وقدمت رن نموذجاً مغايراً في الإبداع الأدبي جعلها جديرة بالفوز، لكن المشوار الممتد للغيطاني في حاجة إلى وقفات كثيرة لإضاءة بعض جوانبه سواء في الصحافة أم الأدب أو بصورة أدق على المستوى الإنساني.
بعد رحلة امتدت لأكثر من أربعين عاما من الإبداع حصدت خلالها جوائز وأوسمة دولية متعددة. ما شعورك بفوزك بجائزة الشيخ زايد للكتاب؟
- في الحقيقة امتد مشواري نحو خمسين عاما، فقد بدأت الكتابة عام ،1959 في تلك اللحظة أمسكت بالقلم ولم أتركه إلى الآن برغم أن اسمي لم يظهر منشورا إلا عام 1963.
بهجة جائزة الشيخ زايد لا تزال حاضرة وأكن لها تقديرا خاصا فهي أولا تحمل اسم زعيم عربي اعتبره من أعظم الزعماء العرب في القرن العشرين، كما اعتبره حكيم العرب، يكفي أن نرى النهضة التي شهدتها دولة الإمارات العربية على يديه، وهذا هو التقدم بمفهومه الحقيقي. فضلا عن أن الجائزة برغم كونها لا تزال شابة إلا أنها رسخت نفسها سريعا وأصبحت أهم جائزة عربية لا لقيمتها المادية الكبيرة ولكن لمصداقيتها، فالأسماء التي تمنح الجائزة أسماء كبيرة لها قيمتها، كما أن أسماء من حصلوا عليها أيضا تؤكد تميزها يكفي أن نذكر الدكتور ثروت عكاشة والروائي الليبي إبراهيم الكوني والجزائري واسيني الأعرج، فالجائزة تشرف من يحملها والحصول عليها يعطي دفعة معنوية للمضي في الطريق.
منذ خطواتك الأولى بدا اسم مدرستك الابتدائية عبد الرحمن كتخدا وكأنه يحمل إشارة غيبية للعالم الذي سوف يستهويك ويأخذك إلى أغواره.. متى كانت أول التفاتة منك نحو التراث؟
- يمكن القول إن التفاتي إلى التراث بدأ معي منذ الطفولة حينما وجدتني أتساءل عن اللحظة الماضية أين ولّت؟ وقد ظل هذا التساؤل من التساؤلات التي لازمتني إلى الآن، فأنا دوما أتساءل: أين ذهب الأمس؟ أو كما نقول بالعامية المصرية: امبارح راح فين؟، وقد ظل سؤال الزمن مؤرقاً لي في كافة مراحل عمري.
ومن المعروف أن أعقد أسئلة الكونية يطرحها الأطفال، فالأمر لا يعني تميزي في السؤال الذي طرحته طفلاً لكن ما حدث أن سؤال الزمن ظل يراودني وحاولت الإجابة عنه فبدأت بالبحث عن تاريخ المكان الذي عشت طفولتي وشبابي فيه في أرجاء مصر القديمة، وهو من أكثر أماكن العالم ثراء إذ تضرب بجذورها في التاريخ. هناك بدأت أبحث عن أسماء الشوارع والشخصيات التي شكلت تاريخ المكان. المكان نفسه ساعدني على ذلك إذ توجد به أعرق جامعة إسلامية (الأزهر الشريف).
إلى أي حد تأثرت بالصعيد في ظل نشأتك القاهرية؟
- أنا ابن مكانين ولدت في قرية جهينة بصعيد مصر لكنني عشت حياتي كلها في القاهرة، وإن ظللت في المرحلة الأولى من عمري أقضي الصيف كاملاً مع أسرتي في زيارة أقاربنا في الصعيد فصعيد مصر هو خلفيتي الأولى. الصعيد مكان تمتزج فيه ثقافات قديمة وعريقة، ففي قبيلتي العربية جهينة نتحدث العربية الفصحى، إضافة إلى التراث الشفهي القادم من حقب تاريخية مختلفة تحمل ثقافة رومانية وفرعونية وهذه الثقافة لا تزال مستمرة إلى الآن.
استوعبت جانباً كبيراً من هذه الثقافة الشفهية عبر حكايات وأمثال متوارثة، كثيرا ما كنت أسمعها من الجد والجدة والأب أيضاً، وبدأت أعيد اكتشاف طبيعة الصعيد الخاصة في السنوات الأخيرة أكثر من أي فترة أخرى، وأصبحت أدرك من جديد الجمال الخاص بالمكان وقد أضافت لي إقامتي بالقاهرة القديمة بطابعها العربي الإسلامي جانبا آخر جذبني منذ البداية نحو التراث.
