إذا كان الله عز وجل جميلاً ويحب الجمال، وإذا كانت الشريعة هي المؤسسة والضامنة لهذا الجمال، وإذا كانت العبادة الحقة بمعناها الواسع ترقياً في معارج الجمال، فإن هذا يعني أننا أمام دين جميل، الإسلام هو وحده القادر على أن يحقق في الكون وعالم الإنسان أعلى درجات الحق والخير والجمال .

وقد رأينا أن الجمال في الكون هو من نور وجهه سبحانه وتعالى، ما يجعل المسلم يعيش مع مظاهر الجمال التي يطالعها هنا وهناك في خبرة دينية وجدانية عميقة، فكأن الكون كله محراب يقف فيه المسلم مسبحاً باسم جمال الله سبحانه وتعالى .

وللإنسان بصفة عامة ثلاث صلات: صلة مع الخالق إن كان يؤمن بوجوده وبالتالي صلة مع عالم الغيب كله بمفرداته السمعية الواردة عن طريق الوحي المعصوم، وصلة مع الإنسان ممن حوله أو ممن يختلفون عنه في العرق أو الجنس أو الدين أو المستوى الاجتماعي الاقتصادي أو الثقافي، وصلة مع الكون والطبيعة والبيئة المادية التي حوله، والصلة الأولى مع الإيمان بوجود الخالق هي الوحيدة التي يمكن أن تعطي الصلتين الأخريين معاني تتصل بالجمال والحق والخير والعدل، إذ مع انعدام وجود مصدر لهذه المعاني خارج الكون واعتبار المادة هي كل شيء، لا يبقى للجمال معنى إلا من وجهة واحدة هي مايلذ للإنسان ، ومن المعروف أن (الجميل) يختلف عن (اللذيذ) الذي يعد مستساغاً للعضوية كحاجات فيزيولوجية، فالجميل ليس له أية صلة تتصل بالمنفعة أو الحاجة، إن الطعام اللذيذ مثلاً لا يوصف بأنه جميل، فالمادة حيادية بالنسبة إلى القيم، أو منعدمة القيم حسب المصطلح الأجنبي: مٌف ممْن، والمادة كذلك ليست ذات صلة بمعاني الحق والباطل، والخير والشر، والعدل والظلم، من هنا كان الإيمان بوجود الله عزوجل هو مصدر مؤسس وضامن لكل هذه القيم، بما فيها قيمة الجمال التي نحن بصددها، وفيما عدا هذا الإيمان لن تكون هناك سوى (اللذة) و(المنفعة)، وباعتبار أن الحضارة الغربية التي غزت العالم هي حضارة مادية، لم تبق للجمال والحق والخير معاني ثابتة وواضحة على الإطلاق، فبالنسبة إلى الجمال تحول حتى القبح والفوضى والجنون وعدم التناسق إلى فنون توصف بأنها جميلة، وبالنسبة إلى الحق فقد التبس بالباطل الذي أخذ أكثر من وجه ولون واتجاه ولسان، وبالنسبة إلى الخير أو العدل وجدنا العدوان والقتل وأبشع أنواع الظلم تمارس باسمهما .

لقد تحولت السياسة مع الحضارة المادية إلى فن إدارة الصراعات، أو إلى فن انتزاع المصالح ضمن مساومات أو حروب ليست ذات صلة بالعدل والخير، وتحول الفكر بطيف النظريات المستوردة من حضارة المادة إلى أيديولوجيات وطوباويات ودوغمائيات ليست ذات صلة بالحق والحقيقة، وتحولت الفنون إلى جنون وظنون وقبح وفوضى لا يبررها إلا ارتباطها بأسماء معينة تعني الكثير عند المتلقين والتقليد الأعمى .

في المقابل نجد الإسلام صامداً ومحفوظاً وآخذاً بالانتشار في وجه كل هذه التيارات المزيفة، بالحق الذي نزل به الوحي، والخير الذي أسست له الشريعة، والجمال الذي يطلب من الإنسان التحلي به في الظاهر والباطن، في الحضور والغياب، الجمال الذي يتفق مع الفطرة الطيبة التي خلق الله عز وجل الإنسان عليها، والذي هو (جميل) ثابت لكل الناس لأنه جميل بتجميل الله لا الناس .

ونعود إلى الصلات مع الناس ومع الكون والبيئة والطبيعة، فالمسلم يتعامل في شبكة الصلات هذه بمستوى عال من المسؤولية التي تحتمها عليه إيمانياته وفي الوقت نفسه بمستوى عال من الجمالية الأخلاقية حتى مع الحيوان والنبات والمادة من حوله، ويندرج كل هذا تحت اسم العبودية لله عزوجل، والعبادة بمعناها الواسع .

إن التجمل إذاً، هو جوهر الإسلام من باب أنه تجمل على كل المستويات بما فيها المستويات الأخلاقية والإحسانية، من هنا نفهم الصلة بين المعاني التي حددها العلماء لوصف (الجميل) الذي جاء في الحديث ومعاني الجمال في الإسلام، من حيث الكمال وانتفاء النقص والتيسير على العباد والكرم والرحمة والعدل، وبهذا يكون الجمال بهذا المعنى الواسع هو النسغ الذي يغذي إلانسان والبشرية بشكل عام ومصدره القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .