والإسلام برحمته وعدله لا يقر هذا العدوان بأي حال من الأحوال، فالجهاد الذي يرفع رايته هؤلاء لا علاقة له من قريب أو بعيد بالجهاد الذي رسم طريقه رسول الإنسانية صلوات الله وسلامه عليه، والتزم بآدابه وأخلاقياته حكام وقادة جيوش المسلمين، ممن فهموا دينهم فهما صحيحا، وأدركوا عدله ورحمته وإقراره لكل حقوق الإنسان في السلم والحرب .
فما حقيقة الجهاد الإسلامي المشروع؟ ومتى يكون الجهاد واجبا؟ ومن هم المطالبون بالجهاد؟ وما أخلاقيات وأدبيات الجهاد الذي يقره الإسلام، ويطالب به ويوجبه أحيانا على كل قادر عليه؟
هذه التساؤلات وغيرها مما يتعلق بالجهاد عرضناها على نخبة من كبار علماء الأزهر . . وهذه هي إجاباتهم:
في البداية يشرح لنا عالم الشريعة الإسلامية، د . أحمد طه ريان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر معنى الجهاد الذي تقره وتعترف به وتوجبه شريعتنا الإسلامية العادلة فيقول: الجهاد هو بذل النفس والمال من أجل إعلاء كلمة الله تعالى وشرع للدفاع عن الدين وعن النفس وعن الوطن وعن المال من أجل دحر المعتدين ونصرة المظلومين .
فرض عين أو كفاية
والجهاد المشروع لكل مسلم بالغ عاقل قادر على تكاليفه ومشقاته، تارة يكون فرض عين، وتارة يكون فرض كفاية، فيكون الجهاد فرض عين إذا داهم العدو أرض الوطن، واستنفر ولي الأمر في الدولة جميع أفرادها من أجل الدفاع عن أنفسهم، ففي هذه الحالة يتهيأ كل فرد للدفاع عن دينه وعن وطنه وعن حريته على قدر استطاعته وقدرته .
ويكون الجهاد فرض كفاية بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين وذلك إذا أعدت الدولة جيشاً من أبنائها يستطيع أن يقف في وجه المعتدين وأن يردهم على أعقابهم خاسرين، فالمؤمنون ليسوا مطالبين بالخروج جميعا لقتال أعدائهم إذا كان بعضهم يغني في التغلب على هؤلاء الأعداء وفي الانتصار عليهم، وإنما المطلوب أن يقسم المؤمنون أنفسهم إلى أقسام، قسم يتفرغ لقتال الأعداء، وقسم آخر يتفرع لطلب العلم ولتعليمه لغيره، سواء أكان هذا العلم علماً دينياً أم طبياً أم زراعياً أم صناعياً، أم غير ذلك من العلوم المتنوعة التي لا نهوض ولا تقدم لأي أمة من الأمم إلا بإجادتها والتفوق فيها على غيرها .
فضل الجهاد
وقد وردت في فضل الجهاد عشرات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومن النصوص القرآنية الواضحة في شأن الجهاد والمجاهدين قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" وقوله سبحانه: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم" .
وقد تعددت الأحاديث النبوية الشريفة في فضل الجهاد منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير الناس؟ خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله"، وقد سئل صلى الله عليه وسلم: من أفضل الناس؟ فقال: "أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وبماله'' .
والشهداء في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى لهم فضلهم وأجرهم ويكفيهم مدحاً وشرفاً قول الله عز وجل: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين" .
ويوضح د . ريان أن الجهاد في الإسلام لم يشرع للعدوان على الآمنين، ولا لسلب أموالهم، ولا لانتهاك أعراضهم، ولا لاحتلال أرضهم، ولا لمصادرة حرياتهم، ولا لانتقاض كراماتهم . وإنما شرع الجهاد في الإسلام لدفع عدوان المعتدين، ولنصرة المظلومين، ولإعلاء كلمة رب العالمين، ولقتال الباغين . فالله سبحانه يقول: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنه لا يحب المعتدين" .
