ولد الإعلامي الكبير حافظ عبد الوهاب منصور سنة 1908 بمدينة حلوان القاهرة، حيث عاش الجزء الأكبر من طفولته هناك . ولما كان والده موظفاً بسكك حديد مصر فقد كان حافظ كثير التنقل بين المحافظات، وحصل على الثانوية العامة من مدينة المنصورة، حيث بدأت من هناك صداقة العمر كله مع رفيق كفاحه الإذاعي محمد فتحي الملقب بكروان الإذاعة .
التحق حافظ بعدها بكلية التجارة، والتي فرضها عليه والده، إلا أنه تعثر بها كثيراً ما شجعه على التقدم لإجراء اختبار المذيعين بالإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية، والتي كان قد التحق بها قبله صديقه محمد فتحي . نجح حافظ في اختبار المذيعين نظراً لإجادته اللغتين الإنجليزية والعربية، وأصبح مذيعاً عرفه الجمهور فيما بعد بصوته الهادئ الرخيم . ورغم عمله كمذيع إلا انه شارك بعد ذلك في جميع الفنون الإذاعية حتى أنه استطاع تعلم كل ما يتعلق بفن الموسيقا والغناء بمساعدة الراحل مصطفى بك رضا مستشار الموسيقا والغناء .
ترقى حافظ عبدالوهاب من مذيع أول إلى كبير للمذيعين، ثم مراقباً عاماً في إدارة الموسيقا والغناء وعضو في لجنة الاستماع، وما يذكر لحافظ أنه أول من أخرج الخماسية التمثيلية الإذاعية حسن القرنفلي، وكان أيضاً يسهم بالتمثيل في البرامج الإذاعية العادية والغنائية، كما أخرج عدة برامج غنائية ناجحة منها طلع البدر علينا، تفاريح رمضان .
ورغم أن حافظ لم يكن موسيقياً إلا أن الفترة التي قضاها مراقباً للموسيقا والغناء تعد من العصور الذهبية للموسيقا والموسيقيين، فقد استطاع تقديم مجموعة من الأصوات الشابة الواعدة من المطربين والمطربات أمثال كارم محمود وأحلام وإسماعيل شبانة . . وغيرهم .
ابتدع حافظ ما أسماه بالأركان الغنائية والتي أصبحت بوتقة فنية لتقديم الألوان الغنائية المختلفة ومدرسة للمطربين والمطربات، فعلى سبيل المثال أشرف الملحن أحمد صدقي على ركن الأغاني الريفية، وأشرف محمود شريف على ركن الأغاني الشعبية، وأشرف عبدالحميد توفيق زكي على ركن الأغاني الخفيفة، والتي كانت تقدم الألوان الخفيفة والراقصة كالرومبا والتانجو والفالس، وما إلى ذلك من القوالب العالمية، وفي هذا الركن ظهرت موهبة الفنان الراحل عبدالحليم شبانة الذي اشتهر لاحقاً، بعبدالحليم حافظ، والتي كانت رائجة في ذلك الوقت، فأعجب به حافظ عبدالوهاب واحتضنه وجعله يترك العزف على آله الاوبوا ليصبح واحداً من القمم الغنائية في العالم العربي، واختار حليم بعدها اسم حافظ بدلاً من شبانة وفاء وعرفاناً لصنيع حافظ ورعايته له .
شكلت هذه الأركان الغنائية مجالاً فسيحاً لكي يكتشف حافظ عبدالوهاب بعض الأصوات الواعدة منها على سبيل المثال، زينب الحو والتي اشتهرت فيما بعد باسم هند علام، والتي لحن لها محمد الموجي ولحن لها شقيقها فوزي الحو والذي عرفناه باسم الفنان محمد فوزي، كما أعطى حافظ الفرصة للمطربة الشابة بهيجة الحو والتي عرفت فيما بعد باسم هدى سلطان، كما اكتشف أيضاً صوت السيدة فوقية جميعي، والتي قدمها باسم مايسة . وعن طريق حافظ عبدالوهاب ظهرت أيضاً مواهب عدة في التلحين أمثال محمد الموجي وكمال الطويل .
اختير حافظ مديراً لإذاعة الإسكندرية سنة ،1956 وظل يعمل بها حتى عام ،1968 وهناك أيضاً استطاع اكتشاف العديد من المواهب الإذاعية مثل كوثر العسال وجمال إسماعيل والمخرج أحمد عبدالحليم، أما عن المجال الموسيقي داخل إذاعة الإسكندرية فقد اكتشف حافظ العديد من المواهب الموسيقية أمثال الملحن حلمي أمين، والمطرب الراحل عبد اللطيف التلباني .
استطاع حافظ تقديم برامج إذاعية ذات طابع جديد مدتها لا تتعدى الخمس دقائق تذاع ثلاث مرات أسبوعياً، يسعى فيها إلى النقد البناء لما يجري في الشارع المصري، وكان من أهم هذه البرامج زي النهار ده، من النافذة، وظل حافظ يقدم هذه البرامج الطريفة على مدى ثلاثين عاماً . بعد بلوغه سن التقاعد عام 1968 تم تعيينه مستشاراً فنياً للإذاعة والتليفزيون تقديراً لماضيه المشرف في خدمة الإعلام والثقافة .
رحل المبدع المعطاء حافظ عبد الوهاب في الخامس والعشرين من أغسطس/آب عام 1989 بعد رحلة طويلة آمن فيها بالأمل إلى ما لا نهاية، وبعدم التفكير في الفشل مخلصاً لرسالته مؤمناً بالحب والعطاء بلا حدود . رحل بعد أن أضاء شموعاً بعضها ذاب وبعضها ما يزال مضيئاً .