كتب: بكر المحاسنة

يعد جني العسل البري وجمع خلايا النحل البري مهنة وهواية توارثها الأبناء من الآباء والأجداد، ولايزال الكثير من أهالي الجبال محافظين عليها، ويحرص الأهالي على جمع العسل البري من رؤوس الجبال العالية، وحنايا الصخور، ومن الأودية، وذلك لأن الجبال تعتبر موطن نحل عسل السدر، وعسل السمر البري، ولإيمان أهالي تلك المناطق الجبلية بفوائده، التي لا تعد ولا تحصى، فقد أصبح جني العسل البري ، إرثاً تناقله الأبناء عن الآباء والأجداد بشغف، حرصاً منهم على الحفاظ على هذه الثروة الجبلية.
راشد محمد سعيد التكلاني، يقول: اتخذت البحث عن خلايا النحل البري، وجني عسلها هواية ومهنة، لأنني ورثت هذه الهواية من والدي، حتى أصبحت أتقن جني العسل البري بالطرق القديمة السليمة، التي تحافظ على النحل. وفي موسم عسل السدر وعسل السمر، أقوم بالبحث عن العسل بين الجبال العالية بشكل يومي، وذلك لأهمية العسل البري، وقيمته الغذائية والصحية.
مؤكداً أن رحلة جني العسل البري، جعلته يمتاز بحيوية كبيرة ويحترف الانتقال بين سفوح الجبال، حيث يحرص على ممارسة هذه الهواية، أو المهنة، لأنها تمثل تراث الأجداد والآباء، الذين اعتمدوا على جمع العسل البري، كمصدر رزق رئيسي في الماضي.

حب وحماس

ويقول التكلاني: مازلت أمارس مهنة جمع العسل البري بأنواعه بحب وحماس، على الرغم من العديد من الصعوبات، وذلك لحبي الكبير لهذه المهنة، وأحرص على ممارستها بسبب الإقبال الكبير من داخل الإمارات وخارجها، على شراء العسل البري، ويرجع ذلك لقيمته العالية، وفوائده في علاج الكثير من الأمراض، حيث إنه مفيد لجهاز المناعة، ويعالج العقم، ويمنح القدرة على الإنجاب، ومفيد لمرض الربو، وأمراض المعدة، والكبد والقولون، كما أن البعض يستخدمه في علاج الكثير من الأمراض الجلدية.
ويؤكد التكلاني، أن على الأجيال القادمة المحافظة على مهنة وهواية جني العسل البري، لأنها تعد من تراث وتاريخ الأجداد والآباء، كما أنها تعد مصدر رزق كبير لبعض الأسر، ولذلك أحرص أنا وإخواني على تعليم أبنائنا هذه المهنة، حتى يتمكنوا من صعود الجبال وتحمل التعب، في سبيل البحث عن خلايا عسل النحل البري.

النحل الجبلي

محمد سالم الزحمي، الذي ورث جمع عسل النحل البري عن الآباء والأجداد، واتخذه هواية فيما بعد، يقول: تعلمت من والدي الكثير عن جني العسل البري، حيث هناك ثلاثة أنواع من نحل العسل، تعيش في الطبيعة وبصورة برية، أهمها النحل الجبلي، الذي يسكن الكهوف في الجبال، بسبب الحر الشديد، ويتميز هذا النوع بالشراسة، ويعد أكبر أنواع النحل حجماً، وهناك نوع آخر يسمى النحل القزم، وهو أصغر الأنواع، ولكنه نادر جداً في المنطقة، أما النوع الثالث، فهو النحل الذي يسكن الأشجار والجحور، ويبني بيته من أقراص عدة، ولا يتحمل البرد الشديد.
ويضيف قائلاً: يتميز عسل النحل البري الذي يسكن في كهوف جبال دبا الفجيرة والطويين بلونه الذهبي، وذلك لأنه يتغذى على النباتات البرية، مثل: الزعتر والقصين والحمر والزعفران، وبعض الأشجار: كالسدر والسمر، ما يجعله يتميز بالجودة والنقاء، كما يستخدم علاجاً لبعض الأمراض التي تصيب الإنسان، ويساعد العسل البلدي على النشاط والحيوية، ويعالج الجروح، وأمراض الصدر، وبعض الأمراض الخبيثة، وهو مفيد جداً للأطفال، ومقوٍ لجهاز المناعة.

