نعم ونقم، خير وشر، عدل وظلم، شكر وجحود، ثنائيات طالما حار معها وفيها الفكر الإنساني على مر التاريخ، كلما اقترب من واحدة عم الخير وانتشر السرور، وكلما ابتعد واقترب من الأخرى عمت البلوى وساد الخراب والدمار، إنها سنن الله في الكون ومنهجه الدائم على مر الأيام والدهور منذ بدء الخليقة .

وإذا كنا نرى في أيامنا المعاصرة بين عام وآخر بعضاً من سنن الله في الكون من زلازل، وبراكين، وحمم بركانية، وعواصف، وأعاصير، وفيضانات، وسيول جارفة كاسحة ومدمرة، وأقضت مضاجعنا على القرب والبعد . . فإن القرآن الكريم قد حكى لنا وقدم نماذج حية لتلك الكوارث التي عاقب الله بها بعض عباده ممن تمردوا على منهجه الواضح وكفروا بأنعمه التي ساقها إليهم وعاشوا بها في نعيم مقيم حياة هانئة رغدة مستقرة يسودها الأمن والاستقرار من كل مكان حتى كان ما كان فوقع ما لم يكن في الحسبان . .

من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن سيل العرم الذي ضرب سبأ ومأرب قال تعالى في كتابه العزيز: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور . فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل . ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) (سبأ: 15 17) . وحضارة سبأ تعد واحدة من أكبر أربع حضارات عاشت في جنوبي الجزيرة العربية، ويعتقد أن هؤلاء القوم قد أسسوا مجتمعهم بين 1000 - 750 قبل الميلاد، وانهارت حضارتهم قرابة 550 بعد الميلاد .

تأكيد علمي

وإذا ما تأملنا الآيات القرآنية على ضوء المعلومات التاريخية التي أثبتها العلماء في بحوثهم ودراساتهم العلمية على المنطقة، لوجدنا توافقاً كبيراً، إذ تثبت كل من المكتشفات الجيولوجية والأثرية ما جاء في القرآن .

لقد كان أهل سبأ كما تدل الآية يعيشون في منطقة مشهورة بجمالها، وكرومها، وتقع على طرق التجارة، وكانت على مستوى متقدم جداً بالنسبة إلى غيرها من مدن ذلك الزمان، ولم يكن للقوم من جهد يبذلونه سوى (كلوا من رزق ربكم واشكروا له) كما تقول الآية، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك، بل نسبوا ما يملكونه لأنفسهم، وظنوا أنهم أصحاب هذه البلدة، وأنهم هم الذين أوجدوا ما فيها من الرخاء والازدهار أي أنهم اختاروا الغرور والتكبر على الشكر والتواضع لله، وكما تقول الآية: (فأعرضوا)، لأنهم نسبوا كل ما أنعم الله به عليهم لأنفسهم، وأصرواعلى أنه من صنعهم فخسروا كل شيء حيث يذكر القرآن أن العقاب الإلهي كان بإرسال (سيل العرم) . وهذا التعبير القرآني يخبرنا كيف وقعت الواقعة، فكلمة عرم تعني الحاجز أو السد . ويصف تعبير (سيل العرم) السيل الذي جاء ليدمر هذا الحاجز .

وقد أقر الكاتب وعالم الآثار المسيحي وورنر كيلر ْمٌٌمث ْمَْمطصاحب كتاب الكتاب المقدس كان صحيحاً أن سيل العرم قد حدث كما ورد وصفه في القرآن الكريم، وأنه وقع في تلك المنطقة، وأن هلاك المنطقة بكاملها بسبب انهياره، وهذا يبرهن على أن المثال الذي ورد في القرآن الكريم عن قوم الجنتين قد وقع فعلاً، وبعد وقوع كارثة السد، بدأت أراضي المنطقة بالتصحر، وفقد قوم سبأ أهم مصادر الدخل لديهم مع اختفاء أراضيهم الزراعية .

