جمال القصاص: خيال ميدان التحرير أكبر من أي نص

13:33 مساء
قراءة 6 دقائق

ينتمي الشاعر جمال القصاص إلى جيل السبعينات من القرن الماضي، لكنه يكتب في صمت بعيداً عن الصخب والضجيج الإعلامي وصراعات جيل السبعينات، وهو يكتب نصاً شعرياً قوياً بمفرداته وهاجسه وموسيقاه، نص يمتلئ بدلالات وعي ذات مستويات متعددة ليقود الواقع إلى الأجمل، بعيدا عن التناقضات التي تصنع السأم .

أصدر القصاص العديد من الدواوين الشعرية منها: خصام الوردة، شمس الرخام، ما من غيمة تشعل البئر، السحابة التي في المرآة، من أعلى بمحاذاة الموسيقي، رباعية شعرية، كولمبس على الحافة، وحصل على جائزة كفافيس الشعرية في عام 1998 وترجمت مختارات من أشعاره إلى الانجليزية والفرنسية واليونانية . هنا حوار معه:

نساء الشرفات هو عنوان ديوانك الجديد، لماذا اتخذت الشرفة نافذة للإطلالة على عالم المرأة؟

الشرفة على مستوى المعمار تمثل إطلالة على الخارج، فحينما تشتد عتمة الداخل بكل حواجزه وضغوطه يهرع المرء إلى الشرفة، حتى يستنشق نفحات من الهواء الطلق تضفي قدراً من الهدوء على أعصابه وخياله، والشرفة هي مقوم بصري بمعايير الفن التشكيلي، ومن ثم ذات مدلول فلسفي لكن المشكلة التي نواجهها هي كيف يمكننا عبر هذا الحيز الضيق النظر إلى عالم النساء وما يحمله من أحلام وطموحات، لذلك فإن النظر عبر الشرفة ليس عابراً ولكنه يمثل عتبة لاقتناص مساقط رؤية وزوايا في مشهد الشرفات نفسه، بمعنى أنني أنظر إلى الشرفات بعين طفل محايدة، تترك لهؤلاء النساء حرية اكتشاف ذواتهن وأحلامهن المقهورة، ورغباتهن المقموعة تحت ضغوط الواقع والحياة، ومهمتي كشاعر هي كيفية وضع هذه المشاهد التي تتوالى من الشرفات في نسق شعري يتمتع بقدر من الطزاجة والسلاسة اللغوية، خاصة أنني أدرك أن نساء شرفتي فقيرات مقموعات خرج معظمهن من قاع المجتمع، لا يملكن من ترف الحياة سوى أن يصادفن أساسا لحظة آمنة من العيش .

برأيك، هل مازالت المرأة ملهمة للشعراء؟

المرأة موضوع مهم للإبداع، وفي تراثنا العربي توجد مقولة شهيرة: المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه، وأتصور أن غريزة البقاء والتشبث بالحياة يقع عاتقها الأول على المرأة، المرأة التي تشكل لحظة التوازن بين ثنائيات الوجود ما بين الحب والكره، الخير والشر، القوة والضعف، الرغبة والحلم، المرأة نقطة التوازن التي تحرر كل هذه الثنائيات من التعايش العقيم وتجعلها قيماً فاعلة في المجتمع، وأيضا في الروح والجسد الإنسانيين، وأنا في شعري أتعامل مع اللغة باعتبارها ثمرة من ثمرات الطفولة والأمومة، ولذلك تبرز المرأة كفاعلة أولى في نصي الشعري .

هل الجمال حالة نهائية متجمدة أم متحركة وقابلة للتغيير؟

مهمة الفنان أن تكون لديه القدرة على التعبير عن الجمال في القصيدة، ولا يكتفي بذلك، فالجمال قيمة مضافة ومبتكرة أيضاً يخلقها الفنان من داخل تضاعيف نصه وقدرته على التوغل في ما وراء الأشياء والعناصر والواقع، ومن ثم فالجمال ليس قيمة نقية بذاتها ولكنها تتحقق بمدى تفاعل الفنان معها .

