نحن جيل بلا أساتذة، جملة أشبه بطلقة الرصاص، أطلقها محمد حافظ رجب في ستينيات القرن الماضي، ثم عاد إلى مسقط رأسه في الإسكندرية، ليختفي بعدها تماما من الساحة الثقافية، إلى أن يظهر في إحدى ندوات أتيلييه القاهرة، لمناقشة مجموعة قصصية صدرت له آنذاك، بعد انقطاع عن وقطيعة مع أوساط المثقفين .
كان الرجل ساعتها يبدو مهزوما تحت وطأة الزمن، وكان ينظر إلى داخله أكثر مما ينظر إلى الوجوه المحيطة به في الندوة، وعددهم لا يتجاوز بضعة أشخاص .
عاد محمد حافظ رجب على جناح دار العين للنشر بكل قصصه، التي نشرت والتي لم تنشر، عاد بما كتبه من تخطيطات أولية لسيرته الذاتية، ومعاركه الأدبية التي أثارها مع رموز الثقافة المصرية في منتصف القرن الماضي، حيث أصدرت دار العين كل ما يتعلق بحافظ رجب في مجلدين تتعدى صفحاتهما حاجز ال 1400 صفحة، حيث بذل الشاعر أشرف يوسف جهدا كبيرا في ترتيب المادة الصحافية المكتوبة عن الكاتب الكبير .
ألقى حافظ رجب حجرا في بركة الكبار الراكدة ومضى، كان المناخ الثقافي، كما يصفه، عندما أطلق مقولته الشهيرة في العام ،1958 على النحو التالي: كنا وقتها صغارا، كنا لا ندري أين المستقر، عبد الرحمن الخميسي وعبد الرحمن الشرقاوي نجمان بزغا مبكرا، يقدمان ما لديهما باسم الواقعية المصرية، من بعيد جاءنا ضوء الواقعية الاشتراكية البعيدة، مكسيم جوركي وخلفه يتوارى تشيكوف كاتب روسيا الإنسان، ولأننا كنا صغاراً فقد تعلقنا بمكسيم جوركي، ورفعنا صورته وعلقناها في المعبد، حيث نقرأ ونكتب، كما اتجهت عواطفنا الحارة إلى الخميسي، وعبد الرحمن الشرقاوي، تلاحقهما حيث كانا، ولم يكن يوسف إدريس قد ترك علامة بصمته بعد .
وقتها كان جيل الشباب يقلد هؤلاء الكبار، وكان يوسف السباعي يصفهم ب أصحاب الأدب الأسود، وكان حافظ رجب قد شدّ الرحال إلى العاصمة التي قال عنها: في القاهرة كتبت الحقيقة، هؤلاء وهؤلاء يعبرون اليم بسفن واحدة، أمامنا يقولون الشعب الكادح ودموع الآهات، وأمامنا يقول الأعداء التسلية هي الهدف والوسيلة، وأمام أنفسهم يتبادلون العناق . . . ولأننا كنا في السوق نبيع ونشتري، ونحن صغار الحال والأحوال، فقد تبينا أننا غرباء، غرباء إلى حد القهر، كذلك كان الناس غرباء معنا، وكانت هناك ثورة، ودخل كل الكتّاب في مصر طابور العرض السريع، وأدركنا أننا والناس: جيل بلا أساتذة، لم تكن هناك أبوة تنصحنا، لم يكن هناك أهل يبحثون عنا، حتى إن الناس أخذهم الكابوس، فتركونا نعوي في الساحة وحدنا .
في هذا الزمن أصدر مجموعة من الكتّاب مجموعة قصصية بعنوان عيش وملح، وضمت قصصاً لحافظ رجب، وعباس محمد عباس، ومحمد جاد، والدسوقي فهمي، وعز الدين نجيب، والسيد خميس، استقبل الكاتب الكبير يحيى حقي هذه الكتابات قائلاً: إنها واقعية جديدة، ودارت مناقشات بين رشدي صالح، وحافظ رجب، وسرعان ما جاء المد حافلاً: مدرسة جديدة في القصة، تغير في الشكل والمضمون والأسلوب، بدأها حافظ رجب، ولحق به بعض الكتاب .
وبدأت الأسئلة: لماذا تكتبون هذه الكتابة والمناخ لا يسمح؟ لماذا تخرجون من الصف؟ لماذا تتمردون؟ لماذا تواجهون الكل؟ لماذا لا تحترمون السائد؟ كانت لهذه الكتابة ملامح مختلفة، رصدها د .صبري حافظ في مقال كتبه عن مجموعات حافظ رجب عيش وملح والكرة ورأس الرجل وغرباء .
يقول الدكتور صبري حافظ: يقدم الكاتب في أقاصيصه كلها نمطاً إنسانياً يكاد يكون هو الكاتب نفسه، نمط الإنسان المسحوق المقهور، سواء أكان بائعاً جائلاً- وقد كان الكاتب نفسه في بداية حياته بائعاً متجولاً - أو عاملاً في مطعم- وقد عمل الكاتب في بواكير حياته عاملاً في مطعم أبيه- أو موظفاً صغيراً- ولا يزال الكاتب حتى اليوم موظفاً صغيراً، يعاني سخافات القبوع بالقرب من قاع السلم الوظيفي- أو كاتبا شابا في عالم منصرف عن الاهتمام بالكلمة، أو متجهاً إلى المتاجرة بها، هذا النمط الواحد المتعدد الوجوه، يغامر به الكاتب مجموعة من المغامرات ويخوض به عدة تجارب تبلور لنا الكثير من القضايا الشخصية المصرية في الستينيات .
يؤكد الدكتور صبري حافظ أن أي دارسة جادة عن أدب الستينيات لا بد أن تبدأ بحافظ رجب، لأنه أول من فجر قضية الأدب الجديد، وطرح الأسئلة حول هويته، ولأنه أول من استشعر ضرورة البحث عن أساليب تعبيرية ومنطلقات بنائية طازجة تتمكن الأقصوصة عبرها من استيعاب هذا التغيير الشامل في الحساسية، وهذا الانقلاب الجذري في النمط البشري الذي تستقطب همومه .
قدر من الحقيقة
يرى الدكتور صبري حافظ أن صرخة رجب الشهيرة: نحن جيل بلا أساتذة تنطوي على قدر من الحقيقة ومقدار من الافتعال، وتتجلى حقيقتها في أنها كانت بالفعل تعبيرا عن نزوع له جذوره العميقة لتجاوز الجمود المكرور في الإبداع الأدبي، وهو يعالج قضايا مطالع الستينيات بالأسلوب نفسه الذي تناول به هموم الأربعينيات، وتجسيدا لحنين هذا الجيل الجديد إلى التحرر من قبضته الجيل القديم، والانفلات من إسار رؤاه وأساليبه التي تشكلت في مناخ قيمي مغاير إلى أقصى حد، لذلك المناخ الذي يعيشه أبناء الستينيات، كما أنها كانت صرخة ضرورية لتنبيه الواقع الأدبي إلى أن ثمة رؤى جديدة تحلق بعيدا عن كل التصورات القديمة .
كتب حافظ رجب قصصه، وصرخ صرخته الشهيرة في زمن كان يعيش فيه الكبير يحيى حقي، ذلك الأب الحاج العطوف قبل أن يكون الفنان والمبدع الكبير، الذي قدم أجيالا من الكتّاب، حين كان رئيسا لتحرير مجلة المجلة يرى يحيى حقي أن رجب كسر السرد الرتيب المألوف في القصة القصيرة واعتمد على الجمل القصيرة غير المترابطة، كأنها لمسات من فرشاة مرتعشة متقدة الأعصاب، ليس همّه أن ينقل إلينا الفهم، بل ينقل إلينا الإحساس، لماذا هذا كله؟ لأن عهد الاسترخاء قد انقضى، وانقضى عهد الاسترسال وتركيب الكلام وتعشيقه، كأنه بناء من حجر الدومينو .
يشير يحيى حقي إلى أن رجب كان سابقا لزمانه، لذلك نصحه بعد المعركة التي خاضها مع رموز القديم بشيئين: أن يصبر على سماع كل ما يقال عنه وأن يفهمه، ثم يجمعه كله، ويلقيه تحت قدميه، ويدوسه إن كان مؤمنا بنفسه .
واختتم حقي قائلا: يكفيك الصدق، لقد عرفت كيف تضع قدمك على أول الطريق الجديد، ويبقى عليك أن تحرث أرضه، بكل ما لديك من موهبة، وقوة القول في الذين يرفضون قصصك اليوم أنهم يعيشون في زمانهم .
المزيفون
وقف حافظ رجب في صدارة كتاب القصة في مرحلة الستينيات وكان فارسا من فرسان التجديد الفني، ومع ذلك أغفل النقّاد اسمه وإنتاجه، ونسبوا محاولات التجديد لغيره، لأنه لم يكن من محترفي العلاقات العامة، ولم يكن ذا وظيفة مرموقة تجذب إليه الوصوليين ليكتبوا عنه .
مرارة التجاهل التي تجرعها حافظ رجب حتى الثمالة، ينقلها لنا الدكتور سيد حامد النساج في مقال كتبه عام ،1993 صدره بقوله إن رجب ذاق طعم الأيام ملحاً مصفى، ومرارة في الحلق، وغصة في القلب، وعذاباً متصلاً من أجل لقمة العيش، ويكفي أنه عانى وحده في سبيل ما دعا إليه، ومع ذلك لم يكتب اسمه ولو ذراً للرماد في العيون ضمن كتاب الستينيات، إذ اقتنص المزيفون ادعاء الريادة، وأصاب عيون النقاد المنحازين قذى، فلم يروا إلا ثلاث ثمار مزهرة فوق شجرة القصة القصيرة والرواية الطويلة، وزيف الآخرون أدواراً وأسماء، وانتحلوا كتابا لا قيمة لهم، ولا موهبة لديهم، لا يملكون القدرة على المواجهة أو الإبداع أو الرؤية الصحيحة، وإنما أجادوا القنص بليل .
يحكي القاص والروائي إبراهيم أصلان جانبا من سيرة حافظ رجب، الذي عرفته حواري الإسكندرية وأرصفة المحطات بائعا للب والسجائر، وأوراق اليانصيب، وطاردته شرطة البلدية عبر ملاحقات، تركت في نفسه أثرا داميا، وعندما نشر أولى قصصه في جريدة المساء تناوله مفكرو اليسار ونقاده باعتباره ظاهرة مهمة ومدهشة: بائع اللب الذي يكتب القصص، وترتب عن هذا الاهتمام النقدي أن أرسل إليه يوسف السباعي مندوبا خاصا، يستدعيه إلى القاهرة، فترك عرض أبيه بأن يعاونه في مطعم جديد افتتحه منذ أيام .
وكما يقول أصلان: جاء رجب محملا بالآمال الكبيرة إلى المدينة التي استدعته باسم أحد كبار مسؤوليها، فاتحة ذراعيها لموهبته الغالية، وهي الآمال الواهية، التي أدت إلى البداية الحقيقية لمأساته .
عينه السباعي موظفا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وسكن حجرة على سطح عمارة قديمة، لكن المدينة التي استدعته فاتحة ذراعيها تجاهلته، وكشر الواقع عن جهامته القاسية، ولم يكن محمد حافظ رجب موهوبا كبيرا فقط، بل كان يتمتع بقدر هائل من الحساسية والطهارة الروحية النادرة، رغم أنه لم يكن يخلو من فظاظة حيال أنصاف الموهوبين والأشباه .
ويحمل أصلان ما جرى لحافظ رجب إلى القاهرة حين يقول: إذا كان بوسع أحد مثلي أن يظن أنه كان من الناجين، فلقد حدث ذلك لأننا كنا أبناء شرعيين لهذه القاهرة وليس بالتبني، لم نتوقع منها شيئا، لذلك فوّتنا عليها وعلى أنفسنا مشاعر الخيبة والمرارة .
ويقول أيضا: ما أعاننا على الاستمرار أننا كنا أقل طيبة منك وأكثر قسوة، لكن حافظ رجب يمنحنا تفسيرا آخر حين يوضح في أحد الحوارات المنشورة معه: قد يحاط الشخص بظروف مستبدة ومشوهة، تضطره للدخول في صمت، وأنا بطبيعتي إذا وجدت في بيئة مستبدة تتزعمها قوة خفية أجد نفسي محاطا بحصار صمت دائم .
في كل الأحوال تبقى كلمة يحيى حقي الساطعة: إن محمد حافظ رجب غيّر من شكل ومضمون القصة القصيرة وإنه يسبق زمانه بثلاثين سنة .