إلى جانب إيمانه وصحبته لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، نهض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، مبكراً في سن السابعة عشرة، مجاهداً بين يديه جهاداً عظيماً وكريماً وباراً . وهو يشهد له بعظيم حبه له وتفانيه بين يديه . إذ شهد معه المشاهد كلها، وظل يجاهد في سبيل الإسلام حتى أواخر عمره، وكان على يديه كما ذكرنا سابقاً أول دم أهريق في الإسلام في شعب من شعاب مكة الطاهرة . وكذلك كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة . وكان يحمل إحدى رايات المهاجرين الثلاث . وكما كان ممن ثبت معه يوم أحد، وقاتل دونه قتال الأبطال .
الفارس الحارس
وروي عن الزهري أنه قال: رمى سعد بن أبي وقاص يوم أحد ألف سهم . وجمع له رسول اللّه يومئذٍ أباه وأمه إذ قال له كما في الحديث الشريف: #187;ارمِ فداك أبي وأمي . ارمِ أيها الغلام الحزوّر (أي القوي)#171; . وقد رواه أيضاً ابن الأثير في كتابه #187;أسد الغابة#171;، نقلاً عن علي بن أبي طالب (رض) . إذ كان سعد بن أبي وقاص من الرماة المهرة المعدودين في فجر الإسلام، حيث أخذ عن أبيه وجدّه صناعة وتجارة النبل، حتى كان يقصده الفرسان من بعيد . فكانت داره في مكة المكرمة تعجّ بهم بصورة دائمة .
وفي رواية ابن عساكر وابن الأثير عن سعد بن أبي وقاص: #187;عابه يوماً بنو أسد في الكوفة، فقال راداً عليهم: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللّه . والله أن كنّا لنغزو مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام إلاّ السمر وورق الحبلة، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع العنز (وفي رواية أخرى الشاة) ما بنا خلط . ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين (أي تلومني) . لقد خسرت إذاً، وضلّ عملي#171; .
وكان سعد بن أبي وقاص الحارس الأمين لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وكان إذا فارق داره من أجل تفقد أهله لا يلبث أن يعود إلى النبيّ الكريم من أجل تأمين راحته، ومن أجل تأمين سلامته أيضاً . ومن أجمل ما يؤثر عنه في صحبته وحراسته، ما رواه ابن عساكر عن عبداللّه بن عامر بن ربيعة، أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: #187;سهر رسول اللّه مقدمه المدينة ليلةً، فقال: #187;ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة#171; . فبينما نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح فقال: #187;من هذا#171; فقالوا: سعد بن أبي وقاص . فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: #187;ما جاء بك#171; فقال سعد: وقع في نفسي خوف على رسول اللّه . فجئت أحرسه . فدعا له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . قالت: فنام رسول اللّه حتى سمعت غطيطه في نومه#171; .
وهذه الرواية ومثلها الروايات الكثيرة، التي رويت عن شدة حرص سعد بن أبي وقاص على حياة النبي صلى الله عليه وسلم، في مطلع الدعوة الإسلامية، إنما تشف عن هجسه الدائم بالنبيّ وسلامته، خشية أن تطاله يد الغدر . حتى لكأنه شعر في تلك الليلة بخطر على النبي صلى الله عليه وسلم، تماماً كما شعر النبي بذلك . فبادر إلى حراسته بنفسه، ولكي يقيه أذى عدوه، شأن صحابته جميعاً . وهم الذين كانوا يتنافسون في خدمته . ويحرصون على الذّب عنه والذود عن حوضه، لما يعزز دعوته الإسلامية، ويعلي من كلمته بين العرب والمسلمين . جزاهم اللّه أجمعين .
دعوة مستجابة
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بغيرة سعد عليه، ويحفظ له في طوايا نفسه حباً عظيماً لما وجد فيه من خصال الشهامة والفروسية والأمانة والفنون القتالية . ومن شدّة حبه لابن أبي وقاص دعا الله له بأن يسدد رميته ويجيب دعوته، فكان كما يذكر كتاب السير والمؤرخون، مجاب الدعوة . حتى لقد كان كبار الصحابة كعمر بن الخطاب وابن مسعود، يتحاشون دعوته . وقد روى المحدثون كثيراً من الأخبار، فيمن أصابته دعوة سعد رضي الله عنه، حتى ذهبت مضرب الأمثال فقالوا: #187;أصابته دعوة سعد#171; .
وكان سعد بن أبي وقاص إلى ذلك، حكيماً مجرباً . فقد أورد الميداني في مادة المثل: #187;هو أعلى الناس ذا فوق#171; أي أعلى الناس سهماً . وأعلى القوم كعباً . ثم ينقل عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قوله لأهل الكوفة عندما اعترضوا على مبايعة عثمان رضي الله عنه: #187;إن المسلمين قد بايعوا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم يألوا أن يبايعوا أعلاهم ذا فوق . أي أفضلهم#171; . وتحت مادة #187;أكسب من ذرة#171; ذكر الميداني: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب عن سعد بن أبي وقاص، فقال: #187;خير أمير . نبطي في حبوته . عربي في نمرته . أسد في تامورته (عرينه) . يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، وينقل إلينا حقنا، كما تنقل الذرّة إلى جحرها . قال الجاحظ: فقال عمر رضي الله عنه #187;لسرِّ ما تقارضتما الثناء#171; .
وذكر سعد بين طبقة المحدثين، إذ روى كثيراً من الأحاديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وذكر العلماء أن له في الصحيحين 271 حديثاً . وروى عنه أولاده مجموعة منها . كما روت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها .
وروى عنه عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر . وروى عنه سعيد بن المسيب والأحنف بن قيس، وهما من كبار التابعين . وقد كان دقيق الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم . فقد روي أن عبداللّه بن عمر سمع أن سعداً يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين عند الوضوء . فذهب عبداللّه إلى أبيه يسأله عما سمع من سعد، فقال له عمر: إذا حدثك سعد عن رسول اللّه فلا تسأل غيره .