لم يمنع توفر الأجهزة الكهربائية الحديثة الحاجة أم ياسين من الاستعانة بآلات كانت مستخدمة قبل نصف قرن من الزمن، فحجر الرحى أو ما يعرف بالجاروشة أو الرحية لا يزال مفضلاً لديها على المطحنة الكهربائية، فالرحى كما تشير الحاجة جزء مهم من حياتها فمنذ صباها تعلمت كيف تستيقظ كل صباح لتضع القمح في قلب الرحى وتديره بيدها فتصنع منه ما شاءت من (برغل، طحين، فريكة، زعتر) .

وتقول أم ياسين: العمل على الجاروشة ليس مجرد تحضير للبرغل أو الطحين اللازم للطعام إنما أسلوب حياة اعتادت عليه سنين طوال أمضت جزءاً كبيراً منها خلف الرحى فطحنت مع البرغل والعدس ذكريات الزمن الجميل .

تتذكر أم ياسين كيف كانت النسوة يتحلقن حول الرحى وتجلب كل واحدة منهن ما تريد طحنه فتغدو المناسبة مجالاً للمة وتبادل الحديث وإشاعة جو من الألفة تفتقده كثيراً هذه الأيام .

وتقول: كثيراً ما أتعرض لتهكمات من فتيات الجيل الجديد اللاتي لم يمارسن العمل على هذه الآلة الحجرية لأنهن تعودن السهولة في كل شيء ويفضلن كل شيء جاهزاً .

وأم ياسين واحدة من كثيرات لا زلن يحتفظن بكل شيء من زمانهن ويفضلنه على كل التقنيات المعاصرة، والرحى كغيرها من الأدوات التراثية المستخدمة قديماً لا تزال تحجز لنفسها مكانة خاصة في حياة هؤلاء يحاولن إطالة عمرها وتكريسها في حياة اللائي ولو على نطاق ضيق .

تعد الرحى آلة بدائية مصنوعة من الحجر الخشن الثقيل وغالباً ما يكون من البازلت تستعمل لجرش الحبوب وطحنها وهي عبارة عن حجرين مستديرين يوضع أحدهما فوق الآخر ويكون السفلي منهما ثابتا ويتحرك الحجر العلوي حول محور خشبي أو معدني، وتكون قاعدته مثبتة في أسفل الحجر السفلي وعندما يدور حجر الرحى تمر فوق حبات القمح أو الشعير أو العدس التي توضع في فتحة دائرية صغيرة في وسط الحجر العلوي فتطحن تلك الحبات شيئا فشيئا كلما دار عليها حجر الرحى حتى تصبح دقيقاً ناعماً ولا يقتصر استعمالها على عمل الدقيق بل يمكن استخدامها لجرش القمح لإنتاج الجريشة وكذلك يجرش عليها حب العدس البلدي لينتج منه عدس مجروش لتحضير الشوربة التي اشتهر بها الريف السوري .

وتتكون الرحى من حجرين مستديرين ويكون السفلي منهما ثابتا غير متحرك وفيه ثقب ضيق واحد في وسطه يسمح بمرور محور خشبي أو معدني يثبت في وسطه ويسمى قطب الرحى أما العلوي فهو الجزء المتحرك ويؤدي دورانه إلى طحن الحبوب وفيه ثقب كبير نسبيا في وسطه يسمح بدخول الحبوب وثقب صغير آخر في طرفه يوضع فيه المقبض الخشبي الذي نحرك به حجر الرحى .

أما الفراشة فهي قطعة خشبية مستطيلة فيها ثقب في وسطها يستعمل لمسك المحور الخشبي أو الحديدي وتثبيته حتى لا يتزحزح وتثبت الفراشة في فتحة الحجر العلوي من الرحى، ليأتي دور الهاوي وهو عبارة عن خشبة على شكل عصا تحدد وتدخل وتثبت في الثقب الجانبي لتكون المقبض الذي يدار به حجر الرحى العلوي وأحيانا يلف عليها قطعة من القماش حتى لا تؤذي اليد لأن احتكاكها باليد يسبب ظهور ثآليل ماء صغيرة تؤلم اليد كثيرا ويضاف أخيرا إليه القطب وهو المحور الخشبي أو المعدني الذي تدور حوله الرحى .

ويعد البرغل من أركان المنتجات التي يتم تحضيرها بالجاروشة فبعد تنقية القمح تأتي مرحلة السلق بآنية كبيرة تسمى الحلّة وبعدها يتم نقله إلى أسطحة المنازل للتشميس . وعند انقضاء فترة التشميس تتم عملية الجرش حيث يتم فرز البرغل إلى ناعم (تبولة، وكبة) وخشن لأنواع الطعام الأخرى .

وبعد أن تتم عملية جرش البرغل أو غيره من الحبوب تقوم المرأة بتذرية الجريش لتنقيته من القشور والشوائب الأخرى .

واشتهرت كثير من القرى السورية، بوجود ورش بدائية بسيطة لتصنيع الرحى غير أن قلة الطلب على هذه الأدوات أجبر عديداً من هذه الورش على الإغلاق والتحول إلى مهن أخرى . وكان هناك حرفيون يقومون بتصنيع الرحى أو الجاروشة من خلال تحويل الأحجار البازلتية بطريقة فنية وعزم قوي إلى رحى ذات أحجام وأشكال مختلفة منها الكبير لأصحاب مهنة الجرش أو الصغير لربات البيوت ومنها ما يشبه الوعاء الكبير (الجرن) والمخصص لعدم تناثر حبات الجريش .

الحاج أبو عمر (70 عاماً) يقول: لا تزال الرحى مستخدمة ولكن على نطاق ضيق بسبب كثرة الأدوات الكهربائية الحديثة التي استعاض بها الناس عن الرحى والذي كان يرمز عند أبناء الجيل الماضي إلى الثراء والرغبة في تقديم خدمة مجانية لأهل الحي، وكانت المرأة التي تمتلك حجر الرحى في بيتها تضعه في ساحة البيت أو تحت العريشة لتستعمله كل من تريد من الجارات استخدامه، وكان ذلك يدل على كرم ربة البيت ويعتبر أيضاً عملاً خيراً ويتناقل الناس أن في بيت فلان جاروشة سبيل مهيأة دائماً لكل من يحتاجها وعادة ما تتردد النساء على البيت الذي يحوي الرحى، وكانت صاحبة البيت تساعدهن وتقوم أيضاً بإعداد الطعام لهن وأحياناً كثيرة كانت بعض النسوة تغني بعض الأغاني إضافة إلى تبادل الحديث بين النساء عن الخطبة والزواج وكثير من مواضيع وقصص حياتهن اليومية .

ويضيف أبو عمر هناك أقوال مأثورة كثيرة تصف تواجد الرحى في المنزل لدى سكان المنطقة مثل اللي ما عندو مزيونة يشتري طاحونة لأنه سوف يرى الجميلات كل يوم يدخلن ويخرجن على بيته لاستخدام الطاحونة .

ويعتبر أنصار الرحى أن المواد التي يتم طحنها بها تظل مطلوبة حالياً أكثر من تلك التي تحضر بالآلات الكهربائية أو التي يتم شراؤها جاهزة لأنها نظيفة ومحضرة بشكل جيد .