د. يوسف الحسن

} في نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر، جيشت بريطانيا، حملة عسكرية كبرى، للاستيلاء على رأس الخيمة، وتحطيم القوة البحرية العربية لعرب الساحل، وانطلقت القوات البريطانية البحرية، من الموانئ الهندية في ديسمبر من العام 1819، ووصلت إلى رأس الخيمة، وضربت حصاراً بحرياً عليها، وأنزلت قوات إلى البر، ولكنها فوجئت بوجود أسوار وخنادق وحصن، ومقاومين أشداء يدافعون عن المدينة، رغم قلة وضعف أسلحتهم، وقام الأسطول البريطاني بقصف المدينة بقذائف الهاون، التي تزن كل منها أكثر من 24 رطلاً، واستمر القصف لعدة ليال متواصلة.
} ونجح المدافعون عن المدينة في نقل معظم سكانها وممتلكاتهم بعيداً عن الساحل، وبناء تحصينات وحفر خنادق لحملة البنادق، وفي ظلام الليل، شنوا هجوماً للاستيلاء على بطاريات المدفعية البريطانية الموجودة على البر، واشتبكوا مع الجنود الغزاة بالسلاح الأبيض، وقتلوا العشرات منهم.
}وتذكر الوثائق البريطانية، أن عدد شهداء رأس الخيمة تجاوز ألف شهيد من الرجال والنساء والأطفال، واستولى الجنود البريطانيون والهنود، على عدد من المدافع الصغيرة، وعلى نحو ثمانين سفينة، وتم تدمير الحصن الواقع في قرية ظاية المجاورة للرمس، وأسر نحو مائة وسبعين مقاوماً من أبناء رأس الخيمة، وفرَّت عشر سفن للقواسم إلى البحرين، حيث لاحقها الأسطول البريطاني ودمرها هناك، كما دمر جنود هذا الأسطول سفن الغوص وصيد الأسماك، ونهبوا ممتلكات المواطنين.
} واستمرت مقاومة الغزاة أكثر من ثلاثة أسابيع، وتم في نهاية المعركة، القبض على الزعيمين القاسميين حسن بن علي بن رحمة شيخ الرمس، وقضيب بن أحمد شيخ الجزيرة الحمراء، وفرار الشيخ سلطان بن صقر إلى الشارقة، وهو الشيخ الذي تولى قيادة القواسم لأكثرمن خمسين عاماً، حتى وفاته في عام 1866.
} وبسقوط رأس الخيمة، تهاوت باقي موانئ إمارات الساحل، واستولت بريطانيا على معظم السفن والأبراج في أم القيوين وعجمان والشارقة. وفرضت على شيوخها معاهدة «سلام عامة» في يناير 1820.
} ومن الطريف ذكره، أن رحالة إنجليزياً اسمه بكنجهام، عبر بلاد الشام والعراق وفارس ماشياً، حتى وصل إلى بوشهر، حيث أهم مركز تجاري وسياسي للإنجليز، ورغب بالانضمام إلى الحملة العسكرية البريطانية على رأس الخيمة.
وشارك هذا الرحالة، قوة عسكرية بريطانية استكشافيه وصلت إلى رأس الخيمة في أواخر العام 1816، وتبرع بالنزول إلى البر، للتفاوض مع شيخ رأس الخيمة، وتقديم مطالب بريطانيا وشروطها، وعندما نزل إلى البر تلقفته مجموعة من صبية رأس الخيمة، وأمسكوا به، ونتفوا لحيته، وأركبوه حماراً بالمقلوب، وساروا به في شوارع المدينة وأزقتها، وسط مظاهر السخرية والازدراء، وحينما علم حاكم رأس الخيمة بالأمر، أمر بإطلاق سراحه، إلا أن الوفد العسكري البريطاني، صمم على مقابلة الحاكم، وتقديم الشروط والمطالب التي من بينها تسليم اثنين من أبناء الشيخ حسن بن رحمة للاحتفاظ بهما كرهينتين في بومبي، لضمان حسن سير وسلوك القواسم.
} لكن الحاكم رفض هذه الشروط، فقامت السفن البريطانية بقصف المدينة، وردت عليها قوات القواسم بالمثل، حتى انسحبت البحرية البريطانية، وقد شجع هذا الانتصار كل القوى السياسية في المنطقة على رفض النفوذ البريطاني.

