ثمة متشابهات في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، بين حياة حافظ إبراهيم وأحمد شوقي، فمن حيث النسب أمه تركية، وشوقي فيه دماء كردية وشركسية، وشاعر النيل وهو اللقب الذي أطلق عليه، كما أطلق عليه شاعر الشعب رحل في العام الذي رحل فيه (أمير الشعراء) فهو ولد في العام 1872، وتوفي في العام 1932، والقصد من وراء هذه التشابهات هو المناخ الأدبي والثقافي العام في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين الذي شهد هاتين القامتين الكبيرتين في الشعر العربي، وكانا قد وظفا شعرهما لخدمة قيم وأخلاقيات إسلامية.
تقول سيرة حافظ إبراهيم إنه ولد على متن سفينة كانت راسية على نهر النيل في قرية (ديروط) في محافظة أسيوط، ومن المعروف أن حافظ نشأ في عائلة ليست ميسورة كما هو حال أحمد شوقي الذي ينحدر من أسرة ثرية وكان مقرباً من الخديوي، وحافظ إبراهيم الذي يمكن القول إنه شاعر الفقراء، تعلم في الكتاب شأنه شأن أبناء جيله آنذاك في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، حيث كان التعليم النظامي محدوداً أو غير موجود على الأصح، والتعليم في (الكتّاب) يعني بيئة تعليمية دينية.
يقال عن حافظ إبراهيم إنه كان بإمكانه أن يقرأ كتاباً أو ديوان شعر في دقائق، هذا إلى جانب قدرته على الحفظ، وخاصة حفظ الشعر، روى عنه بعض أصدقائه أنه كان يسمع قارئ القرآن في بيت خاله يقرأ سورة الكهف أو مريم أو طه فيحفظ ما يقوله ويؤديه كما سمعه بالرواية التي سمع القارئ يقرأ بها، الغريب أن شاعر النيل الذي كان يقرأ كتاباً في دقائق.. وتقول سيرته إنه في فترة من فترات حياته هجر القراءة والكتب مع أنه كان موظفاً في دار الكتب الوطنية وحوله آلاف العناوين والإصدارات.
من الخصال المعروفة عن حافظ إبراهيم أنه ابن بيئته الشعبية، شاعر «شعبي» تلقائي معروف عنه جودة إلقائه للشعر، حيث كان يلقي شعره بطريقة مسرحية تأخذ بعواطف الناس، وقد شهد له في ذلك كبار كتاب زمانه الذين شغفوا بشعره وثقافته ومن هؤلاء: خليل مطران، والعقاد.
نشير أيضاً إلى ثقافة حافظ إبراهيم فهو ترجم شكسبير وفيكتور هيجو، وعرف بمواقفه المناهضة للإنجليز، ودفاعه عن اللغة العربية.
شاعر البساطة العميقة
تميز شعر حافظ بقوة السبك والبلاغة واللغة، وهو من جيل الشعراء العرب المحافظين على نظام القصيدة العربية الخليلية وظهر في زمن شعراء عرب كبار، فكان هو واحداً من هؤلاء الكبار.
يتميز شعره أيضاً بالبساطة العميقة، واللغة الواضحة من دون أن يلجأ إلى (التغريب أو التضبيب) إن جازت العبارة، ففي زمنه الشعري لجأ بعض الشعراء إلى الغريب من الكلام، والبعض شدته ثقافة غربية فرانكفونية، لا بل، إن بعض الكتاب والشعراء في النصف الأول من القرن العشرين كانوا يدعون إلى الارتماء في حضن الثقافة الغربية مبهورين بالحداثة والتجديد اللذين كانا يختلفان جذرياً عن الفضاء العربي. غير أن حافظ إبراهيم بقي عربياً مصرياً مسلماً أميناً على تراثه الثقافي وتراثه الديني أيضاً، وبذلك، فهو شاعر له شخصية أدبية مستقلة، وإلى اليوم هو ماثل في الذاكرة الثقافية والشعرية العربية، وحظي كما حظي شوقي باحترام شعراء عرب لهم مكانتهم في زمانه.
إن اليتم الذي عرفه حافظ إبراهيم مبكراً وهو طفل جعل منه رجلاً عصامياً، فقد نشأ في كفالة خاله الذي كان يعيش ضيق الحال، فما كان منه إلا أن اعتمد على نفسه ليس في الحياة فقط، بل، وفي تعليم نفسه إلى أن وصل إلى ثقافة رفيعة هي سمة الكتاب البارزين في زمانه.
يقال.. لكل زمان دولة ورجال، ويمكن الإضافة على ذلك لكل زمان شعراء يقبضون على أرواحهم الوطنية كما يقبض الإنسان على الجمر، وحافظ إبراهيم واحد من هؤلاء الشعراء فهو قبض على وطنيته ودينه وعروبته، وإلى جانب، وهذا أمر مهم جداً أن حافظ إبراهيم واحد من أهم الشعراء العرب (ومن بينهم فاروق شوشة) ممن دافعوا عن اللغة العربية، وحرسوا ضادها من خرابات موجات التغريب وهو كتب شعراً بهذا المعنى أضف إلى ذلك الروح الإنسانية في شعره تلك الروح التي اختارت الاصطفاف إلى جانب وطنه وشعبه، ولذلك، فهو حي إلى اليوم وإلى غد في ديوان العرب، وفي «ديوان» الحياة.
