د . أيمن شبانة
وجوه عابثة، تتخللها ابتسامات مصطنعة، وأيادٍ مترددة في المصافحة، وصمت يظهر غضباً كامناً في الصدور، تلك كانت أهم ملامح المشهد العام لتوقيع اتفاق السلام بين سلفاكير ورياك مشار، في التاسع من مايو/ أيار الجاري، بعد أن تقابل الغريمان وجهاً لوجه في أديس أبابا، في سابقة هي الأولى منذ اندلاع الصراع في جنوب السودان، الأمر الذي أثار شكوكاً كثيرة بشأن إمكانية صمود هذا الاتفاق كأساس للوصول إلى تسوية سياسية شاملة، خاصة أنه جاء مدفوعاً بضغوط مكثفة، أكثر منه تعبيراً عن قناعات ذاتية لدى أمراء الحرب في البلاد .
بدا واضحاً أن سلفاكير ومشار تعرضا لضغوط دبلوماسية كبيرة للموافقة على اللقاء وتوقيع الاتفاق، حيث هددتهما واشنطن، على لسان وزير خارجيتها جون كيري، بعقوبات تطالهما شخصياً، مع وقف المعونات الاقتصادية، واستنفار دول الجوار لإحكام تلك العقوبات، بعد أن فرضت بالفعل عقوبات ضد قائد الحرس الرئاسي لحكومة جنوب السودان مريال تشانونج، وبيتر قاديت القائد الأبرز لقوات مشار، شملت تجميد أرصدتهما في الولايات المتحدة، وحظر دخولهما الأراضي الأمريكية، فيما هدد الاتحاد الأوروبي بعقوبات مماثلة، ولوحت الأمم المتحدة بعزمها تحريك ملف انتهاكات حقوق الإنسان في الجنوب إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد تواتر تقارير المنظمات الحقوقية الدولية بشأن ارتكاب أطراف الصراع لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على أساس اثني .
كانت هناك أيضاً مخاوف نابعة من البيئة الداخلية، نظراً لعدم القدرة على الحسم العسكري للصراع، وتزايد القلق بشأن اتساع نطاق القتال ليشمل ولايات الجنوب العشر، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وشبح الجفاف الذي ينذر بكارثة إنسانية مروعة، وارتفاع أعداد النازحين إلى 2 .1 مليون مواطن، والخوف من الإقصاء بعد تأكيد سلفاكير شروعه في تكوين حكومة وحدة وطنية تضم عناصر سبعة عشر حزباً، ليس من بينهم رياك مشار، بعد أن أعلن الأخير تشكيل قيادة عسكرية للمناطق الخاضعة لسيطرته .
في هذه الأجواء جاء اتفاق السلام، الذي تضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار، ونشر قوات للتحقق من وقف العدائيات، وإفساح المجال للمساعدات الإنسانية للمتضررين، والتعاون من دون شروط مع الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية، وتشكيل حكومة توافقية، ووضع رؤية مشتركة لتداول السلطة وتقاسم الثروة، وتشكيل مفوضية لوضع الدستور، ووضع معايير لمفوضية الانتخابات وقانون للأحزاب، لتفادي أي مواجهات عسكرية مستقبلاً، وتسوية جميع الخلافات عبر الحوار، والسماح للشركاء الدوليين بالمشاركة في صنع مستقبل جنوب السودان .
من الواضح أن الاتفاق جاء بأقل من التوقعات التي كان ينتظرها المراقبون، حيث كان يفترض أن يأتي معالجاً لقضايا الصراع الأساسية، وليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار يماثل ذلك الذي وقعه الطرفان في الثالث والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي .
فالاتفاق جاء فضفاضاً للدرجة التي يصعب معها اعتباره مجرد خريطة طريق تمهد لجولات تالية من المباحثات، إذ لم يحدد جداول زمنية أو أولويات للعمل من أجل السلام . ولم يطرح إمكانية عقد جولات تالية للتفاوض، كما تضمن كثيراً من القضايا الجدلية الشائكة التي كانت بحاجة للحسم، ومنها شكل دولة الجنوب في المستقبل، والأطراف المشاركة في الحكومة الانتقالية، وآليات المصالحة الوطنية، ووضعية القوات الأجنبية المنتشرة في البلاد، ودور الأطراف الخارجية في إقرار السلم .