هل يكشف الشاعر عن الجمال النمطي أم أنه مسكون بالأسئلة عن كل ما هو جديد ومغاير؟

أنا معني بخلخلة نمطية الجمال في الشعر، فالأشياء الاعتيادية والمبتذلة يستطيع الشاعر أن يكشف عن طاقة ما للجمال في هذه الأشياء .

وبالنسبة لي أنا معني بفكرة السؤال بشكل أساسي، وفي رأيي الشاعر صياد أسئلة وليس هناك أجوبة نهائية ومكتملة، لكن هناك أجوبة تفضي إلى أسئلة دوماً وإلا سوف تنتهي الحياة وتصبح عقيمة، لكن المهم كيف تقتنص السؤال وكيف يصبح مفتوحاً على تخوم النهايات والبدايات معاً، فالسؤال يتجدد بقوة النص وبقوة الحياة معاً .

ما العلاقة بين ذاكرتك وكتاباتك؟

في كتاباتي هناك علاقة قوية بين الذاكرة والحلم، لأنه من خلال تفاعلهما يتم خلق لغة أخرى في النص الشعري، فالحلم يخلق الذاكرة والذاكرة تخلق الحلم، وهي علاقة جدلية وكأنهما حربتان تتصارعان من أجل حرية واحدة هي حرية النص الشعري، وأعتقد أن الفن والإبداع من دون ذاكرة يساوي العدم .

أنت تكتب بصوت عال، لكني أراك في طبيعتك ميالاً إلى الهدوء الصامت دوما، ما تفسير هذا في تجربتك الشعرية؟

في الحياة أميل إلى منطقة الظل بعيدا عن الضجيج والضجر، لأنني في هذه المنطقة أستطيع أن أتأمل الأشياء بشكل أعمق وأكثر نفاذاً، وأستطيع أيضا أن أراجع نفسي وأعيد قراءتها بين الحين والآخر، وأتصور أنك حينما ترفع صوتك عالياً لن تصغي إلى نفسك في اللحظة نفسها، ولكن سوف يسمعك الآخرون، والكتابة الشعرية تحتاج إلى نوع من الإنصات الداخلي بين الشاعر والنص يصل أحيانا إلى حد الهدهدة، وكأن النص طفل قد ولد للتو .

كيف تفسر انتقال مناخات القصائد في دواوينك بين موضوعات شتى، هل للعمر أم للتجربة الشعرية؟ أم لتغير المشهد الثقافي؟

أتصور أن المبدع هو نص واحد، لكن مع تراكم التجربة والخبرة في الحياة والإبداع والفن يتم خلق مسارات جديدة لهذا النص الواحد، ويتم العزف على وتر هذا النص الواحد بإيقاعات أخرى مختلفة، وأنا بحكم دراستي للفلسفة أمزج بين شعرية الفكر وشعرية المشهد، وطبيعة الحال كلما تقدم المبدع في الشيخوخة يصبح همه أن يقتنص شكلا من أشكال الحكمة للشعرية وحكمة الحياة، لان الشاعر محكوم دوما بثلاثة مستويات من الرؤية هي: العالم أو الواقع كما يجب أن يكون، والعالم الواقعي كما يسعى له الآخر أن يكون، والواقع كما يتمنى الشاعر نفسه له أن يكون .

في كل دواوينك هناك رحلة بحث عن شيء مفقود مادي أو معنوي كالحرية والعدل والأمان، لماذا كل هذا القلق في كتاباتك؟

القلق الفني شكل من أشكال المعرفة، وهو الذي يخلق سؤال الفن، لأن القيم الإنسانية ثابتة بالرغم من اختلاف الثقافات والحضارات والقيم جوهرها ثابت، لكن كيف تتحرك هذه القيم وتنتقل من الثبات إلى الحركة، بمعنى الحب قيمة جوهرية ثابتة لكن تشكل ممارسة الحب هو الذي يجعلها تسلك مسلكاً راقياً أو متخلفاً، فالقلق هو صانع الشكل في الشعر وهو الذي يعطي هذا الشكل جدة وحيوية، وقادر على منحه نفسه كل يوم بشكل جديد، والقلق هو الذي يكسب المضمون معناه ويجعله قابلاً للتجدد .

