هل كانت السلطانة شجر الدر تتصور عندما تخلصت من حُليها ومجوهراتها سحقًا بالدق في الهون حين أحست بمؤامرة قتلها كما تقول الروايات أن المكان الذي شهد تألق حياتها مع زوجها السلطان الصالح نجم الدين أيوب سيصبح يومًا ما جزءًا من سوق قاهري لكل مستلزمات حلي ومجوهرات النساء؟ فكأنما أبى رماد مصاغها إلا أن ترتبط المنطقة بالمرأة وزينتها دومًا .
تتعدد الطرق المؤدية لحارة الصالحية مثل كل دروب وحارات القاهرة القديمة، فيمكن للزائر أن يصل للمنطقة عن طريق سوق الصاغة المتفرعة من شارع المعز الممتد وذلك عبر عدة مداخل الأول من شارع الأزهر وكوبري الأزهر للقادم من حي الغورية والثاني من شارع خان الخليلي العريق للقادم من مسجد الحسين والثالث من الموسكي .
اكتسبت المنطقة اسمها من أنها تشطر مدرسة الصالحية، التي بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب المتوفى عام 647 هـ 1249م كأول جامعة بمصر لدراسة المذاهب الإسلامية الأربعة المعروفة ودار للقضاء على جزء من القصر الفاطمي الشرقي الكبير، ويبدأ مدخل الحارة بسور من الآثار الأيوبية كما يقول مصطفى محمود ( 28 عامًا) بائع للخرز والتحف الزجاجية على مدخل الحارة ذلك السور هو بقايا سور المدرسة الصالحية الشهيرة التي بنيت عام641 هـ 1243م، وهي مجمع مكون من مدرسة وجامع وسبيل ولا تزال مئذنتها الفريدة على شكل المبخرة باقية .
ويضيف مصطفى الذي يعمل في الحي منذ عشر سنوات، أن الحارة ذاتها كان يطل عليها جانب من قصر شجر الدر، التي ماتت عام 655 هـ 1257م، وأصبح موضعه الآن مركز الخان التجاري .
وتذكر الروايات التاريخية أن الملك الصالح أوقف عائد إيجارات حوانيت مشغولات الذهب والفضة بحي الصاغة لمصاريف المدرسة والسبيل الملحق بها .
تنتشر على جنبات السوق وفي دروبه ورش طلاء وتشغيل وتلميع الفضة والذهب والنحاس ونلمح أسماء في جولتنا مثل فضيات الهلال، كما افترش البعض في عدة زوايا من السوق مواضع لبيع بقايا المحال من الخرز المختلف .
وترى مي أحمد الطالبة في قسم المنتجات المعدنية والحُلي في كلية الفنون التطبيقية أن ذلك يعد فرصة للعثور على قطع من الأحجار الكريمة العتيقة بسعر منخفض نسبيًا لأنها تباع بالوحدة وليس بالوزن والغرام .
ويصف لنا يوسف الشيوي، وهو مهندس زراعي يمتلك معرضًا للأحجار الكريمة، المكان بأنه سوق مركزي لتجارة الأحجار الكريمة الأصلية والأحجار المقلدة ومستلزمات صناعة الحُلي ويضم نحو عشرين متجرًا وعددًا لا يحصى من ورش تصنيع وطلاء المشغولات المعدنية .
ويقول الشيوي: عملي الأصلي تجارة الماس ومع الأزمة المالية في العالم والارتفاع الجنوني في أسعار الذهب والفضة أصبحت المهنة تعاني ركوداً شديداً وأحجم أيضًا السائح عن شراء المشغولات الذهبية والفضية في المنطقة؛ فلجأت إلى تجارة الأحجار الكريمة .
وعن أهمية السوق، يقول مايكل سمير مكاري (طالب في كلية التجارة ويعمل في متجر والده وأعمامه) سوق الصالحية هو منبع الأحجار الكريمة ومستلزمات الحُلي في مصر يعتمد عليه تجار التجزئة في المحافظات المصرية للحصول على بضاعتهم من موزعي الجملة المتمركزين في المنطقة ومنهم المستوردون .