بالنسبة لشكل الدولة، أكد مشار ضرورة تكوين دولة فيدرالية في جنوب السودان، بما يتسق مع الطبيعة التعددية للمجتمع، ويخفف من قبضة السلطة المركزية، ويسمح للولايات بالحصول على نصيبها العادل من السلطة والثروة . وهنا يبدو أن مشار يضع نصب عينيه على النفط، الذي يقبع معظمه في مناطق النوير، إضافة إلى المشروعات الزراعية، التي يتركز70% منها في ولايات أعالي النيل . ومن الجلي أن هذا الطرح لن يرضي سلفاكير وجماعة الدينكا، التي تتطلع إلى حياة أفضل في دولة الجنوب التي ناضلت لأجل قيامها، ومن ثم فهي لن تقنع بما تحوزه من ثروة حيوانية، حيث يشكل الرعي عماد الاقتصاد لدى الدينكا .
أما تشكيل الحكومة الانتقالية، فهو أمر يكتنفه الغموض، رغم محوريته في التأثير على مستقبل البلاد . فهل سيكون بالإمكان الرهان مرة أخرى على صيغة توافقيه تضم سلفاكير إلى جانب مشار، رغم التخوف من تصادم الطموحات بينهما . وهل يمكن إخراج الرجلين من المعادلة، وتقديم وجوه أخرى غير متورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان، مع الحفاظ على تمثيل متوازن للقوى السياسية والجماعات الاثنية في البلاد، وهو ما لن يقنع به الرجلان، فهما لم يمزقا البلاد من أجل الاكتفاء بدور صانعي السلام . وبين هذا الطرح وذاك يبقى دور مجموعة السبع بقيادة دينق ألور وباجان أموم غير واضح المعالم، نظراً لصدامهما مع سلفاكير، وخلافهما مع مشار بشأن استخدام القوة المسلحة، وعدم مشاركتهما بشكل مباشر في صياغة اتفاق السلام، إذ اكتفى باجان أموم بدور المراقب، بعد أن اجتمع مع مشار قبيل توقيع الاتفاق .
كما خلا الاتفاق من أي إشارة صريحة لمسألة المصالحة الوطنية، وآليات تحقيق العدالة الانتقالية، وتقاسم الثروة، وهو ما ينذر بتكرار المذابح الاثنية، خاصة بين الدينكا والنوير، في ظل هيمنة التقاليد القبلية التي ترفض تسوية قضايا الثأر من خلال التعويضات المالية . وهو أمر حاول سلفاكير استدراكه، مؤكداً أنه سوف يركز على تحقيق المصالحة وبناء الثقة قبل تكوين الحكومة الانتقالية . وهو تصريح بدا منه أن رئيس الدولة يسعى لإطالة الفترة الانتقالية وكسب الوقت من أجل إعادة ترتيب أورقه وخريطة تحالفاته في مواجهة خصومه .
وبالنسبة للقضايا الأمنية، دعا الاتفاق إلى نشر قوات لمراقبة إنفاذ الاتفاق، لكنه لم يحدد ماهيتها وهيكلها القيادي، وإن كان من المرجح أنها ستكون قوات إفريقية، تضم عناصر من إثيوبيا وكينيا ورواندا وبوروندي وجيبوتي، تعمل تحت قيادة بعثة الأمم المتحدة (يوناميس) . وبالطبع لن تشمل القوة المقترحة القوات الأوغندية، التي لم ينص الاتفاق صراحة على انسحابها من جنوب السودان، وتلك قضية شائكة أخرى .
