نجاة أن الأمراض الصحية التي تظهر على المتعاطيات للقات ليست من القات كنبات في حد ذاته بل من جراء الممارسات الخفية كاستخدام المبيدات الكيميائية في زراعة القات، ما أدى إلى انتشار أمراض السرطان لدى النساء، ويضاف إلى ذلك التأثيرات النفسية مثل القلق والاكتئاب وفقدان الشهية والشعور بالذنب جراء ترك المرأة لبيتها وأولادها على الأقل أربع ساعات يوميا على حساب مسؤوليتها الأسرية.
وإزاء التأثيرات السلبية ظهرت مبادرات أهلية وعربية لتخفيض عدد النساء اللواتي يتعاطين القات من طريق حملات التوعية والتثقيف بشأن الأضرار الصحية للتدخين وتعاطي القات خصوصاً ما يتعلق بسوء التغذية ونقص أوزان المواليد وأمراض المرأة الحامل.
واستهدفت هذه المبادرات فتيات المدارس الثانوية بشكل خاص والأمهات سعيا إلى توضيح أخطار تعاطي القات والتدخين على صحة الأمهات والمواليد غير أن هذه الحملات أخفقت تماما في الحد من التنامي الكبير في انخراط الفتيات في صفوف متعاطيات القات.
ويرى البعض أن ظاهرة تعاطي القات في أوساط الفتيات اليمنيات أصبحت مثيرة للقلق بالنظر إلى التأثيرات الصحية والنفسية التي تتعرض لها الفتاة جراء تعاطيها هذه النبتة خصوصا وأن تعاطي القات غالبا ما يقترن بالتدخين والشيشة.
وطبقا لدراسة أعدتها منظمة سول حول تأثيرات القات على المواليد تبين أن وزن الأطفال حديثي الولادة لأمهات يتعاطين القات خلال الحمل يكون أقل من الوزن الطبيعي المعتاد؛ فضلا عن أن القات يؤدي إلى نقص إدرار الحليب لدى الأم المرضعة مما يتسبب في إصابة رضيعها بسوء التغذية فيما يؤدي التدخين الذي يصاحب تعاطي القات الى تغيير طعم حليب الأم.