آداب وضوابط
عالم السنة النبوية الأشهر، د . محمد الأحمدي أبو النور، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يوضح لنا أدبيات وأخلاقيات الجهاد الإسلامي الذي يحاول التكفيريون إلقاء الغبار عليه بجرائمهم ضد أوطانهم وشعوبهم، كما يحاول الغربيون تشويه صورته بالخلط الفاضح بينه وبين الإرهاب، فيقول: يخطئ من يتصور أن الجهاد في الإسلام حرب لا سلام معها، وملحمة لا مرحمة فيها، وإكراه على الإسلام لا خيار فيه، وسفك للدماء بلا توقف، وتدمير للحضارة من دون تورع، وتخريب للمدن والقرى من دون رادع من ضمير، ولا وازع من دين .
وينصح د . أبو النور هؤلاء الذين يرفعون راية الجهاد ولا يدركون ضوابط هذا الجهاد وآدابه وأخلاقياته وإنسانيته، بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حتى لا يرتكبوا جرائم باسم الجهاد، ويقول: الله سبحانه يقول: "وجاهدوا في الله حق جهاده"، أي: وجاهدوا في ذات الله وفي سبيله ومن أجله الجهاد الحق، الذي تستفرغ الطاقة في إيقاعه سواء أكان جهاد العدو، أو جهاد النفس، على الوجه الذي أمر الله به، جهاداً يليق بما أفهمته الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص والقوة، بفعل كل ما فيه وفاء بحق الله عز وجل .
وقبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" . أي أن الجهاد ينبغي أن يكون في سبيل الله وما يرضيه، بالإيمان به، والخضوع لمنهجه في العبادة، وفي فعل الخير، وهذه أسباب الفلاح، والفلاح أجمع كلمة لخيري الدنيا والآخرة .
القاعدة الإيمانية
ويوضح عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن المجاهد الحق حركاته كلها محسوبة فهو قبل أن ينطلق من قاعدته العسكرية، ينطلق من قاعدته الإيمانية، مجاهدا نفسه وهواه، حتى بفعل الخير، وينأى عن الشر فلا ينتهب أرضاً، ولا ينتهك عرضاً، ولا يتشفى بسلطان القوة فيسيل الدماء أنهارا حتى مع أسراه سيما بعد أن يؤمنهم .
وفي الآيتين التاليتين إجمال لركائز أدبيات الجهاد في الإسلام حيث يقول الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون" . ويقول: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" .
وقال عليه الصلاة والسلام: "المجاهد من جاهد نفسه في الله"، وقوله: "ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم: من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب" .
وهذه الآيات الكريمة وتلك الأحاديث النبوية الشريفة تمثل بعض أدبيات الجهاد التي يتمثلها المؤمن في حربة وفي سلمه بمقتضى إيمانه وتقواه، وهى أدبيات ثابتة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان، والجندي في المعركة يرقب الله في التزامه بها، بل يتقرب بها إلى الله راجيا نصره ومثوبته .
وفرق كبير بين جندي يتلقى أدبيات الحرب عن الله ورسوله، وبين جندي يتلقى أوامره من قائد اتخذ إلهه هواه، ولم يبال بحق إنساني ولا بمبدأ إيماني .
جرائم المتشددين
الفقيه الأزهري، د . حامد أبو طالب، أستاذ الشريعة الإسلامية عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يتفق مع د . ريان ود . الأحمدي في حجم الجرائم التي يرتكبها المتشددون تحت شعارات إسلامية، ويقول: شرع الجهاد في الإسلام لإعلاء كلمة الحق والعدل، وللدفاع عن النفس والعرض والمال والوطن عند الاعتداء، ولنصرة المظلومين، وليس للعدوان والظلم كما يتوهم من يحملون السلاح ويعيثون في الأرض فساداً باسم الإسلام .