روح دينية
تتجلى الروح الدينية الإسلامية عند حافظ إبراهيم في مطولته الشهيرة (القصيدة العمرية) وجاءت على البحر البسيط، والقصيدة قائمة على مدح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقافيتها الهاء مع الألف الممدودة ما يعطي القصيدة بوزنها (البسيط) روحية أدبية تتماثل مع قوة الشخصية موضوع القصيدة، وقامت القصيدة على ما يشبه السيرة الذاتية لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فالنص يحيط بأساسيات قام عليها معمار القصيدة.. حول عمر، وإسلامه، ومبايعته لأبي بكر ، ثم علاقته بخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وولده عبدالله، ونصر بن حجاج، وتتعدد في القصيدة مشاهد تصور موقف عمر مع رسول كسرى، وطريقته في الشورى.. إضافة إلى موضوعات أخرى أحاط بها حافظ إبراهيم الذي كتب قصيدة على شكل تاريخ شعري لواحد من كبار مؤسسي دولة الإسلام.
يبدأ شاعر النيل مطولته الماثلة إلى اليوم في الذاكرة الشعرية ذات البعد الديني بمناجاة ربانية نورانية بأن يلهمه الله بياناً يستعين به «..على قضاء حقوق نام قاضيها..»، ومنذ بداية القصيدة يوضح حافظ إبراهيم أن قصيدته هذه هي هدية الأدب والإبداع الشعري إلى عمر «الفاروق»، ومنذ البداية أيضاً نحن أمام نص فيه من البلاغة والمعاني والصور والإيقاع ما يشيع جواً من الخشوعية التي تستدعي شخصية عمر بن الخطاب يقول حافظ إبراهيم:
حسب القوافي وحسبي حين ألقيها
أني إلى ساحة الفاروق أهديها
اللهم هب لي بياناً أستعين به
على قضاء حقوق نام قاضيها
قد نازعتني نفسي أن أوفيها
وليس في طوق مثلي أن يوفيها
فمر سري المعاني أن يواتيني
فيها فإني ضعيف الحال واهيها
إن «القصيدة العمرية» كما هي سيرة الخليفة عمر بن الخطاب، هي سيرة دولة أيضاً كانت تتأسس على العدل، وإلى جانب العدل.. الحزم والقوة والرحمة، وهي من خصال عمر رضي الله عنه الذي قتل غدراً لكن دولة الإسلام بقيت قوية بالعدل والتقوى.. يقول:
مولى المغيرة لا جادتك غاديةٌ
من رحمة الله ما جادت غواديها
مزقت منه أديماً حشوه همم
في ذمة الله عاليها وماضيها
طعنت خاصرة الفاروق منتقماً
من الحنيفة في أعلى مجاليها
فأصبحت دولة الإسلام حائرة
تشكو الوجيعة لما مات آسيها
مضى وخلفها كالطود راسخة
وزان بالعدل والتقوى مغانيها
تنبو المعاول عنها وهي قائمة
والهادمون كثير في نواحيها
إن الشعر عندما يؤرخ يعمد إلى لغة غير لغة المؤرخ السردي الوصفي أو «الفوتوغرافي» إن جازت العبارة، بمعنى أن روح القصيدة هي روح دولة وروح رجل في سياق فني أدبي، وهذا السياق بالذات هو ما جعل القصيدة حية وحيوية في الذاكرة الأدبية الشعرية الإسلامية إلى اليوم.
لقد أعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب.. الرجل القوي القلب، والقوي الجسد، لكن هذه الطبيعة البشرية أصبحت عند سماع القرآن في مثل شفافية الماء، ذلك أن الإعجاز البياني القرآني يجعل الروح نورانية مضيئة بروح كتاب الله.
لقد تحول إسلام عمر إلى حصن للدين، ولدى سماع عمر الآيات الكريمة وتلك الطمأنينة التي سرت في روحه سيكون منذ اللحظة الخشوعية تلك واحداً من المناوئين الكبار لأعداء الإسلام بقوته، وعدله، وحزمه، يقول حافظ إبراهيم في فقرة إسلام عمر:
رأيت في الدين آراء موفقة
فأنزل الله قرآنا يزكيها
وكنت أول من قرت بصحبته
عين الحنيفة واجتازت أمانيها
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها
بنعمة الله حصناً من أعاديها
خرجت تبغي أذاها في محمدها
وللحنيفة جبار يواليها
فلم تكد تسمع الآيات بالغة
حتى انكفأت تناوي من يناويها
«القصيدة العمرية».. سردية شعرية تقوم أيضاً على عناصر درامية ملحمية أعطت النص حيوية دائمة، ومن المهم دائماً عند قراءة هذه القصيدة العودة، ولو قليلاً، إلى شخصية الفاروق وما تنطوي عليه من عبقرية وخلود في التاريخ وفي السيرة الإسلامية.
حافظ إبراهيم بهذه الملحمية الشعرية، يصدر إذاً عن روح إسلامية غيورة على الدين في ذروة نقائه وفطرته الروحية.