كتاباتك في الشعر لها خصوصيتها، حيث توظف الرموز والأعلام ومعجمك غني ومفرداتك غير متداولة، فهل تبحث عن التفرد في الكتابة؟

بالتأكيد كل فنان يبحث عن لحظات خاصة من التمايز ويراكم خصوصيته الفنية، وبالنسبة لي الإبداع الشعري كتلة ينقصك فيها عنصر أو مقوم جمالي عن الآخر، وأتعامل مع اللغة بالقوة والوعي نفسهما اللذين أتعامل بهما مع الرموز والمفردات المستقاة من واقع الحياة اليومية أو من التراث والتاريخ المهم أن يصل الفنان إلى نفسه دائماً إلى نصه الخاص، وهنا تكمن قدرته في المزج بين أصناف شتى للمعرفة، وهذا في رأيي الذي يشكل الخصوصية الأساسية لكل فنان على حدة .

عناوين دواوينك مستقاة من عناصر الطبيعة، فهل تعتبر نفسك شاعراً يحن دوماً إلى رومانسية الطبيعة؟

لا، ولكنني أتصور أن الإبداع الجيد يستقي من مخزون الطفولة، ومدى قدرة الشاعر على التعامل مع الطبيعة الإنسانية بكل محمولاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، وتعاملي مع الطبيعة بشكل خاص يرجع إلى عشقي إلى الفن التشكيلي، وقيم التجريد موجودة في الطبيعة، لكنها ليست موضوعة في إطار لوحة فهي مفتوحة على احتمالات وتساؤلات عدة، فعناصر الطبيعة تغني الصورة الشعرية أساسا وتجعلها متسعة وحية، خاصة أن الإنسان لا ينفصل عن الطبيعة والقصيدة أشبه بالنبتة التي تحتاج إلى الرعاية والتخلص من الأعشاب السامة حولها .

الملاحظ انك تغرد خارج سرب جيل السبعينات فهل تعتقد أن تجربة السبعينات قد استنفدت أغراضها؟

لا، التجارب الحقيقية في الفن لا تستنفد أغراضها، ولكن ينتابها لحظات من الخفوت وربما الجمود، لكنها تظل تجربة قادرة على العطاء من خلال ما يسمى بالموجة أو التيار الذي يصنع هذه التجربة .

ومن الوجهة النقدية يمكن النظر إلى تجربة جيل السبعينات في مراحل ومحطات معينة، وهذه التجربة نهضت وتفوقت ثم توقفت في محطات أخرى، المهم أن تجربة جيل السبعينات تحتاج إلى مراجعة من قبل شعرائها أولاً ومن قبل التوجه النقدي ثانياً، لأنها تجربة مفصلية في تاريخ الشعر العربي الحديث .

هل العمل الصحافي أفادك في الكتابة الشعرية؟

الصحافة مضرة بالشعر، رغم أنها قد تحقق للشاعر قدرا أكبر من الذيوع والانتشار، لكن عالم الصحافة مترهل ومليء بالحقائق المغلوطة والشاعر يحتاج إلى مسافة من التأمل والهدوء والعمل الصحافي لا يوفر هذا، فالعمل الصحافي يأكل بامتياز رصيد القراءة ومتعتها، والمبدع بشكل عام محتاج إلى مهنة أو وظيفة يحدث فيها التوافق بين البعد الجسماني والبعد الداخلي والروحي .

ما نصيب ثورة يناير من إبداعاتك؟

النص الشعري للثورة لم يظهر بعد، وكل ما كتب عن الثورة يندرج تحت الأناشيد الشعرية، لكن نص الثورة الحقيقي لم يبدأ بعد ويحتاج إلى أكثر من مراجعة، والمشهد الثوري مازال ضبابياً ولم تنكشف غمته بعد، وفي تصوري أن الثورة في الشعر تعني ثورة في اللغة الشعرية والمنهج، بحيث تقتحم مفردات الثورة القصيدة، والخيال في ميدان التحرير كان أكبر من أي نص حتى الآن، ولكي يتم استيعاب هذا الخيال الجامح بكل هواجسه ومظاهره المختلفة، فهذا يحتاج إلى مسافة للتأمل وإعادة القراءة وترتيب الأشياء من جديد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"