التراث والحداثة
كيف قمت بالتعاطي مع الإشكالية التي يطرحها شغف المبدع بالتراث وإمكانية استدعاء نصوص تراثية - دون قصد - في نصه الإبداعي؟
- أنا أتعامل مع التراث كجزء من علاقتي بالزمن وبالثقافة ولا يوجد عندي تلك النظرة الجامدة له باعتباره شيئاً ميتاً أو كتباً صفراء، وإنما تعاطيت مع التراث باعتباره شيئا حيا داخلنا يربطنا بالزمن، وكان هذا ما دعاني لاستدعاء أساليب قديمة في السرد لم يكن أحد يستخدمها، ومن خلالها وصلت إلى الحداثة إلى الحد الذي جعلني أكتشف أساليب حداثية كانت تستخدم في التراث قبل أن تظهر في الثقافة الأوروبية الحديثة. وكنت أول من لفت النظر إلى الأساليب التي استخدمها المؤرخون المصريون في حولياتهم والتجديد الذي ميز معالجتهم للتاريخ عبر أسلوب أدبي واقعي.
كان ذلك كالنبش في الأضابير لكني اكتشفت الأساليب الجديدة المتطورة التي استخدموها، وحيويتها التي ساعدتني في استيعاب معانٍ لم تكن الأساليب الشائعة قادرة على استيعابها، كذلك الحال مع أبو حيان التوحيدي الذي كنت وراء الاحتفاء بمؤلفاته في مؤتمر دولي مطلع التسعينات.
لكن كيف يتواصل القارئ مع ذلك النوع من الكتابة؟
- اهتمامي بالقديم لا يعني أنني أنغلق على الأساليب العتيقة فأنا قارئ ومتابع لما يصدر في الغرب من اتجاهات حديثة. وأخضع القديم للحديث وأخضع الحديث للقديم، وهنا أذكر أستاذا لي تتلمذت على يديه وهو الشيخ أمين الخولي الذي بدأت علاقتي به عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري عبر صالونه الثقافي الأسبوعي الذي لم أنقطع عنه حتى وفاة الشيخ في عام ،1966 وكان يردد مقولة أخذت منها المادة الأولى في إبداعي: فلنقطع القديم بحثاً حتى نصل إلى الجديد.
بدأت حياتك المهنية رساماً فهل كان الرسم اختيارك الأول؟.. إلى أي حد ظلت تطاردك مفردات التشكيل في الإبداع المكتوب؟
- تأثري بالفن التشكيلي قائم حتى الآن في كل ما أكتب، صحيح أنني دخلت هذا المجال لهدف مختلف فقد أردت أن أقصّر الطريق على والدي الذي كان يحمل أعباء كثيرة، لكنني تعلمت بالتحاقي بقسم السجاد اليدوي في المدرسة الثانوية الفنية أسراراً فنية لا أزال بعد 50 عاماً من تلك المرحلة أدرك قيمة الفن الذي تعلمته.
كيف حققت هذا القدر من التثقيف الذاتي في ظل أسرتك البسيطة؟
- أنا من أسرة فقيرة لكنه ليس فقراً كالذي نراه اليوم، فقد كان والدي حريصاً على تعليمنا وتثقيفنا، وهنا أذكر أخي الذي دخل في المرحلة الإعدادية مدرسة المتفوقين وكان يساعد والدي في مصاريف البيت، فقد كانت المدرسة تصرف لطلابها مكافأة تصل إلى 18 جنيهاً في حين كانت الرواتب آنذاك لا تتجاوز 12 جنيهاً. فقد أقام عبد الناصر تجربة عظيمة بتأسيسه لمدرسة المتفوقين في حي عين شمس في القاهرة، وكانت تضم أوائل الشهادات العامة وتوفر لهم السكن ومكافآت شهرية مجزية وتساعدهم على التخصص في المجال الذي ينبغون فيه، وقد التحق أخي بكلية الفنية العسكرية عام 1966 ثم تخرج في أكبر الجامعات الأمريكية، واعتبر من أهم خبراء الاتصالات في مصر، كذلك أتمت أختي دراسة الحقوق وأتم أخي الثاني دراسة الآداب. أما أنا فقد اعتقلت لأسباب سياسية ولم أكمل تعليمي في كلية الفنون التطبيقية ثم وجدت أن تكويني الحر يدفعني لممارسة الكتابة والإبداع.