ويضيف: شريعتنا الإسلامية تتعامل مع النفس البشرية بكل إنسانية ورحمة وتعد الناس جميعاً إخوة في الإنسانية، وتنظر إلى تعدد الشعوب وتنوعهم على أن الله أوجدهم في هذه الحياة ليتعارفوا، وليتعاونوا فيما بينهم . فالله سبحانه وتعالى يقول: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" .
وشريعة الإسلام - كما يوضح د . أبو طالب - لا تقاتل المخالفين في العقيدة لمجرد أنهم يعتنقون دينا آخر فهي لا تكره أحدا على الدخول في الإسلام، كما أنها لا تعرف الظلم ولا تقر العدوان بكل أشكاله وصوره، وهي تأمر أتباعها بالتعاون على البر والتقوى فيما بينهم وبين غيرهم من أتباع الديانات الأخرى ماداموا لم يسيئوا إلينا ولم يعتدوا علينا نحن المسلمين . . يقول سبحانه: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" .
وشريعتنا الإسلامية - كما يشير عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر- تعترف بحق الفرد وبكرامته الإنسانية، وتجرم كل اعتداء على عرضه وعلى ماله أو على نفسه، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، ما دام هذا الفرد لم يرتكب ما يعاقب أو يحاسب عليه . وهي تأمر أتباعها بأن يسالموا من يسالمهم وألا يشهروا أسلحتهم إلا في وجوه الظالمين . قال تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم" . كما أن هذه الشريعة تحترم العهود والمواثيق التي تعقد بين المسلمين وغيرهم وتأمر أتباعها إذا كان بينهم وبين أعدائهم هدنة أو اتفاق على عدم القتال لفترة من الوقت أو عقد أمان للأفراد أن يكونوا أوفياء بعهودهم .
حرب دفاعية مشروعة
وينتهي د . أبو طالب إلى أن أهداف ومقاصد الجهاد المشروع واضحة ولا عدوان فيها ولا إهدار لحقوق أحد، فالقتال الذي يبيحه الإسلام هو للدفاع عن الإسلام والمسلمين، فإذا اعتدى فرد أو جماعة أو دولة على المسلمين يصبح الجهاد فرضاً على المسلمين للدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وديارهم . فالجهاد قتال ضد العدو المعتدي، وقد أذن الله للمسلمين بأن يردوا عدوان المعتدين في قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" . وهذا يعني أن الجهاد بمعنى القتال هو حرب دفاعية مشروعة لرد عدوان المعتدين .
وللحرب في الإسلام آداب وأخلاق مرعية يحرص عليها المقاتل المسلم، فلا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ وغير المحاربين، ولا تدمير العمران أو قطع الأشجار، أو إساءة معاملة الأسرى . والجهاد في الإسلام لا يقتصر على هذا الجانب فقط، بل إن الجهاد كما يكون بالقتال لرد العدوان، يكون أيضاً بالمال، ويكون بالعلم، ويكون بالأساليب الدبلوماسية، وغير ذلك من أساليب تتفق مع الظروف والأحوال، ولم يشرع الإسلام الجهاد للعدوان على الآخرين من دون مبرر مشروع، ولا لإجبار الآخرين على الدخول في الإسلام .
وفضلا عن ذلك فإن مفهوم الجهاد في الإسلام يشمل جهاد النفس، وهذا ما يسمى بالجهاد الأكبر، وهو جهاد ضد نوازع الشر في نفوس الناس، والتغلب على الأخلاق السيئة، والعادات القبيحة، والميول الأنانية في النفس الإنسانية .
أما الإرهاب أو القتل غير المشروع للآخرين فإنه مرفوض ومدان إسلامياً جملة وتفصيلاً ولا يمت لمبادئ الإسلام وقيمه بأدنى صلة، فالإنسان بنيان الله والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "ملعون من هدم بنيان الله" .