***

} كانت منطقة إمارات الساحل، في مطلع القرن العشرين، تفور بالاحتجاجات ضد الهيمنة البريطانية المتزايدة، وشهدت اضطراباً عاماً في الأوضاع السياسية والاقتصادية، وبخاصة في المرحلة السابقة لنشوب الحرب العالمية الأولى.

} وقد احتكرت بريطانيا الهيمنة على حوض الخليج، وشددت البحرية البريطانية إحكام حصارها على الشواطئ، بحجة تفتيش السفن بحثاً عن الأسلحة، ومصادرتها، وظلت سفن إمارات الساحل، وبخاصة أسطول القواسم عرضة لهذه الحملات البريطانية، ولم يسمح لهذه السفن العربية بالتردد على موانئ الهند، وتم تدمير الكثير منها، إلا أن القواسم نجحوا في استعادة قوتهم البحرية، بعد أن خبؤوا مراكب عديدة من أسطولهم، أثناء الحملات العسكرية البريطانية، في أخوار ومداخل يصعب الاهتداء إليها.
} وتشير الوثائق البريطانية المنشورة عن تاريخ الإمارات، إلى أن حاكم دبي، رفض نزع الأسلحة من المواطنين، كما رفض طلباً بريطانياً لتعيين مندوب سياسي في دبي، وأمام هذا الرفض، تراجعت بريطانيا، واكتفت بأن يقوم نائب القنصل في لنجة، بزيارة دبي من حين لآخر، على ظهر سفن صاحبة الجلالة، كما قررت تأجيل نصب أجهزة تلغراف، وإنشاء دائرة بريد، «حتى تهدأ الأمور، وتستعاد الثقة»، وهي الثقة التي اهتزت، حينما اعتدى رجال البحرية البريطانية، أثناء قصف مدينة دبي في العام 1910، على الآمنين العزل، وانتهكوا حرمة المنازل.
} وفي أكثر من مكان في إمارات الساحل ظهرت احتجاجات متفرقة، تعبر عن ضيق شعبي، ورفض لمحاولات السلطات البريطانية التدخل في الشؤون الداخلية للحكام والأهالي.
} وقد حاول الشيخ زايد بن خليفة حاكم أبوظبي، كسر طوق الوصاية البريطانية، حينما أرسل وفداً إلى بلاد فارس، لحل النزاع القائم بين الشارقة وفارس حول لنجة، والحصول على تعويضات للنازحين منها.
ورفع على قصر الحصن في أبوظبي، علماً أخضر، بديلاً عن العلم الأبيض ذي المربع الأحمر، المفروض قسراً على حكام إمارات الساحل، بموجب معاهدات الإذعان قبل نحو ثمانين عاماً، فما كان من البحرية البريطانية، إلا أن بعثت بسفينة حربية في السادس من شهر أكتوبر من العام 1900 (ألف وتسعمئة ميلادي)، تهدد بقصف قصر الحصن ما لم يوقف علاقاته مع الحكومة الفارسية، وينزل علمه الأخضر الجديد.
} وقد كشف الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في كتابه (تحت راية الاحتلال)، عن أصل العلم، الذي فرضه الاحتلال البريطاني على مختلف إمارات الساحل، وهو علم يعرف في بريطانيا بالعلم رقم اثنين، وهو علم لونه أبيض، ومثبت في وسطه مربع أحمر، وترفعه السفن الداخلة إلى الميناء أو الخارجة منه في بريطانيا، ويعني أن قبطاناً يوجد على ظهر السفينة.
}ومما يذكر أن علم القواسم الأصلي، كان يشمل ثلاثة ألوان، الأخضر فالأبيض فالأحمر، وفي اللون الأبيض في الوسط، كتبت جملة «نصرمن الله وفتح قريب»
....في الثاني من ديسمبر عام 1971، استقلت الإمارات واتحدت.. وطويت صفحة الهيمنة البريطانية إلى الأبد.