اتفق علماء الشريعة وخبراء الاقتصاد الإسلامي على أن الزكاة هي أول ضريبة نظامية في تاريخ الاقتصاد في العالم، وقد نظمت الشريعة الإسلامية وسائل جمعها وتوزيعها على مستحقيها تنظيماً دقيقاً محكماً ينتهي بها إلى تحقيق أهدافها، لكنهم كشفوا عن أن هذه الضريبة الإلهية لا تحقق الآن أهدافها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في حياة المسلمين نتيجة تكاسل وانشغال الكثيرين عنها وجهلهم بالمطلوب منهم شرعاً .
من هنا تعددت مطالب العلماء والاقتصاديين بإنشاء مؤسسات رسمية أو ذات طبيعة خاصة تقوم بتنظيم جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها، حيث لا يجوز أن نتركها لأمزجة الناس، خاصة بعد ضعف الوازع الديني عند كثير من الناس في هذا العصر، وقل منهم من يحرص على آداب وتعاليم وأحكام الإسلام واجتهادات كثير من الفقهاء قديماً وحديثاً تجعل لولي الأمر سلطة جمع الزكاة وتوزيعها على المستحقين لها .
فهل الدولة مسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها؟ وهل تدخل الدولة في ذلك يحقق الهدف ويدفع الجماهير إلى دفع هذه الضريبة التي فرضها الخالق ولم تفرضها القوانين؟ وهل يجوز سن تشريعات تعاقب الممتنع عن إخراج ما عليه من زكاة؟
تساؤلات كثيرة طرحناها على عدد من علماء الشريعة وأساتذة وخبراء الاقتصاد الإسلامي وفيما يلي خلاصة إجاباتهم:
المفكر الاقتصادي الإسلامي الدكتور محمد عبدالحليم عمر، أستاذ المحاسبة والمدير السابق لمركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، يؤكد بداية أن موارد الزكاة تكفي لحل مشكلتي الفقر والبطالة في بلادنا العربية والإسلامية . . ويقول: لو أخرج المسلمون ما عليهم من زكاة مفروضة لما بقي فقير أو محتاج أو حتى محدود دخل في بلادنا العربية، فموارد الزكوات المشروعة تكفي لكل صاحب حاجة في بلادنا العربية والإسلامية ويفيض منها الكثير، لكن المحزن أن ما يأتي من هذه الموارد الآن لا يمثل عشرة في المئة، لأن الحكومات لا تخرج الزكاة والأفراد أو بمعنى أدق كثير منهم انصرفوا عن هذه الفريضة، لذلك فكرنا منذ فترة في إنشاء هيئات مستقلة بعيداً عن الحكومات تتولى جمع الزكاة وتوزيعها على المستحقين لها، ولكن قوبلت الفكرة باعتراض البعض وقالوا: إن هذه محاولة لكي تضع الحكومات أياديها الطويلة على أموال الزكاة ورفضت الفكرة من البعض مع أن الهدف كان الفقراء الذين تتضاعف أعدادهم وليس الحكومات .

حراسة الدين

ويضم الدكتور عمر صوته إلى أصوات فقهاء الإسلام الذين يرون أن الدولة مسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها، لأن هناك أمراً إلهياً يقول: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"، والأمر هنا لولي الأمر الذي يجب عليه بحكم مسؤولياته أن يبحث عن وسيلة لإلزام الناس بهذه الضريبة المالية التي شرعها الله .
ويوضح الدكتور عمر أنه لا سبيل إلى تعزيز الاستفادة القصوى من فريضة الزكاة إلا بتطبيق قانون للزكاة، لما له من دواع شرعية ومالية وتنظيمية، فالزكاة ركن من أركان الإسلام، وإقامة الزكاة في المجتمع تدخل في واجب حراسة الدين، مما يتطلب من الدولة القيام بشؤون الزكاة، وذلك لا يكون إلا بقانون ينظمها .

