كان زواجي تقليدياً، من اختيار المعرس، إلى الفرح، فالانتقال إلى منزل جديد وعائلة جديدة وإنجاب البنين وتربيتهم، هذا هو دوري في الحياة، كمعظم النساء في بلدنا، نحن خُلقنا فقط لنكون زوجات فاضلات ومربيات ناجحات لأجيال المستقبل، أما مشاعرنا فلا أحد يسأل عنها، هل أحببنا من سيصبح زوجنا وأباً لأولادنا أم لا فهذا شيء لا يجوز الكلام به، فالحب يأتي لاحقاً، المهم انه رجل محترم ومن عائلة، شكل الريال لا يعيبه، إن كان بطنه أمامه أو وجهه بشعاً، أنفه أعوج، قصيراً أصلع كله لا يهم، صحيح إنني هنا لا أتكلم عن وضعي أنا بالتحديد، لأن زوجي ما شاء الله عليه وسيم جداً، حتى أنني أحببته من النظرة الأولى، لا بل تحول حبي وافتتاني به إلى عشق مجنون، كنت أغار عليه من نسمة الهواء، لكنه وللأسف الشديد لم يحبني لا من النظرة الأولى ولا النظرات التالية التي تعد بالأعوام، بالرغم من أن شكلي لا بأس به أبداً لكن، سبحان الله، لم أكن بالنسبة إليه سوى أم العيال، مع أن الله حق، كان طيباً معي ومع أبنائه، يعاملني بالحسنى، لا ينقص شيئاً علينا أبداً، كان يعلم مدى حبي وتعلقي الكبير به كنت أناديه دائماً بكلمة حبيبي أو غناتي، ونظر عيني والغالي، أما أنا فلم أسمع منه كلمة أحبك أو حبيبتي، كان يقبلني في المناسبات فقط على جبيني، وهذه القبلة علامة الاحترام، لكنني كنت صامتة وراضية بنصيبي، كان يرد علي عندما كنت أعاتبه أنا هكذا لا أعرف أن أتكلم مثلك، أنت تعلمين أني أحبك وأترجم هذا الشيء بمعاملتي الجيدة لك وتأمين حياة لائقة بك، فالحب معاملة وليس كلمة، فقلت لا بأس يكفي أنه معي، وبقيت هكذا طوال فترة زواجنا التي امتدت عشرة أعوام قبل أن تنبئني حاستي السادسة بأن زوجي على علاقة بأخرى، أخذت أراقبه وألعب دور الجاسوسة، أبحث بين أشيائه الخاصة وهاتفه المتحرك، الكمبيوتر والسيارة، كنت ما أن يخرج من الحمام حتى أجري وأمسك كندورته لأشمها وأقلبها علني أجد أثراً لأحمر الشفاه أو عطر نسائي، لكنه كان ذكياً جداً ولن يدع أشياء صغيرة تافهة ومعروفة لدى الشباب تفضحه، فكنت كل مرة أصاب بخيبة أمل، إلى أن أخبرتني صديقة لي عن ذاك الجهاز الصغير الذي يسجل كل شيء ولفترة طويلة من الوقت ويعمل على الصوت فعندما لا يكون هناك أحد في الغرفة يتوقف تلقائياً، أتتني به قائلة ليس عليك سوى وضعه في المكان الذي تريدينه وتضغطين على الزر الأحمر، فجلست أفكر أين أضعه، أين ووجدت أن أفضل مكان أبدأ به هو السيارة، حيث سيكلمها بالطبع حالماً يخرج من المنزل أو وهو عائد إليه أعجبتني الفكرة وذهبت إلى سيارته تحت جنح الظلام وألصقته تحت الكرسي الذي يجلس عليه، وعدت مسرعة قبل أن يراني أحد، وفي اليوم التالي تسللت لأخرجه وقلبي يرتجف، بقيت لدقائق أحمله دون أن أتجرأ وأضغط على زر التشغيل، كنت أشعر بأنني بصدد سماع شيء سيؤكد شكوكي ويقهرني، لكن بالنهاية هذا كان هدفي، أن أكتشف إن كان يخونني أم لا، فكرت بيني وبين نفسي قائلة: وإن تأكدت من الموضوع ماذا أفعل، هل سأجابهه وأقول له بما أعلم، وإن غضب مني على ما فعلت وطلقني عندها أيضاً ماذا أفعل؟ فأنا أحبه كثيراً ولا أستطيع أن أبتعد عنه للحظة واحدة يا إلهي ساعدني، وبالطبع تغلب فضولي وإحساسي على أي شيء آخر فضغطت على زر التشغيل لأسمع صوت الموسيقا لدقائق قبل أن يرن هاتفه، خفض الصوت وقال صباح الخير أجابت صباح الفل والعنبر والعود، سمعت ضحكتها من خلال مكبر الصوت، وهي تكلمه وهي شبه نائمة، لقد اشتقت إليك حبيبي، بدأ الغزل وبدأت الأشواق، كان الكلام الذي يخرج من فمه يصدمني، كنت ارتجف من القهر والغيرة، ألم يكن يقول لي أنا لا أعرف أن أترجم ما بداخلي وبأن الحب ليس مجرد كلمة تقال بل هو معاملة، أوقفت المسجل قليلاً وخرجت إلى الشرفة لأتنشق الهواء إذ شعرت بأن الأكسيجين لم يعد يدخل إلى رئتي، شعرت بأن شيئاً ما يخنقني، وضعت يدي على عنقي ثم أمسكت بكوب الماء البارد ألطف به وجهي ومؤخرة عنقي، تعلقت عيناي الدامعتان في السماء ولونها المائل للسواد فوجدت النجوم تتلألأ والقمر ينير تلك الليلة الحزينة من حياتي، توجهت إلى الحمام لأغسل وجهي وأتماسك قليلاً قبل أن أنزل إلى حيث كان زوجي الخائن وأولادي يشاهدون التلفزيون وصوت ضحكاتهم تملأ المكان، قلت هل يا ترى سيجعل أولاده يفقدون تلك السعادة التي يعيشون بها وهم معه، كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر ليأتي ويلعب معهم بألعابهم الإلكترونية، كنت أشعر بأنه ولد من أولادي عندما أراه هكذا، كان يضحك من كل قلبه وينام على الأرض ليأخذهم بين ذراعيه فيلاكمونه ويدعي الألم ليضحكوا ثم يقفزوا عليه ليثبتوه بمكانه، ويصرخون لقد غلبناك يا أبي، أمسكت نفسي، ووضعت كرامتي المجروحة جانباً، لملمت شتاتها واصطنعت ضحكة قبل أن أقول هيا يا أولاد دعوا والدكم يرتاح قليلاً قبل أن نتناول العشاء، نظر إلي ثم قال لي هل أنت بخير؟ أجبته بابتسامة مصطنعة، نعم لماذا، أجابني لا شيء لكن يبدو على وجهك الاصفرار وكأنك تعبة، قلت لا الحمد لله أنا بخير، لكن يبدو أنني لست إلا ممثلة فاشلة، فقد أصر علي أن أجلس قليلاً واقترب مني ليسألني بصوت خافت، لا تكذبي علي يا أم طارق فأنا أشعر بأنك لست بخير، أجبته لقد شعرت بضيق في التنفس منذ قليل وكان قلبي يطرق بسرعة، وشعرت بأنه سيغمى عليّ، لا أعرف لماذا، إلا أنني أصبحت بخير الآن بعد أن تنشقت الهواء وغسلت وجهي، رأيت القلق في عينيه للمرة الأولى، ثم ولدهشتي وجدته يمسك بيدي وهو يقول، سلامة قلبك الغالية، هل هذه المرة الأولى التي تشعرين بتلك العوارض، قلت نعم، لكن لا تقلق يا حبيبي يبدو أنني تعبت قليلاً اليوم مع الأولاد لكنني أفضل الآن، هيا قم لنتناول العشاء فالأولاد يجب أن يأووا إلى فراشهم بعد قليل، جلسنا حول المائدة، كانوا جميعهم يتكلمون ويضحكون، وأنا سارحة فيما سمعت، كنت لا أستطيع أن ابتلع اللقمة كنت أشعر بها تقف على باب معدتي ولا تتحرك، شعرت بألم وكتمت صرخة كادت تفلت مني، نظر زوجي إلي وقال ما بك، قلت أشعر بألم في المعدة، اعذروني فأنا سأطلب فنجاناً من الأعشاب وأخلد للنوم، لا تقلق على الصغار فالخادمة ستهتم بهم وتضعهم في فراشهم، انسحبت إلى غرفتي وسط دهشتهم، فأنا عادة من يتكلم ويضحكهم، وما هي إلا دقائق حتى سمعت طرقاً على الباب اعتقدت أنها الفتاة وقد أتت لي بالأعشاب المهدئة إلا أنه كان زوجي، الذي دخل وجلس قربي على حافة السرير قائلاً، أنا قلق عليك يا عزيزتي، إنها المرة الأولى التي أراك فيها هكذا، يجب أن تذهبي غداً إلى الطبيب، سأتصل به صباحاً لأحدد موعداً معه ولا أريد أن أسمع كلمة لا منك، فإن أصابك شيء لا قدر الله، لن أستطيع أن أكمل حياتي، فأنت لا تعلمين مدى غلاتك عندي، أنت سعادة هذا المنزل ولولبه، أنت الزوجة التي يتمناها كل رجل، وأنا