خبرة واسعة

الوالد سعيد راشد اليماحي «أبو راشد»، من أهالي منطقة الحاير بالطويين، يعتني بجمع عسل وخلايا النحل، منذ 40 عاماً في جبال منطقة الطويين الشامخة، ويقول: إن جني عسل وخلايا النحل البري من رؤوس الجبال يتطلب الخبرة الكافية، خصوصاً النحل الذي يعيش في الكهوف الجبلية، لأنه يجب نقله في فصل الشتاء إلى مناطق تكون أكثر عرضة للشمس، ويجب الكشف عليه في فصل الربيع أسبوعياً، وصيفاً كل عشرة أيام، وذلك قبل شروق الشمس، حتى الثامنة صباحاً، وفي فصل الشتاء يكشف عليه كل شهر، أو شهرين، بين الساعة العاشرة صباحاً، وحتى الثالثة عصراً، وذلك للعديد من الأسباب، أهمها مشاهدة الملكة ونشاطها، وتنسيق بيت التربية، وإضافة بعض الإطارات الجديدة للخلية، خصوصاً في أيام الربيع، وتنظيفها من قطع الشمع الزائدة، ومقاومة دودة الشمع، والتأكد من خلو النحل من الأمراض.
ويؤكد أن جمع العسل تختص به قبائل معينة من سكان المناطق الجبلية في الدولة، ولطبيعة إقامتهم بين الجبال، أصبح لدى أهالي المنطقة خبرة كبيرة في جمعه، ويتميز جامع العسل المتمكن بأنه يعرف مباشرة فور وصوله إلى أي منطقة جبلية، إمكانية وجود مناحل بها، وذلك بعد أن يتفحص الأشجار والصخور، حيث يرصد مادة يخلفها النحل وهو يجمع الرحيق، وبذلك يستدل الباحث عن العسل على وجود خلية في المنطقة، ويقوم بمراقبة الهواء مباشرة باتجاه الشمس، وإذا لاحظ أن النحل في مستوى منخفض قريب من الأرض، يدرك أن الخلية قريبة جداً، فيبحث عنها، بينما إذا كان النحل يطير بمستويات مرتفعة، يدرك أن الخلية بعيدة نوعاً ما، فيبدأ بالاقتراب منها تدريجياً.
مشيراً إلى أن القبائل التي تسكن الجبال، تشتهر منذ القدم بأن معظم أفرادها يجيدون فن التعامل مع النحل والمناحل، حيث إنهم ماهرون جداً في التنقل بين الجبال الوعرة، ليحصلوا على أجود أنواع العسل من الجبال، كما يجيد معظم أبناء القبائل من الجيل الجديد اكتشاف المناحل الطبيعية بين الأشجار وفي أعالي الجبال.

مهنة قديمة

عبدالله سعيد الحفيتي، الذي امتهن مهنة جمع خلايا النحل البري عن جده، يقول: تعلمت الكثير عن هذه المهنة من جدي رحمه الله، حيث تعتبر مهنة جمع العسل البري، مهنة قديمة امتهنها الأهالي منذ القدم، وكانت ولاتزال مصدر رزق.
وعن رحلة جني العسل البري يقول الحفيتي: تبدأ عملية البحث عن خلايا العسل البري بعد صلاة الفجر، ومع ظهور أشعة الشمس الأولى صباح كل يوم، في بداية شهر أكتوبر، وحتى نهاية شهر نوفمبر، من كل عام، وهنا نقصد عسل السدر، وتحتاج هذه الرحلة إلى تجهيزات عديدة، حيث نحتاج فيها إلى "مطّارة" ماء، إذا كنا ننوي الذهاب إلى جبال مرتفعة وبعيدة، ولا تحتوي على مياه للشرب، كما نحمل معنا إناء لجمع العسل، وعادةً ما نأخذ معنا «مقفلية»، وسكيناً وقطعة من الجريد مشروحة من النصف، تسمى محلياً «مخصية».
ويضيف قائلاً: تعدّ هذه المهنة محفوفة بالمخاطر والتعب، ولكن ينسى كل هذا في حالة العثور على خلية نحل، أو في حالة الحصول على بوادر وجود خلية نحل في مكان ما، وبهذه البوادر تبدأ المهمة الصعبة، لتحديد مكان العسل، وعند العثور عليه نقوم بوضع «علامة»، أو إشارة، وحسب العادات المتعارف عليها بين الأهالي منذ القدم، لا يمكن لأي شخص الاقتراب من الخلية، التي توجد بجانبها «علامة»، وبعدها نعود بين فترة وأخرى، لتفقد الخلايا، حتى نرى «الخلية»، قد امتلأت، وبذلك يكون قد جاء وقت قطافها، بعدها نقوم بقص«الخلية»، مع الحرص على إزالة أجزاء معينة من الشمع، ونترك الباقي للنحلات، ونقوم بأخذ الجزء الذي يغطيه العسل، وهو الجزء العلوي للخلية، أما الجزء السفلي منها، فنعيده مرة أخرى إلى الكهف، أو نعيد تعليقه مرة أخرى على أحد أغصان الأشجار، إذا كانت الخلية في شجرة، كونها تحتوي على اليرقات والحضنة، ولكي يعود النحل إليها، ليقوم ببناء خلية جديدة، خلال فترة الموسم المقبل.
ويؤكد أن مهنة جمع العسل البري، تبقى مهنة الآباء والأجداد، وعلى أبناء الجيل الجديد، المحافظة عليها، وتعلم طرق جني العسل الصحيحة، لأن هذه المهنة، تعتبر موروثاً شعبياً تراثياً لدى أهالي الجبال.