الدور الغائب

د . يوسف إبراهيم، أستاذ الاقتصاد ومدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، يؤكد أن الدور الاجتماعي والاقتصادي لفريضة الزكاة لا يزال غائباً عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية نتيجة تجاهل أو تقاعس الكثيرين عن هذه الفريضة . . ويقول: لقد علمنا القرآن أن للزكاة أهدافاً روحية ونفسية واجتماعية، فالله تعالى يقول: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم" .
ويتعجب د . يوسف من سلوك الذين يبخلون بالزكاة ويقول: هؤلاء لا يدركون المقاصد الشرعية والفوائد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والنفسية لها .
ومكاسب وفوائد الزكاة لمقدمها قبل آخذها تبدو كما يقول د . يوسف من زاوية انتقال المال من الأغنياء إلى المستحقين . فالزكاة في جانبها العملي المادي لا تخرج عن نقل قدر من المال من الفائض عن حاجتهم، إلى أولئك المحتاجين إليه الذين لم يتمكنوا من تحصيل ما يكفيهم بجهودهم، فإذا تم نقل هذا المال إليهم تمكنوا من سد حاجاتهم، وإقامة حياتهم، والتفرغ لأداء دورهم في بناء المجتمع .
ويؤيد ويساند د . يوسف إبراهيم قيام الدولة بدورها في جمع الزكاة وتوزيعها على المستحقين لها لسبب آخر غير الإهمال والتقاعس من جانب الأغنياء الواجب عليهم إخراجها، حيث يؤكد أن الأسلوب الذي يتم به نقل المال من الأغنياء إلى المستحقين في حالة قيام الدولة بدور الوسيط بين الأغنياء الواجب عليهم الزكاة والفقراء وأصحاب الحاجات المستحقين لها . . هذا الدور الوسيط يوفر قدراً كبيراً من الشعور بالكرامة لدى الفقراء .
ويضيف: كان يمكن أن تتم عملية نقل المال من الأغنياء إلى المحتاجين مباشرة، بمعنى أن يتقدم الغني بزكاته فيعطيها لفقير أو عدد من الفقراء أو غيرهم من أصحاب الحقوق، وفي هذه الحالة يشعر الفقير بعطف الغني عليه، ويشعر بأنه اليد السفلى، والغني يده العليا، وأن الغني يقوم بالإحسان إليه، ويعطيه فضل ماله .
هذا الطريق في نقل المال من الأغنياء إلى الفقراء، لم يقره الإسلام ولم ينصح به، وإنما أمر بغيره وجعل الزكاة علاقة بين الغني وربه من ناحية، فلا يخفي منها شيئاً، كما جعلها علاقة بين الغني والدولة، من ناحية ثانية تجمعها منه، وتحصلها كما حدد الله تعالى وبين في كتابه وسنة رسوله . ثم جعلها من ناحية ثالثة علاقة بين الدولة وأصحاب الحقوق، تنفقها عليهم طبقاً للمصارف المبينة في الآية رقم 60 من سورة التوبة "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم" .

آثار طيبة

ويضيف هذه العلاقة الثلاثية في جمع وإنفاق الزكاة تنتج آثاراً اجتماعية طيبة، وتحول دون الآثار السلبية .
وأهم الآثار النفسية التي ينتجها توسط الدولة بين الأغنياء والمستحقين للزكاة (إذ تؤخذ من الأولين وتقدم للآخرين) هي:
** توسط الدولة في هذه العملية، يحول دون أن تصبح العملية إحساناً من الغني إلى الفقير، فلا تغرس في نفس الآخذ شعوراً سلبياً .
** عندما تقدم الدولة هذه الموارد إلى من يستفيدون بها من أصحاب الحقوق، فإنها لا تمن عليهم، ولا تعطيهم من أموالها، فما ذلك إلا حق المحتاج الذي قرره الله تعالى له في المال الذي استخلف عليه الجميع .
** بقيام الدولة بدور دور الوسيط بين الأغنياء ومستحقي الزكاة تنزع الشعور بالتفضل من نفسية المالك، وتنزع الشعور بالإحسان من نفسية المستفيد، وبذلك فإن طريقة الإسلام في تقديم المال إلى المحتاجين تمنع ظهور أي صراع ولو نفسي في المجتمع، وتبقي العلاقة بين أفراد المجتمع في إطار الأخوة الإسلامية .