في أوقات كثيرة تقتل ممارسة الصحافة الإبداع أو على الأقل تعطله كيف أفلت من تلك الإشكالية؟
- نحن لا نقرر ما نريد في حياتنا. هكذا كان دخولي إلى عالم الصحافة بالمصادفة فبعد أن نشر كتابي الأول أوراق شاب عاش منذ ألف عام فوجئت بالمفكر الراحل محمود أمين العالم يكتب عنه من دون أن يراني، ثم التقيته لأشكره وإذا به يعرض علي العمل في الصحافة هكذا التحقت بأخبار اليوم منذ عام ،1969 وقد اخترت منذ ذلك الوقت أن أبدأ عملي الصحافي في جبهة القتال برغم أنني كنت معفى من الخدمة العسكرية، فقد كنت كأبناء جيلي نصر على تجاوز هزيمة يونيو وهناك بدأت عملي الصحافي بدافع وطني وحققت خبطات صحافية تصل مهنيا إلى حد العالمية وعبرت إلى سيناء وهي محتلة مرتين وقد أفادتني هذه التجربة إلى حد كبير فيما بعد.
في مرحلة لاحقة حرصت على أن أبتعد عن المجال الثقافي فقد كنت دائما ما أقرأ أن الصحافة تؤثر في الأدب وأقرأ تجارب الكتاب العالميين مثل ماركيز الذي قال إن الصحافة تدمر الذاكرة، وهيمنجواي الذي اعتزل الكتابة الصحافية ليتمكن من الإبداع.
في تلك الفترة كان العمل الصحافي يضيف ولا يأخذ وربما يرجع ذلك إلى أنني لم أدخل الصحافة ككاتب وإنما بدأت الصحافة من أول درجاتها، حيث مررت بكل مراحل العمل الصحافي ومارستها. وقد تنبهت إلى خطورة الخلط بين الصحافة والأدب وحرصت على أن أفصل تماما بين ممارستي لهما، وتمكنت من ذلك بنجاح إلى أن توليت إصدار أخبار الأدب التي أخذت من وقتي الكثير.
صحيح أنني لا أميل للندم لكن لو أتيح لي تقييم مراحل حياتي فأنا لست نادماً على أي من مراحل حياتي باستثناء رئاستي لتحرير أخبار الأدب، ولو رجع الزمن لن أقبل هذا المنصب.. صحيح أننا بنينا منبراً ثقافياً عربياً مهماً وفي ظل ظروف صعبة وخدمنا الثقافة العربية لكن هذا الدور كان باستطاعة أي صحافي آخر أن يقوم به، لكن في النهاية من المستحيل أن نعود بالزمن للوراء.
إذا عدنا مرة أخرى إلى الجبهة وسنوات العمل محرراً عسكرياً.. ألا تشعر أحيانا بأنك تحمل في عنقك أمانة وأن هناك قصصاً كثيرة عليك أن تسجلها؟
بمعنى آخر: هل كتبت عن تلك الفترة كما كنت تتمنى؟
- لم أكتب بعد كل ما أردت كتابته عن فترة وجودي على خط النار، وقد التقيت مؤخرا بالكاتب بن أوكري الذي شارك في حرب استقلال بيافرا في نيجيريا وسألته هل كتبت عن الحرب فأجاب بالنفي ثم بادرني بالسؤال: هل كتبت عن الحرب التي عايشتها، فقلت له ليس بالقدر الذي يرضيني، فعقب بأن الأديب يحتاج إلى فترة طويلة حتى يتمكن من الكتابة عن ساحة القتال التي كان جزءا منها.
راودني إحساس خاصة بعد التطورات التي حدثت على الساحة السياسية عام 1974 بأنه سيأتي اليوم الذي سيُنسى فيه الشهداء وقد حدث ذلك بالفعل وأصبح أهم قادة الجيش المصري مجهولين بالنسبة لأجيال كاملة، لكنني دائما أدافع عن قضية الذاكرة الوطنية والقومية وأبحث عن الوسائط الجديدة التي تمكني من مقاومة هذا التجاهل للشهداء. فكتبت أرض أرض.. حكايات الغريب.. وروايتي التسجيلية الرفاعي مدفوعاً بهدف أساسي وهو ألا ينسي الناس شهداءنا. عندي مشروع كبير عن الحرب، داخلي تجربة عريضة.. فقد قضيت ست سنوات على الجبهة وفي الخط الأول في مناطق مختلفة وهي بالفعل تجربة تحتاج إلى التعبير عنها وقد يكون ذلك قريباً.
اللغة الخاصة
كتبت دفتر التدوين الأول خلسات الكرى في توقيت متزامن مع إصدار الكاتب الكبير نجيب محفوظ ل أصداء السيرة الذاتية وكانت تيمة الحلم مسيطرة على العملين.. ما سر هذا التشابه؟
- إلى حد كبير يمكن القول إن التجربتين مختلفتان تماما رغم اعتمادهما على تيمة واحدة.