إذ تصر أوغندا على المراوغة، والبقاء كلاعب أساسي في الصراع، وهو ما يمكن أن نلمسه في تصريح وزير الخارجية الأوغندي، الذي أكد أن قواته سوف تنسحب من جنوب السودان، وأنها لن تبقى فيها إلا لمحاربة مقاتلي جيش الرب للمقاومة فحسب، بموجب الاتفاقات الموقعة بين كمبالا وجوبا، وهو ما رفضه مشار ومجموعة السبع، عندما أكدوا أن الرئيس موسيفيني يصر على البقاء بقواته، البالغ قوامها خمسة عشر ألف مقاتل، على مقربة من حليفه سلفاكير، متخذاً من جيش الرب ذريعة للبقاء في الجنوب والتحكم في مسارات الصراع والتسوية .
والأخطر من ذلك أن الاتفاق انطوى على ثغرة كفيلة بعدم تحقيق الحد الأدنى منه وهو وقف إطلاق النار، إذ خلا من أي نصوص تتعلق بوضع قوات مشار خلال المرحلة الانتقالية . ومن ثم فإن استمرار وجود وتمركز تلك القوات في المناطق التي تسيطر عليها، يجعلها دولة داخل الدولة، وينذر بالانتكاس إلى حالة العنف .
فمشار لا يسيطر على قواته بإحكام، خاصة الجيش الأبيض الذي يخضع لنفوذ مدعي النبوة داك كويت، فيما تتوالى الانشقاقات داخل القوات الحكومية، لا سيما بين أبناء القبائل الاستوائية، كما تنخرط بعض الميليشيات في القتال بدافع الثأر الاثني، أكثر من الاعتبارات السياسية، ما يجعل مهمة نزع السلاح شبه مستحيلة، خاصة بالنسبة للأسلحة الخفيفة، التي يسهل إخفاؤها في ميادين قتالية تغطيها الغابات والأحراش والمستنقعات، وذلك لاحتمال استخدامها مرة أخرى عندما يتجدد القتال .
ومن جهة أخرى، فإن الاتفاق يفسح المجال للتدخلات الخارجية، عندما ألزم أطرافه بالتعاون غير المشروط مع شركاء السلام الدوليين في صنع مستقبل البلاد، وهو ما يعكس رغبة أمريكية جامحة في إعادة ترتيب أوضاع الجنوب بالاتساق مع مصالحها، بدليل حرصها على توقيع اتفاق تبدو هشاشته واضحة للعيان، لقطع الطريق أمام أي دور محوري للإيجاد، وإفساح الوقت أمامها للمفاضلة بين سلفاكير، القائد العسكري المحنك، ومشار، الذي يقع النفط تحت نفوذ جماعته الاثنية، ومجموعة السبع، التي لم تتورط حتى الآن في انتهاكات لحقوق الإنسان .
وسط هذه الحسابات والمعادلات، استفاق شعب الجنوب الأعزل على أصوات الرصاص مرة أخرى، حيث تبادلت الحكومة والمعارضة الاتهامات مجدداً بانتهاك وقف إطلاق النار في ولايتي الوحدة وأعالي النيل، وهو ما يثبت أن المفاوضات حول القضايا الأساسية التي أنتجت الأزمة السياسية الحادة، والتي كشفت عن البعد القبلي للصراع ستكون عسيرة وطويلة المدى، وأن تحقيق السلم المستدام أمر يتطلب المزيد من التضحيات المتبادلة، وليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار بين سلفاكير ومشار . فالسلم لا يمكن أن يفرض من الخارج، وإنما هو ثقافة تحتاج لمدى زمني طويل نسبياً، حتى تترسخ في أذهان القادة، وحتى يعتنقها الناس .
فهل يتناسى رئيس جنوب السودان ونائبه السابق الأحقاد والخصومة، ويعملان معاً من أجل الوطن، أو يستمران في الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة سياسياً وجسدياً، بدعوى الدفاع عن نفس الشعب الأعزل الذي لا يدري شيئاً عن السياسة ومعاركها، ولا يعي الكثير عن الثروة النفطية، اللهم إلا الاكتواء بنيران الصراع عليها .