محظوظ جداً بك، سالت دموعي على خدي، لم أعرف إذا كانت دموع الفرح أم الحزن، لماذا يقول لي هذا الكلام الآن، اليوم تحديداً، هذا الكلام الذي طالما تمنيت أن أسمعه، فسمعته مرتين مرة لها ومرة لي، هل هي من بدله، هل هي استطاعت أن تعلمه كيف يخرج ما بداخله، ثم إن كان يحبها كما سمعته يقول لها لماذا يهتم لهذه الدرجة بي، صحيح إنني زوجته لكنه يستطيع أن يقول بكل بساطة اذهبي إلى الطبيب، ليس في حاجة لأن يبث لي عواطفه وكلامه الجميل، هل شعر فجأة بالندم أو الخوف من فقداني، لماذا سيخاف فهو لديه من يحب، أم أنه خائف على الأولاد ومن سيهتم بهم إن أنا مرضت أو مت، أسئلة كثيرة كانت تدور في رأسي ولا أجد لها أجوبة، سرحت عيناي في البعيد ولم أشعر إلا بأصابعه تمسح دموعي، قال: لا أرجوك لا تبكي فأنا لا أتحمل رؤية دموعك، أين ابتسامتك الجميلة؟ أين قوتك ومرحك؟ لا تخافي يا حبيبتي أنا متأكد من أنه تعب بسيط لا أكثر، لكن غدا بإذن الله سنتأكد، قبّل يدي ورأسي، ثم ناولني فنجان الأعشاب قائلاً هيا اشربي من يدي، كنت أشعر بأنني أحلم، حلم رائع لا أريد أن أستيقظ منه، كنت صامتة ساهية، مصدومة وفرحة، تضارب المشاعر أضاعني شتتني، فلم أنبس ببنت شفة، وعندما انتهيت قال لي حاولي أن تنامي، أنا سأطمئن على الصغار وأعود إليك .

عندما خرج، عادت الشكوك والهواجس تملأ رأسي، فكرت أنه قد ذهب ليكلمها، ساعدني يارب وقوني، ألهمني ماذا أفعل وكيف أتصرف، فأنا لن أسمح لأي كان أن يسلبني سعادتي وهناء عيشي، لن أسمح لها أن تأخذه مني ومن أولادنا، نحن أحق منها به، إنها مجرد نزوة وتمر، لكن يجب أن أتصرف بذكاء وحكمة، قررت ألا استمع إلى ما تبقى من التسجيل، قررت أن امحي من رأسي كل ما سمعت، سأتمسك به بكل قوتي، حتى ولو كان مرضي سيكون السبب لأن يعود فليكن، سوف أمثل دور المريضة إذا كان هذا ما أخافه وجعله ينطق بعد كل تلك الأعوام، صرت أتمنى أن يقول له الطبيب إنني فعلاً مريضة وبحاجة لاهتمام، أأحد يتمنى المرض، أنا تمنيته من كل قلبي حتى أستعيد حب حياتي، عاد زوجي بعد لحظات والأولاد برفقته، أتى بهم ليقبلوني قبلة المساء قبل أن يخلدوا إلى فراشهم ثم عاد بسرعة، ونام بقربي، شعرت بأنني ملكت الدنيا، كان ينظر إلي وكأنه يراني للمرة الأولى، وضع يده على رأسي ليداعب شعري ويقول نامي يا حبيبتي، فأغمضت عينيَّ ورحت بسبات عميق، حتى إنني وللمرة الأولى لم أستيقظ على الأولاد قبل أن يذهبوا إلى المدرسة، قفزت من السرير بسرعة اعتقاداً مني بأن زوجي هو الآخر قد خرج قبل أن أراه وأودعه كما أفعل كل يوم إلا أنني وجدته يتكلم على الهاتف مع الطبيب ليحدد موعداً سريعاً، وعندما رآني أمسكني من يدي وقال لماذا قمت الآن كنت سأدع الفتاة تأخذ لك الفطور إلى السرير، قلت لا بأس أشعر بتحسن اليوم، قال لا تتهربي فقد حجزت موعداً مع الطبيب بعد ساعتين، هيا تعالي نأكل ثم نذهب، وهكذا صار، كنت صامتة طوال الطريق، وكلما رن الهاتف كنت أتوتر وأقول إنها هي لكنه كان يجيب على كل اتصال يرده، وصلنا إلى العيادة ودخلنا إلى الطبيب الذي قاس لي ضغط القلب ثم قال: سأجري لها تخطيطاً فهو سيوضح لنا إن كان هناك خلل ما، ففعل ولدهشتي طلب مني أن أصعد على دراجة ثابتة وأقودها، بقيت هكذا لدقائق قبل أن يطلب مني التوقف ثم أعاد تخطيط القلب ثم أتى دور الصورة الصوتية، هنا بدأت أشعر بالقلق يبدو إنني فعلاً أعاني شيئاً، عندها طلبت من الممرضة أن تساعدني على ارتداء ملابسي وخرج هو وزوجي لينتظراني في مكتبه، خرجت بعد قليل لأجد أن زوجي قلق مع أنه حاول إخفاء هذا الشيء، إلا إنني أعرفه جيداً، فقلت ما الأمر هل أشكو من شيء، أجابني الطبيب لا شيء خطير لكنني أفضل أن أجري لك عملية قسطرة وعندها نتكلم، قلت بخوف قسطرة؟ لماذا، قال لي لا تخافي أنا سأجريها فقط لأتأكد بأن الشرايين كلها مفتوحة وإن كان هناك شيء لا قدر الله سيفتح بمجرد أن نمر به، لذلك ستظلين اليوم في المستشفى وغداً صباحاً بإذن الله سنقوم بها، قلت لا أستطيع فأولادي سيأتون إلى المنزل ولن يجدوني، أخذت أتكلم دون تفكير، طلب مني الطبيب أن أهدأ قائلاً لا تتوتري فالأمر بسيط جداً، نظرت إلى زوجي استنجد به، فوجدت دمعة على طرف عينه، ثم قال لي فلنفعل ما يطلبه الطبيب من فضلك هكذا اطمئن عليك، أرجوك ابقي هنا من أجلي، وأنا سأبقى معك، سأتصل الآن بوالدتي وأطلب منها أن تذهب إلى المنزل لتبقى مع الأولاد، فعلت كما طلب مني، وما أن أدخلوني إلى الغرفة وألبسوني رداء المرضى حتى شعرت بالخوف، فقلت سامحني يا الله واغفر لي، فأنا تمنيت المرض بلحظة ضعف، أتوسل إليك يارب العالمين أن تكون معي وألا أكون مريضة من أجل زوجي وأولادي، وبعد قليل عندما انتهين من تجهيزي دخل زوجي حبيبي وقال سلامة قلبك الغالية، عسى أن تقومي بالسلامة لنا لتعود الفرحة إلى المنزل، قضى ليلته معي، لم يترك يدي ولا دقيقة، كان فقط يقوم ليصلي ثم يعود إلي، وفي اليوم التالي وقبل أن أدخل إلى القسطرة أخذني بين ذراعيه قائلاً أنا آسف إن كنت قد قصرت بحقك أو أزعجتك بقصد أو بغير قصد لكنني أعدك بأنك عندما تخرجين بإذن الله ستجدين إنساناً آخر بانتظارك، أمسكت يده قائلة أنا أريدك كيفما كنت، فأنت حياتي كلها، وفعلاً خرجت من المستشفى بعد أربع وعشرين ساعة وأنا بخير، كان كل شيء على ما يرام صحيح أن قلبي كانت ضرباته خفيفة لكن الطبيب أعطاني الدواء المناسب، وقال إنني لست بحاجة لجراحة، لكن يجب أن ابتعد عن الانفعال والتوتر، طمأنه زوجي إلى أنه سيهتم جيداً بي، تبدل زوجي ثلاثمئة وثمانين درجة، كانت تلك الحادثة البسيطة كجرس إنذار بالنسبة له، لم أعد أفكر في الأخرى، الآن فقط أعيش الحب من طرفين، أشعر بأنني متزوجة حديثاً، فقد قال لي بأنه شعر بالرعب بمجرد التفكير أنه سيفقدني أحمدك يارب على كل شيء، حتى إنني لم أبذل مجهوداً في سبيل استعادته، فقد دبرت كل شيء يا مدبر الأحوال يا كريم، لكن قبل أن أختم قصتي نسيت أن أخبركم إنني أكملت سماع الشريط في ما بعد قبل أن أمحوه نهائياً من حياتي، لأسمعه يتصل بصديقه وهو يقول له أنت من أوقعني في هذه الورطة وأنت من سيخرجني منها فأنت تعلم كم أحب زوجتي وسعيد في حياتي معها، وهذه النزوة ندمت جداً عليها، ليتني لم أسمع منك أنت الشيطان بنفسه، استغفر الله العظيم، المهم أنا أسايرها بالكلام الآن كما طلبت مني لأنك قلت لي إنها لا تحب من يقع في غرامها فتهرب منه، لكنها لم تفعل، أسمع . . أنا سألغي هذا الرقم وإياك أن تذكر لها اسمي الحقيقي وقل لها أي شيء إن سألتك عني، قل إنني هاجرت أو مت حتى إنها غلطة عمري ولن تتكرر ما حييت، لمت نفسي لأنني لو كنت أكملت سماع الشريط للنهاية لما كنت قد حزنت لكن النتائج كانت لمصلحتي، لأنني تأكدت أخيراً إن حبي لم يكن من طرف واحد فقط .

[email protected]