القاهرة «الخليج»:

تروي حدائق الملاحة بمدينة الإسماعيلية المصرية، العديد من الحكايات القديمة، التي يزيد عمرها على مئة عام، حيث تزامن إنشاء هذه الحدائق الغناء التي تمتد على مسافة تصل إلى خمسة كيلو مترات بمحاذاة المجرى الملاحي لقناة السويس، مع تأسيس مدينة الإسماعيلية، مطلع القرن التاسع عشر، عقب افتتاح القناة للملاحة البحرية في عهد الخديوي إسماعيل. وأنشئت تلك الحدائق الغناء، كمتنفس طبيعي لأهالي المدينة التي ظلت على مدار عقود من الزمان، تجمع ما بين المصريين والأجانب في تناغم غريب، حيث كانت حتى خمسينات القرن الماضي، مقرا لسكن العائلات الفرنسية والإنجليزية خلال فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر، حيث كانت منطقة قناة السويس، وفي القلب منها مدينة الإسماعيلية، تمثل المركز للقاعدة العسكرية البريطانية في مصر، قبل أن يخرج آخر جندي بريطاني من البلاد، في أكتوبر من العام 1954 بعد قيام ثورة يوليو، وتوقيع اتفاقية الجلاء.
وينظر كثير من الخبراء إلى حدائق الملاحة، باعتبارها واحدة من أجمل الحدائق الطبيعية، ليس في مصر فحسب، وإنما في منطقة الشرق الأوسط، بما تضمه من أشجار نادرة، وما تتميز به من تنسيق وتنوع، قلما يوجد في حديقة أخرى، حيث تتميز الحديقة بوجود عدد كبير من أشجار الزينة المعمرة، التي يصل عمر بعضها إلى نحو مئة عام، مثل أشجار الجازورين الضخمة التي تتميز بأنها من الأشجار دائمة الخضرة، فضلا عن كونها جاذبة للطيور بمختلف أنواعها.
وتتميز أشجار الجازورين عن غيرها من الأشجار، بأنها تحصل على الطاقة المشعة من الشمس، من خلال الثنيات الموجودة داخل كل مجموعة أغصان، وليس من خلال الأوراق، وهو يجعلها واحدة من الفصائل قليلة الاستهلاك للمياه، التي تستخدم في عملية البناء الضوئي، ما يمنحها قدرة فائقة على تحمل الجفاف والظروف الصعبة. وتحفل حدائق الملاحة بالعديد من أنواع الأشجار التي لا يوجد لها مثيل في مصر، حيث تم استقدام كثير منها من فرنسا، لتزيين الحديقة التي يتوسطها مبنى الإرشاد الشهير، وهو المبنى الخاص بمراقبة حركة السفن العابرة للقناة على مدار الساعة، ويقول خبراء في شؤون البيئة إن هذه النوعيات من الأشجار تتميز بأنها منظفة حقيقية للهواء، فأغصانها المتهدلة تلتقط الملوثات الجوية والأتربة، التي تنزل إلى التربة مع هطول المطر، فضلاً عن كونها مصدات طبيعية للرياح وخاصة المحملة بالأتربة.

تمتد حدائق الملاحة بانسيابية كبيرة، في مواجهة ما يسمى ب«الحي الإفرنجي»، وهو أحد الأحياء التاريخية في المدينة، الذي يتميز بمبانيه الفاخرة من الفيلات، والشوارع العريضة المظللة بالأشجار المورقة، وقد بني هذا الحي في بداية الأمر، كسكن للمرشدين الأجانب، الذين كانوا يتولون مهمة إرشاد السفن العابرة للقناة، أثناء سيطرة الشركة الفرنسية عليها. وتطل الملاحة على بحيرة التمساح، وهي بحيرة طبيعية كانت توجد في تلك المنطقة قبل حفر قناة السويس، قبل أن تتحول بعد انتهاء عمليات الحفر إلى مرفأ ترسو عليه المراكب العابرة، وبنت الحكومة المصرية عقب تأميم القناة، عدداً من الأرصفة، التي خصصت لرسو اليخوت العابرة، إلى جانب عدد من الورش التي تقدم ما يلزم لاحتياجات الملاحة للمراكب التي تعبر القناة .

على مدار عقود من الزمان، شيد الفرنسيون والإنجليز العديد من القصور والشاليهات والفيلات ذات الطراز المعماري الفرنسي في مناطق عدة تطل على الحديقة من جهة، وقناة السويس من جهة أخرى، ربما كان من أشهرها القصر الذي بني للخديوب إسماعيل في المنطقة المعروفة باسم «جزيرة الفرسان». ويطل قصر «فردينان ديليسبس» الكائن وسط المدينة على حدائق الملاحة.
وتروي الجدارية الملاصقة للقصر، تفاصيل الاحتفال بالافتتاح الأول للقناة.