مكث محمد صلى الله عليه وسلم في مضارب بني سعد خمس سنوات، صح فيها بدنه واطّرد نماؤه، وهذه السنوات الخمس في عمر الطفل، لا ينتظر أن يقع فيها شيء يذكر، غير أن كتب السيرة سجلت في هذه الفترة ما عرف بحادث شق البطن، وقد روع الحادث حليمة وزوجها، فقررا إعادة محمد إلى أهله، وسارعا إلى تنفيذ ما استقر عليه رأيهما، رغم أنهما كانا يحبان بقاءه مع ما يريانه من بركة في وجوده، والقصة نفسها تكررت مرة أخرى ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول جاوز الخمسين من عمره، تكررت حسب الروايات الصحيحة في ليلة الإسراء.

كانت المرة الأولى: وهو صغير في بني سعد، ومروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زاداً، فقلت: يا أخي اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إلي طائران كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟، قال: نعم فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: إيتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: إيتني بماء برد فغسلا به قلبي، ثم قال: إيتني بالسكينة فذراها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه، فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة.

وفيها رواية أخرى عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرئي أثر ذلك المخيط في صدره.

وكانت المرة الثانية في ليلة الإسراء، وفيها أيضاً روايات صحيحة منها ما رواه الإمام أحمد والشيخان عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: بينما أنا في الحطيم، (وربما قال قتادة: في الحجر)، مضطجعاً، إذ أتاني آت، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط من الثلاثة، فأتاني فشق ما بين هذه إلى هذه، يعني من ثغرة نحره إلى شعرته، فاستخرج قلبي، فأتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، وحكمة، فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد.

مرتان فيهما روايات صحيحة تؤكد حدوثهما، الأولى في الصغر، والثانية قبل الإسراء والمعراج، وقد جاءت روايات أخرى عن وقائع أخرى لشق بطن النبي صلى الله عليه وسلم حدثت في أوقات مختلفة، قيل حدثت وهو في العاشرة من عمره، وقيل حدثت عند البعثة، لكنها روايات ضعيفة.

وقال القرطبي وغيره: إن جميع ما ورد في شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك، مما يجب التسليم له، دون تعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك، ويؤيده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم.

ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين: مرة وهو صغير، ومرة ليلة الإسراء، كانت الأولى تهيئة له للعصمة من الشيطان، وكانت الثانية ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى، ولمناجاة الرب عز وجل، والمثول بين يديه سبحانه وتعالى.

مع المعترضين

ومع ذلك فقد توقف الشيخ محمد أبو زهرة أمام خبر شق الصدر فقال في كتابه: خاتم النبيين: نلاحظ في ذلك الخبر أمرين، أولهما أنه غسله بماء من زمزم، ويلاحظ أن الواقعة إن صحت كانت في البادية في مكان ناء عن زمزم، وإذا كان من ماء مع جبريل فمن أين علم أنه من زمزم؟ وثانيهما أنه ذكر أنه كان يرى أثر المخيط في صدره عليه السلام، وإذا صحت الواقعة فإن المعقول أنه عمل ملك، والملك لا يكون لعمله أثر محسوس، ونحن نرى أن الأخبار بالنسبة لشق الصدر لا تخلو من اضطراب، وعلى فرض أنها صحيحة، لا نقول إنها غير مقبولة، بل إننا نقبلها إن صحت، ولكن الاضطراب في خبرها يجعلنا نقف غير رادين ولا مصدقين، ومهما يكن الأمر في قصة شق الصدر.

وسار على النهج نفسه الشيخ محمد الغزالي في كتابه القيم فقه السيرة، فقال: ولو كان الشر إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها، أو لو كان الخير مادة يزود بها القلب، كما تزود الطائرة بالوقود، فتستطيع السمو والتحليق، لقلنا: إن ظواهر الآثار مقصودة، ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك، بل من البديهي أنه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق، وإذا اتصل الأمر بالحدود التي يعمل الروح في نطاقها، أو بتعبير آخر عندما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسير بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم، يصبح البحث لا جدوى منه، لأنه فوق الطاقة.

ثم عاد الشيخ ليقول: شيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الآثار، أن بشراً ممتازاً كمحمد لا تدعه العناية غرضاً للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، فإذا كانت للشر موجات تملأ الآفاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها والتأثر بها فقلوب النبيين، بتولي الله لها، لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتز لها، وبذلك يكون جهد المرسلين في متابعة الترقي لا في مقاومة التدلي، وفي تطهير العامة من المنكر، لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته.

وخلص إلى أن أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني ومفاتن الحياة الأرضية، واستند إلى ما أورده الخازن في تفسيره عن القصة الأولى أيام الرضاعة عند تفسيره لقول الله عز وجل: ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك، وشرح الصدر الذي عنته الآيات ليس نتيجة جراحة يجريها ملك أو طبيب، ويحسن أن نعرف شيئاً عن أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السنة، فعن عائشة أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسول الله، أينا أسرع بك لحوقاً؟، قال: أطولكن يداً، فأخذن قصبة يذرعنها فكانت سودة أطولهن يداً، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها بالصدقة، وكانت تحب الصدقة وكانت أسرعنا لحوقاً به.

