يصور الله تعالى هول يوم القيامة فيقول في سورة الحج:
يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حَمْل حَمْلها وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد . (الآية 2)
عرفنا من قبل أن المرأة لاختصاصها بالحمل يقال لها: حامل من دون التاء، أما إذا حملت شيئاً على رأسها، أو على ظهرها فيقال لها - حينئذٍ: حاملة أو حمّالة كما جاء في القرآن الكريم في سورة (المسد): وامرأته حمّالة الحطب .
والسؤال هنا: لماذا عبّر بكل ذات حمل من دون لفظ حامل؟
يقول ابن القيم - رحمه الله:
وتأمل - رحمك الله - السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: ذات حمل، فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل، وعلى من هي في أول حملها ومباديه، فإذا قيل: ذات حمل لم يكن إلا لمن قد ظهر حملها، وصلح للوضع كاملاً، أو سقطاً، كما يقال: ذات ولد، فأتى في المرضعة بالتاء التي تحقق فعل الإرضاع من دون التهيؤ له - كما عرفنا من قبل - وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع .
وهكذا كل كلمة في التعبير القرآني لها في مكانها وضع خاص، وتدل على غرض معين، ولو حاولنا تغيير أي لفظة بأخرى فسد التعبير وتغيّر المعنى .
فكلمة ذات حمل هي اللفظة التي تدل على تحقق الحمل ووجوده، أما كلمة حامل فتطلق على المرأة المهيأة للحمل، أو التي يكون حملها في مباديه .
مثلما تذهل المرأة التي تلقم ثديها لابنها عما ترضعه، لشدة الهول وعموم الفزع، وهي لم تفعل ذلك إلا لأمر هو أعظم عندها من الاشتغال بالإرضاع .
ومن هنا، كان ابن القيم دقيقاً في حسه البلاغي، وموفقاً في تصوره اللغوي .