نهاية البطر

تلك الأمة الموغلة في التاريخ قبيلة سبأ كانت ترفل في نعيم مقيم، وقد بنت سد مأرب وغيره من السدود مما وفر لها الزروع والثمار وازدهار الحياة الحيوانية والآدمية، ثم أبطرتها النعمة، ووسوست لها شياطين الإنس والجن فكفرت بأنعم الله، وأشركت في عبادته الشمس والقمر والكواكب، فعاقبها الله تعالى بتسخير: سيل العرم عليه الذي هدم السد، ودمر الزرع، وأهلك الأحياء، وشتت جمع القبيلة التي هاجر معظم أفخاذها إلى مناطق أخرى من بلاد العرب حتى أصبحوا أحاديث في أفواه غيرهم من الأمم، وقد تم إثبات ذلك أخيراً من دراسة آثارهم التي تثبت أن العرب هم أصل الساميين جميعاً .

وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو؟ أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال (بل هو رجل، ولد له عشرة فسكن اليمن منهم ستة، وسكن الشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج وكندة، والأزد، والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان) .

وكان من أهم المشروعات التي أقاموها، والآثار التي تركوها من ورائهم سد مأرب الذي كان سداً مائياً عظيماً على وادي ذنه بين جبلين، في مأرب ما أدى إلى ازدهار الزراعة كماً وكيفاً في مملكة سبأ، حتى قيل إن المرأة كانت تمشي تحت أشجار منطقة مأرب وما حولها وعلى رأسها مكتل (زنبيل) فتتساقط الثمار فيه من غير حاجة إلى قطاف أو تكلفة لكثرة تلك الثمار ونضجها وهي على أصولها .

كذلك قيل إنه من فضل الله تعالى عليهم لم يكن بمأرب شيء من الذباب أو البعوض أو البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال المناخ وصحته، ثم جاء الشيطان وأغوى أهل سبأ بالانحراف عن توحيد الله تعالى وعن عبادته بعبادة الشمس والكواكب والقمر لتقربهم إلى الله زلفى .

وقد أقام ملوك سبأ في القرن التاسع قبل الميلادعلى السد جداراً سميكاً بارتفاع الجبلين المحيطين بطول 1800 قدم (نحو550متراً)، وغطوا هذا الجدار في جانبه المواجه للسيل بالصخور الكبيرة فيما عدا فتحتين للتصريف المائي وبذلك تمكنوا من حجز مياه سيول ذلك الوادي لمسافة تصل إلى ثلاثة كيلومترات، وبعرض800 إلى 1000متر، وبذلك رفعوا مستوى الماء أمام السد إلى مستوى الأراضي الزراعية الواقعة على جانبي الوادي فأقاموا على كل جانب منه جنة من مختلف أشجار الثمار ووصفهما القرآن الكريم بقول ربنا تبارك وتعالى: (جنتان عن يمين وشمال) واستمر سد مأرب في خزن مياه السيول في الوادي لقرابة1400 سنة منذ أول القرن الثامن قبل الميلاد إلى أواخر القرن السادس الميلادي حين حدث انهياره التام بوساطة سيل العرم، وذلك في زمن (سيف بن ذي يزن أو قبله)، وكان السد قد أصيب من قبل بعدد من التصدعات التي تم ترميمها وذلك في سنة 145 ق .م، وفي أوائل القرن الميلادي الخامس، وفي منتصف القرن الميلادي السادس (في زمن أبرهة الأشرم في حدود سنة541 م)، حتى دمره سيل العرم في أواخر القرن السادس الميلادي تدميراً كاملاً .

إعجاز تاريخي

ويقول د . زغلول النجار: كان في استعراض القرآن الكريم لأمة سبأ، وجه من أوجه الإعجاز التاريخي في كتاب الله، وذلك لأن سبأ هي واحدة من أقدم الأمم المعروفة لنا، فهي أمة موغلة في التاريخ إلى حدود الألفية الثالثة قبل الميلاد، واستعراض القرآن الكريم لما كانت فيه تلك الأمة من نعيم مقيم، وكيف انحرفت أغلبية أفرادها عن منهج الله، حتى دمرها كل ذلك لم يدونه إلا القرآن الكريم، لأن ما جاء عن قوم سبأ في كتب الأولين لا يتعدى ذكر الاسم فقط، وما جاء عنهم في كتابات الحضارتين اليونانية والرومانية القديمتين لا يتعدى وصف التجارة بين مملكة سبأ وأصحاب هاتين الحضارتين، من هنا كان في ذكر القرآن الكريم لأمة سبأ شهادة تاريخية لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية . يبقى التأكيد على أن الانغماس في المعاصي يؤدي حتماً لزوال النعم .