إذن فالشيخ أبو زهرة لم يردها ولم يصدقها، والشيخ الغزالي اعتبرها من قبيل المجاز أكثر منها حقيقة واقعة، وساق كلام النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته والذي أخبرهن فيه بأسرعهن لحوقاً به، وقال هي أطولكن يداً، مجازاً عن كثرة تصدقها.

مناقشة الأدلة

والحق أن الأمر يختلف هنا، بين وقائع جرت، لا يجوز المجاز فيها، وجملة كلامية يجوز المجاز فيها، فنحن في واقعة شق الصدر أمام أحداث ووقائع محكية، كتلك التي وقعت في الإسراء والمعراج، وكما لا يجوز التعامل مع حادثة الإسراء والمعراج باعتبارها مجازاً، فلا يجوز النظر بهذه الطريقة إلى وقائع شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم.

ويحق لمن يرون مثل هذا الرأي أن يذهبوا إلى أن واقعة شق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعدو كونها مجازاً لغوياً، لا يعبر بالضرورة عن وقائع حسية حدثت بالفعل، ولكن أول ما يصطدم مع تلك النظرة تلك الإشارة التي وردت في رواية أنس بن مالك، وهي رواية صحيحة، والتي يقول فيها إنه كان يرى أثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم، وكلنا يعرف أنه رضي الله عنه خدم النبي عشر سنوات، اقترب منه خلالها، ورآه عن قرب كما يحدث بين الرجل ومن يخدمه لهذه الفترة الطويلة، ومثل هذه الإشارة لا يمكن أن يستفاد منها أن حادثة شق الصدر مجرد معنى مجازي، خاصة أنه رأى أثر المخيط في صدر النبي.

أضف إلى هذا أننا أمام حادثة وقعت أكثر من مرة حسب الروايات المختلفة، وهي وإن تضاربت في بعض تواريخها، وأماكن حدوثها، إلا أن التعامل معها بمقياس المعقول والمقبول والجائز هو الخطأ الذي يجب أن ينأى عنه كل دارس ومطلع ومحقق لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

منطق مختلف

في السيرة النبوية الكثير من الوقائع التي لا يمكن التعامل معها بمنطق المقبول والمعقول والجائز في عرف الناس، فمسطرة القياس التي تستخدم في النظر إلى مثل هذه الوقائع تختلف مع تلك التي نقيس بها أفعال البشر العاديين، فالأنبياء والرسل لهم مسطرة قياس مختلفة من دون أدنى شك، فقد كلم الله عز وجل موسى عليه السلام تكليماً، ولقد صارت النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام، وهي التي كانت أعدت لتقضي عليه، وأن يخرج منها سليماً معافى فذلك هو الجائز والمقبول والمعقول في حالة خليل الرحمن، وذلك أمر الله إلى النار وتلك مشيئته، أنفذها، ومن هنا لا يجوز أن ندخل حادثة شق الصدر في غير القياس الذي نقيس به وقائع وأحداث تجري لنبي مرسل، وهذا ما فعله أبو بكر الصديق، بل لهذا سمي صديقاً، لأنه هو صاحب المسطرة الأصح في التعامل مع مثل هذه الأحداث: إذا كان قال فقد صدق، ولذلك صدق هو والمؤمنون أن النبي أسري به من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء، وعاد، كل ذلك في ليلة واحدة، ولما يبرد فرشه.

وقد صحت واقعة شق الصدر عند كثير من الحفاظ والمحدثين، فالواجب أن نخرج الأمر من معقولية أو لا معقولية حدوثها، لأنها في حق رسول الله معقولة ومقبولة، ولأنها أمر أراده الله على الصورة التي حكاها لنا رسوله، وما أراده الله ممكن كأيسر ما يكون الإمكان.

ويلفت النظر أن الوصف المحكي عن الرسول صلى الله عليه وسلم لوقائع ما جرى في حالة شق الصدر يجعلنا وكأننا أمام عملية جراحية حديثة، لم يعهد مثلها النبي صلى الله عليه وسلم في بيئته، ولم يعهدها الناس في عصره، ولا يمكن أن يكون هذا الوصف مفهوماً أكثر مما هو مفهوم الآن في عصر تطورت فيه عمليات فتح البطن والصدر، لم يكن أهل ذلك الزمان يعرفونها، أو يعرفون هيئة ما يجري الآن في مثل هذه العمليات.

وإن كنا نوافق الشيخ الغزالي على أن العناية الإلهية لم تكن لتدع النبي غرضاً للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس، ولذلك كانت المرة الأولى، ونوافق مع القائلين إن هدف المرة الثانية التحضير لمعراجه للمثول في الحضرة القدسية.