ويتذكر المهندس يوسف الشيوي أن سوق الصالحية كان ضعيفًا جدًا منذ عشر سنوات لأنه كان يرتكز على السائحين الأجانب باعتباره امتدادًا لخان الخليلي، مؤكدًا أن السوق يشهد طفرة كبيرة حاليًا، خاصة أن عالم الأحجار الكريمة والخرز ومستلزمات الحُلي ازدهر في العالم نتيجة للارتفاع الرهيب في أسعار الذهب والفضة وتحول ذوق المرأة لحُلي بديلة وإكسسوارات تعتمد على الأحجار الكريمة وشبه الكريمة .
وأشار الشيوي إلى أنه منذ ثلاث سنوات فقط لم يكن السوق معروفًا لدى المستهلك المصري العادي ومع انتشار تكنولوجيا الإنترنت وانتشار المواقع الاجتماعية التي تقدم زخمًا هائلاً من الهوايات أصبحت المرأة المصرية على وعي بالسوق . ويعلق قائلاً الآن أصبح 99% من زبائن السوق من النساء و1% من الرجال .
يقول رامي إمام (27 عامًا) مصمم حُلي يعمل في المهنة منذ صغره إن الحارة الآن مقصد لفئات في المجتمع المصري جديدة عليها مثل ربات البيوت صاحبات المشاريع الصغيرة والطالبات اللائي يبحثن عن هدايا غير تقليدية يصنعنها بأيديهن إضافة إلى سيدات المجتمع الدبلوماسي، موضحًا أن تلك الفئة تهتم بالتصميمات المبتكرة والأحجار الكريمة مثل الفيروز المصري واللاباز والعقيق .
وتتنوع تلك التصميمات بين الخواتم والدلايات والأقراط والعقود والأساور والخلاخيل كما يفضل البعض مثل الفنانات التشكيليات من زبائنه الحُلي مصنوعة من الفضة والمطعّمة بالأحجار .
ويشير مصمم الحُلي رامي إمام إلى أن ذلك الرواج خلق فرص عمل كثيرة للشباب في ضم الخرز وتصميم الحلي وصقل الأحجار وطلاء القطع المعدنية بالفضة والذهب وأيضا مساعدة الهاويات على وضع اللمسات الأخيرة على عقد أو سوار من ابتكارهن .
يصاب المرء بالدهشة من كميات وأنواع المعروضات في الصالحية فنجد الزمرد والمرجان والفيروز واللؤلؤ والتوباز الأماتيست والفيروز والعقيق البلوتوباز والسترين والجاسبر والجاد والعقيق بأنواعه، ويوجد من تلك الأحجار أنواع مقلدة مستوردة من جنوب شرق آسيا .
ويرى المهندس يوسف الشيوي أن الصين وتايلاند وهونغ كونغ اكتسحت العالم في الأحجار المقلدة خاصة بالنسبة للعقيق والجاد، كما أن الصينيين تمكنوا من إضفاء ألوان عن طريق أفران الليزر للأحجار الأصلية كالفيروز الذي جردوه من لون التراكواز الشهير وجعلوه بكل الألوان .
وعن الأسعار، أشار إلى أن الفيروز المصري هو الأغلى لندرته وصفاء زرقته؛ حيث يصل سعر الغرام بالنسبة للحجر الكبير ثلاثين جنيهًا .
وفي السوق، قابلنا إيناس أحمد مرشدة سياحية وذكرت أنها وجدت لديها موهبة تصنيع الحلي فلجأت إلى ترويج إنتاجها بين الصديقات خاصة في حالة الركود التي تسود صناعة السياحة في مصر .
وكان لانخفاض التدفق السياحي في المنطقة مؤخرًا أثره السلبي في تجار التذكارات في المناطق السياحية في الأقصر وأسوان وخان الخليلي وبالتالي على الطلب من سوق الصالحية .