واجب الدولة

ويتفق الدكتور حسين شحاتة، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، مع د . محمد عبد الحليم عمر ود . يوسف إبراهيم في ضرورة قيام الدولة بواجبها في جمع الزكاة وتوزيعها ويقول: الفقهاء أجمعوا على فرضية الزكاة والالتزام بتطبيقها، وهي فرض عين ومن أقر بفرضيتها ومنعها فإنها تؤخذ منه كرهاً ويجبر على أدائها . . وإذا منعت في جماعة فإنهم يقاتلون عليها حتى تؤخذ منهم كما فعل الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي قاتل الممتنعين عن أداء الزكاة وقال قولته المشهورة: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها" .
ويرى د . شحاتة أن نظام الزكاة جاء ليكون من وظيفة الحكومة الإسلامية، حيث أوكل الإسلام جبايتها وتوزيعها على مستحقيها إلى الدولة لا إلى ضمائر الأفراد . وترك هذا الأمر للأفراد يجعل التوزيع فوضي فقد يعمد أكثر من غني لإعطاء فقير واحد على حين يغفلون عن آخر فلا يفطن له أحد وربما كان أشد فقراً .

رأي آخر

الفقيه الأزهري د . نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، له رأى آخر، فهو يرفض تدخل الحكومات في تنظيم فريضة شرعية مثل الزكاة، ويؤكد أن مواجهة تكاسل الناس عن أداء هذه الفريضة يكون بنشر الوعي الديني بينهم وهذه مسؤولية مشتركة بين الدعاة ووسائل الإعلام، فالدعاة واجبهم أن يشرحوا للناس أهمية الحرص على أركان الإسلام وفرائضه وخطورة أن يتجاهل المسلم أمراً ثبت من الدين بالضرورة، وأن يوضحوا للناس أيضاً الأهداف والمنافع والمكاسب التي تعود على الناس من وراء الحرص على هذه الفرائض والواجبات الدينية، والمكاسب والمنافع كثيرة ومتنوعة ولا تتوقف عند رضا الله وتجنب عقابه .
أما وسائل الإعلام فواجبها أن تبدي اهتماماً بما يفيد الناس من الناحية الدينية، وأن تشرح لهم الفرائض والواجبات الدينية وأن تبرز لهم محاسن الالتزام بالآداب والأخلاقيات الإسلامية، وأن توضح لهم قيمة الحرص على المعاملات الإسلامية بدلاً من شغلهم بمجادلات ومشاجرات وخلافات لا تفيد أحداً سوى أعداء وخصوم الإسلام .
ويرفض د . واصل فكرة إنشاء وزارة متخصصة تقوم على جمع الزكاة وتوزيعها ويقول: أنا ضد إنشاء أي وزارة أو مؤسسة رسمية تقوم على جمع الزكاة وتوزيعها، لأن الجماهير في بلادنا العربية والإسلامية لا تثق في الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، خاصة فيما يتعلق بعبادة مالية مثل الزكاة، فحتى لو كان الهدف نبيلاً والوسائل المؤدية إليه مشروعة فأمر الزكاة يجب أن يوكل لمؤسسات خاصة يشرف عليها ويراقبها أشخاص متطوعون من ذوي النزاهة والثقة من العلماء وخبراء الاقتصاد وعالمنا العربي والإسلامي يزخر بالكثيرين منهم والحمد لله .
ويتفق الدكتور رشاد عبده، أستاذ التمويل والتجارة بجامعة القاهرة، مع د . واصل في ضرورة إبعاد الحكومات عن مؤسسات وصناديق الزكاة، ويؤكد أن أداء الزكاة ليس هدفاً اقتصادياً، وأنه من الأفضل أن يتم توزيعها من خلال الأفراد، لأن الفرد أكثر معرفة بالأفراد المستحقين لهذه الزكاة، رافضاً تماماً فكرة أن يتم الاعتماد على الحكومة في هذه المهمة .
ويطالب د . عبده بأن تتدخل الدولة في جمع الزكاة من خلال قانون إلزامي، بالإضافة إلى إمكانية استثمار هذه الأموال وتحويلها من قوة استهلاكية إلى قوة منتجة عن طريق استغلال حصيلتها الضخمة في إقامة مشروعات كبيرة يمكن أن يستفيد منها أكبر عدد من أفراد المجتمع مما يزيد من فرص العمل ويقلل من عدد العاطلين .