نحن الأبناء الشرعيون لنجيب محفوظ، وقد كنت أنا بالذات الأقرب إليه لكن ذلك لا يعني أن يكون الابن شبيهاً بوالده، وإذا رجعت إلى التجليات التي كتبتها قبل أن يصدر محفوظ أصداء السيرة ستجدين أن التجربة الصوفية واضحة لكن محفوظ اقترب أكثر من خلاصة التجربة عبر النصوص المختزلة الناطقة بالحكمة في صورة أقرب للشعر.
ما يجمع بيننا أن هناك إحساساً قوياً جداً بالزمن وهذه المسألة تؤرقني منذ البداية ودائماً ما تبدو في أعمالي، هناك عامل آخر دفعني لابتكار لغتي الخاصة إذ إن الأشكال التقليدية في السرد لم تكن تريحني فبدأت أكتب من خلال أشكال السرد القديم الأشكال الشفاهية، إلى أن تحررت تماما من تلك الأشكال في كتاب التجليات الذي سجلت فيه مشاعري بعد وفاة الوالد إضافة للوالد الأكبر الزعيم جمال عبد الناصر الذي بدأت آنذاك حملة للهجوم عليه وشعرت بأنه أصبح بعيداً جداً وعلي أن أستدعيه فيما أكتب.
أحيانا يتساءل البعض: كيف نكن هذا الاحترام والحب لعبد الناصر برغم اعتقالنا في عهده؟ والإجابة بسيطة إذ إن القضية ليست شخصية فعبدالناصر هو الذي أنصف البسطاء ومن بينهم والدي، وكان خلافنا معه على التفاصيل لا على الأهداف، لذا فمن الطبيعي أن يعلو الإنسان على ذاته عند تقييمه لتلك الفترة المزدهرة في عمر مصر وقد بدأت دفاتر التدوين كمغامرة هدفها حفظ الذاكرة.
استمدت القوالب المختلفة لرواية السيرة الذاتية في كثير من الأحيان أهميتها من فعل البوح ذاته في زمن لم يكن فيه من السهل على الأديب أن يفعل ذلك أما الآن وبعد أن أصبحت الأعمال الأولى للأدباء تحمل قدرا هائلا من البوح الصادم ألا ترى أن أدب السيرة فقد جانبا من جاذبيته؟
- السيرة الذاتية هي فن قائم بذاته وإذا استطاع الكاتب أن يروي تجربته بصدق، حتى وإن كانت تجربة محدودة، فسينتج عملاً متميزاً، لكن مشكلتنا أن ثقافتنا العربية لا تمنحنا حرية البوح المطلقة لهذا أشك كثيرا في مدى مصداقية كثير مما يكتب الآن حتى وإن جاء صادما، كما في الأعمال الأولى لشباب الكتاب وأعتقد أنها لا تخلو من مبالغة، بالذات في المناطق الشائكة كالجنس والدين، وأحيانا تأتي الجرأة لمجرد لفت الأنظار. وللكاتب الحرية في أن يروي جانبا من سيرته في رواياته أو أن يسوقها في الإطار الذي يراه ملائما، لكنني أعتقد أنه لا يمكن اعتبار دفاتر التدوين سيرة ذاتية لأنني أحيانا أدخل إلى العالم العجائبي والغرائبي.
عبر ستة دفاتر للتدوين طُفت بالقارئ عبر عالمك الخاص واستدعيت تجارب وأفكارا وأبرزت ومضات غامضة كانت تبدو عابرة وانتهيت في رن بالبحث عن ماهية تلك الرحلة كلها عبر البحث عن الماهية.. ألا ترى أنك اختتمت دفاترك بالقضية التي كان ينبغي أن تبدأ بها؟
- لم أكتب مطلقا بناء على نموذج مسبق أو تقليد لشكل روائي قائم لكني كذلك لم أتجاهل القديم أو أتغافل عن الحديث وإنما سعيت لاستيعابهما وتجاوزهما، وأجمل ما يعجبني في تجربة دفاتر التدوين أنها شكل مفتوح للكتابة بكل أشكالها قد تكون رسالة أو تأملا أو غير ذلك.
لاحظ أحد النقاد أنك لم تذكر الموت مطلقا في دفتر التدوين الأخير رن بخلاف الدفاتر السابقة فهل جاء ذلك بغير قصد؟
- بالتأكيد جاء ذلك بغير قصد، لكن الموت صار قريباً، وعادة لا يرى الإنسان الأشياء القريبة منه جيدا إذ إنها تتحول في بعض الأحيان إلى جزء منه والى فكرة قائمة يتعايش معها. في اعتقادي أن الإنسان يموت تدريجياً بمعنى أنه يستعد لمواجهة تلك الحقيقة الأزلية، وفي رن يتضح التكيف مع فكرة الموت رغم أنه لا يذكر صراحة.