وجوه عابثة، تتخللها ابتسامات مصطنعة، وأيادٍ مترددة في المصافحة، وصمت يظهر غضباً كامناً في الصدور، تلك كانت أهم ملامح المشهد العام لتوقيع اتفاق السلام بين سلفاكير ورياك مشار، في التاسع من مايو/ أيار الجاري، بعد أن تقابل الغريمان وجهاً لوجه في أديس أبابا، في سابقة هي الأولى منذ اندلاع الصراع في جنوب السودان، الأمر الذي أثار شكوكاً كثيرة بشأن إمكانية صمود هذا الاتفاق كأساس للوصول إلى تسوية سياسية شاملة، خاصة أنه جاء مدفوعاً بضغوط مكثفة، أكثر منه تعبيراً عن قناعات ذاتية لدى أمراء الحرب في البلاد .
بدا واضحاً أن سلفاكير ومشار تعرضا لضغوط دبلوماسية كبيرة للموافقة على اللقاء وتوقيع الاتفاق، حيث هددتهما واشنطن، على لسان وزير خارجيتها جون كيري، بعقوبات تطالهما شخصياً، مع وقف المعونات الاقتصادية، واستنفار دول الجوار لإحكام تلك العقوبات، بعد أن فرضت بالفعل عقوبات ضد قائد الحرس الرئاسي لحكومة جنوب السودان مريال تشانونج، وبيتر قاديت القائد الأبرز لقوات مشار، شملت تجميد أرصدتهما في الولايات المتحدة، وحظر دخولهما الأراضي الأمريكية، فيما هدد الاتحاد الأوروبي بعقوبات مماثلة، ولوحت الأمم المتحدة بعزمها تحريك ملف انتهاكات حقوق الإنسان في الجنوب إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد تواتر تقارير المنظمات الحقوقية الدولية بشأن ارتكاب أطراف الصراع لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على أساس اثني .
كانت هناك أيضاً مخاوف نابعة من البيئة الداخلية، نظراً لعدم القدرة على الحسم العسكري للصراع، وتزايد القلق بشأن اتساع نطاق القتال ليشمل ولايات الجنوب العشر، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وشبح الجفاف الذي ينذر بكارثة إنسانية مروعة، وارتفاع أعداد النازحين إلى 2 .1 مليون مواطن، والخوف من الإقصاء بعد تأكيد سلفاكير شروعه في تكوين حكومة وحدة وطنية تضم عناصر سبعة عشر حزباً، ليس من بينهم رياك مشار، بعد أن أعلن الأخير تشكيل قيادة عسكرية للمناطق الخاضعة لسيطرته .
في هذه الأجواء جاء اتفاق السلام، الذي تضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار، ونشر قوات للتحقق من وقف العدائيات، وإفساح المجال للمساعدات الإنسانية للمتضررين، والتعاون من دون شروط مع الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية، وتشكيل حكومة توافقية، ووضع رؤية مشتركة لتداول السلطة وتقاسم الثروة، وتشكيل مفوضية لوضع الدستور، ووضع معايير لمفوضية الانتخابات وقانون للأحزاب، لتفادي أي مواجهات عسكرية مستقبلاً، وتسوية جميع الخلافات عبر الحوار، والسماح للشركاء الدوليين بالمشاركة في صنع مستقبل جنوب السودان .
من الواضح أن الاتفاق جاء بأقل من التوقعات التي كان ينتظرها المراقبون، حيث كان يفترض أن يأتي معالجاً لقضايا الصراع الأساسية، وليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار يماثل ذلك الذي وقعه الطرفان في الثالث والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي .
فالاتفاق جاء فضفاضاً للدرجة التي يصعب معها اعتباره مجرد خريطة طريق تمهد لجولات تالية من المباحثات، إذ لم يحدد جداول زمنية أو أولويات للعمل من أجل السلام . ولم يطرح إمكانية عقد جولات تالية للتفاوض، كما تضمن كثيراً من القضايا الجدلية الشائكة التي كانت بحاجة للحسم، ومنها شكل دولة الجنوب في المستقبل، والأطراف المشاركة في الحكومة الانتقالية، وآليات المصالحة الوطنية، ووضعية القوات الأجنبية المنتشرة في البلاد، ودور الأطراف الخارجية في إقرار السلم .
بالنسبة لشكل الدولة، أكد مشار ضرورة تكوين دولة فيدرالية في جنوب السودان، بما يتسق مع الطبيعة التعددية للمجتمع، ويخفف من قبضة السلطة المركزية، ويسمح للولايات بالحصول على نصيبها العادل من السلطة والثروة . وهنا يبدو أن مشار يضع نصب عينيه على النفط، الذي يقبع معظمه في مناطق النوير، إضافة إلى المشروعات الزراعية، التي يتركز70% منها في ولايات أعالي النيل . ومن الجلي أن هذا الطرح لن يرضي سلفاكير وجماعة الدينكا، التي تتطلع إلى حياة أفضل في دولة الجنوب التي ناضلت لأجل قيامها، ومن ثم فهي لن تقنع بما تحوزه من ثروة حيوانية، حيث يشكل الرعي عماد الاقتصاد لدى الدينكا .
أما تشكيل الحكومة الانتقالية، فهو أمر يكتنفه الغموض، رغم محوريته في التأثير على مستقبل البلاد . فهل سيكون بالإمكان الرهان مرة أخرى على صيغة توافقيه تضم سلفاكير إلى جانب مشار، رغم التخوف من تصادم الطموحات بينهما . وهل يمكن إخراج الرجلين من المعادلة، وتقديم وجوه أخرى غير متورطة في انتهاكات لحقوق الإنسان، مع الحفاظ على تمثيل متوازن للقوى السياسية والجماعات الاثنية في البلاد، وهو ما لن يقنع به الرجلان، فهما لم يمزقا البلاد من أجل الاكتفاء بدور صانعي السلام . وبين هذا الطرح وذاك يبقى دور مجموعة السبع بقيادة دينق ألور وباجان أموم غير واضح المعالم، نظراً لصدامهما مع سلفاكير، وخلافهما مع مشار بشأن استخدام القوة المسلحة، وعدم مشاركتهما بشكل مباشر في صياغة اتفاق السلام، إذ اكتفى باجان أموم بدور المراقب، بعد أن اجتمع مع مشار قبيل توقيع الاتفاق .
كما خلا الاتفاق من أي إشارة صريحة لمسألة المصالحة الوطنية، وآليات تحقيق العدالة الانتقالية، وتقاسم الثروة، وهو ما ينذر بتكرار المذابح الاثنية، خاصة بين الدينكا والنوير، في ظل هيمنة التقاليد القبلية التي ترفض تسوية قضايا الثأر من خلال التعويضات المالية . وهو أمر حاول سلفاكير استدراكه، مؤكداً أنه سوف يركز على تحقيق المصالحة وبناء الثقة قبل تكوين الحكومة الانتقالية . وهو تصريح بدا منه أن رئيس الدولة يسعى لإطالة الفترة الانتقالية وكسب الوقت من أجل إعادة ترتيب أورقه وخريطة تحالفاته في مواجهة خصومه .
وبالنسبة للقضايا الأمنية، دعا الاتفاق إلى نشر قوات لمراقبة إنفاذ الاتفاق، لكنه لم يحدد ماهيتها وهيكلها القيادي، وإن كان من المرجح أنها ستكون قوات إفريقية، تضم عناصر من إثيوبيا وكينيا ورواندا وبوروندي وجيبوتي، تعمل تحت قيادة بعثة الأمم المتحدة (يوناميس) . وبالطبع لن تشمل القوة المقترحة القوات الأوغندية، التي لم ينص الاتفاق صراحة على انسحابها من جنوب السودان، وتلك قضية شائكة أخرى .
إذ تصر أوغندا على المراوغة، والبقاء كلاعب أساسي في الصراع، وهو ما يمكن أن نلمسه في تصريح وزير الخارجية الأوغندي، الذي أكد أن قواته سوف تنسحب من جنوب السودان، وأنها لن تبقى فيها إلا لمحاربة مقاتلي جيش الرب للمقاومة فحسب، بموجب الاتفاقات الموقعة بين كمبالا وجوبا، وهو ما رفضه مشار ومجموعة السبع، عندما أكدوا أن الرئيس موسيفيني يصر على البقاء بقواته، البالغ قوامها خمسة عشر ألف مقاتل، على مقربة من حليفه سلفاكير، متخذاً من جيش الرب ذريعة للبقاء في الجنوب والتحكم في مسارات الصراع والتسوية .
والأخطر من ذلك أن الاتفاق انطوى على ثغرة كفيلة بعدم تحقيق الحد الأدنى منه وهو وقف إطلاق النار، إذ خلا من أي نصوص تتعلق بوضع قوات مشار خلال المرحلة الانتقالية . ومن ثم فإن استمرار وجود وتمركز تلك القوات في المناطق التي تسيطر عليها، يجعلها دولة داخل الدولة، وينذر بالانتكاس إلى حالة العنف .
فمشار لا يسيطر على قواته بإحكام، خاصة الجيش الأبيض الذي يخضع لنفوذ مدعي النبوة داك كويت، فيما تتوالى الانشقاقات داخل القوات الحكومية، لا سيما بين أبناء القبائل الاستوائية، كما تنخرط بعض الميليشيات في القتال بدافع الثأر الاثني، أكثر من الاعتبارات السياسية، ما يجعل مهمة نزع السلاح شبه مستحيلة، خاصة بالنسبة للأسلحة الخفيفة، التي يسهل إخفاؤها في ميادين قتالية تغطيها الغابات والأحراش والمستنقعات، وذلك لاحتمال استخدامها مرة أخرى عندما يتجدد القتال .
ومن جهة أخرى، فإن الاتفاق يفسح المجال للتدخلات الخارجية، عندما ألزم أطرافه بالتعاون غير المشروط مع شركاء السلام الدوليين في صنع مستقبل البلاد، وهو ما يعكس رغبة أمريكية جامحة في إعادة ترتيب أوضاع الجنوب بالاتساق مع مصالحها، بدليل حرصها على توقيع اتفاق تبدو هشاشته واضحة للعيان، لقطع الطريق أمام أي دور محوري للإيجاد، وإفساح الوقت أمامها للمفاضلة بين سلفاكير، القائد العسكري المحنك، ومشار، الذي يقع النفط تحت نفوذ جماعته الاثنية، ومجموعة السبع، التي لم تتورط حتى الآن في انتهاكات لحقوق الإنسان .
وسط هذه الحسابات والمعادلات، استفاق شعب الجنوب الأعزل على أصوات الرصاص مرة أخرى، حيث تبادلت الحكومة والمعارضة الاتهامات مجدداً بانتهاك وقف إطلاق النار في ولايتي الوحدة وأعالي النيل، وهو ما يثبت أن المفاوضات حول القضايا الأساسية التي أنتجت الأزمة السياسية الحادة، والتي كشفت عن البعد القبلي للصراع ستكون عسيرة وطويلة المدى، وأن تحقيق السلم المستدام أمر يتطلب المزيد من التضحيات المتبادلة، وليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار بين سلفاكير ومشار . فالسلم لا يمكن أن يفرض من الخارج، وإنما هو ثقافة تحتاج لمدى زمني طويل نسبياً، حتى تترسخ في أذهان القادة، وحتى يعتنقها الناس .
فهل يتناسى رئيس جنوب السودان ونائبه السابق الأحقاد والخصومة، ويعملان معاً من أجل الوطن، أو يستمران في الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة سياسياً وجسدياً، بدعوى الدفاع عن نفس الشعب الأعزل الذي لا يدري شيئاً عن السياسة ومعاركها، ولا يعي الكثير عن الثروة النفطية، اللهم إلا الاكتواء بنيران الصراع عليها .
* نائب مدير مركز الدراسات السودانية جامعة القاهرة