طرحنا المشكلة بكل جوانبها وتداعياتها على عدد من العلماء في محاولة للبحث عن حلول تعيد للمرأة في بلادنا العربية أحد أهم حقوقها المسلوبة، وهذه خلاصة ما قاله العلماء:
د . سامية خضر أستاذة علم الاجتماع تؤكد أن حرمان المرأة من حقها الشرعي في الميراث مشكلة يعاني منها كثير من الأسر، وهي تفسد العلاقة بين الأشقاء وتزرع بينهم العداوة والبغضاء وتؤدي إلى قطع الصلات الأسرية، وهذا الظلم الذي تعانيه المرأة في كثير من البلاد العربية تحركه مفاهيم خاطئة، حيث يعتقد كثير من الرجال أن البنت ليس لها سوى التعليم والزواج وصلة الرحم، أما أن تأخذ من ممتلكات أسرتها سواء أكانت أرضاً أو عقارات أو أموالاً لتضمها إلى ممتلكات أسرة أو عائلة أخرى فهذا عيب وإهانة للأسرة أو العائلة، وهذا للأسف فكر جاهلي وثقافة عفا عليها الزمن ورفضها الإسلام الذي شرع ما يصلح أحوال الناس ويمنح الحقوق لأصحابها .
واقع مؤسف
وترى د . سامية أن معاناة المرأة في الحصول على ميراثها يجسد واقعاً مؤسفاً لمعاناة المرأة عموما للحصول على كامل حقوقها، فالمرأة في بلادنا العربية وخاصة في المناطق غير الحضرية ما زالت تعاني من الأمية ونسب الأمية بين النساء أعلى كثيراً من نسبها بين الرجال، ومازالت المرأة محرومة من حقها في العمل .
وتحذر أستاذة علم الاجتماع من تداعيات مشكلة أو رذيلة حرمان المرأة من ميراثها، وتؤكد أن استمرار هذا العقوق الأسرى تجاه المرأة من شأنه أن يضاعف من حالات الجفاء في العلاقات الاجتماعية، ويعطي فرصاً أكبر لقطع الأرحام وإفساد علاقات المودة والرحمة التي يجب أن تربط بين الأشقاء .
وتضيف: هناك جرائم مفزعة تحدث في محيط الأسرة بسبب الحرمان من الميراث، وهذه الجرائم تدمر كل روابط المودة والرحمة والصلات الاجتماعية بين العائلات والأسر، ويمكن أن نتجنب كل ذلك لو أعطينا لكل إنسان حقه، ولم نفرق بين رجل وامرأة، ونرضى بما قسمه وقدره الخالق لكل إنسان .
تربية خاطئة
أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر د . هاشم بحري يرى أن حرمان الإناث من الميراث على يد أشقائهن نتيجة طبيعية لما يفعله كثير من الآباء، حيث يزرعون الأنانية في نفوس أولادهم الذكور منذ الصغر ويربونهم على التمييز بين الولد والبنت، وإشعارهم بشكل مباشر أو من خلال الممارسة العملية أن المرأة خلقت لترعى شؤون الرجل، وبالتالي يغرسون في نفوس أبنائهم الذكور أن المرأة منقوصة الحقوق، وأنها لا ينبغي أن تكون سببا في تفتيت ميراث الأسرة، وأن البنت التي تفكر في الحصول على ميراثها هي بنت لم تحسن أسرتها تربيتها .
هذه التربية الخاطئة كما يقول د . بحري ترسخ ثقافة حرمان المرأة من حقوقها عموما ومن حقها في الميراث على وجه الخصوص، وهي للأسف ثقافة خاطئة تغرس الأنانية في نفوس الأشقاء، وهذه نتيجة طبيعية لثقافة تمييز الولد على البنت، وهي تقابل بكراهية شديدة من المرأة تجاه أشقائها الذين حرموها من حقوقها وهي صغيرة، وحرموها من حقها في الميراث بعد أن استقلت بحياتها .
والحرمان من الميراث له تأثير نفسي مدمر لا تمحوه الأيام والمواقف والأحداث كما يقول أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، فالمحروم من حقوقه يشعر دائما بالظلم والقهر، وهذا الشعور المسيطر عليه قد يدفعه إلى القيام بسلوك غير مرغوب فيه تجاه من حرموه، ولذلك نقرأ ونسمع يوميا عن جرائم قتل في المحيط الأسرى والعائلي نتيجة الحرمان من الميراث .
العقاب الإلهي
الفقيهة والداعية الإسلامية د . سعاد صالح أستاذة الشريعة بجامعة الأزهر تصف حرمان الإناث من الميراث بالسلوك الجاهلي، الذي توارثته العديد من الأسر في عالمنا العربي، وهو يهدر حقا مهما من حقوق المرأة، وتقول: استمرار هذا الظلم يعني أننا نعيش جاهلية متوارثة يجب أن تختفي من حياتنا حتى نستطيع أن نسترد للمرأة كامل حقوقها، ونقضي على كل مظاهر قطع الأرحام وظلم النساء في عالمنا المعاصر .
وتضيف: حرمان المرأة من حقها في الميراث يمثل عدواناً صارخاً على حقوقها ومخالفة واضحة لما قرره الخالق عز وجل، وهؤلاء الذين ملأ الطمع نفوسهم واعتدوا على حدود الله تعالى سوف يعذبهم الله في الآخرة عذاباً أليماً، لأنهم عصوا أمره وخالفوا شرعه، وقد توعدهم سبحانه بقوله: "ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين" .
وترى أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر أنه لا بد من مواجهة عملية لهذا الظلم تتطلب- إلى جانب حملات التوعية سن تشريعات تجرم سلوك من يحرم امرأة من حقها في الميراث، وتقول: الشريعة الإسلامية تعطي لولي الأمر حق معاقبة كل من يخالف شرع الله وتعزيره بأشد العقوبات، ومنها السجن والغرامة وغيرهما من ألوان العقوبات التي تعاقبه على تعديه على حدود الله تعالى، فضلاً عما يلحق هذا الإنسان من عذاب وعقاب إلهي، وهو بسلوكه الجاهلي الظالم جلب لنفسه العقاب، والله تعالى يقول: "ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه" .
مآس كثيرة
الشيخ علي أبو الحسن الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر يعبر عن أسفه وحزنه من استمرار حرمان الإناث من الميراث في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ويؤكد أن من يحرم امرأة من حق من حقوقها آثم شرعا ومن حق ولي الأمر معاقبته، ويقول: الحرمان من الميراث سواء أكان لولد أو بنت ظلم يرفضه الإسلام ويدينه ويعاقب عليه، ولذلك حذرنا منه الخالق سبحانه فقال في نهاية آية المواريث: "تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين" . والحرمان من الميراث تترتب عليه مآسٍ كثيرة من ظلم وقهر وأكل أموال الناس بالباطل، ولذلك حذرنا منه المولى عز وجل، واعتبره عدواناً صارخاً على شرعه، فالله هو الذي شرع الميراث، وهو الذي حدد الأنصبة بفضله وعدله وأعطى كل ذي حق حقه تحقيقاً للعدل ومنعاً للخلاف والشقاق بين الناس، كما جعل الله تعالى الميراث حداً من حدوده يجب الالتزام به وعدم تعديه .
من هنا يؤكد عالم الفتوى الأزهري أنه لا يجوز لأحد شرعا أن يحرم بعض الورثة من الميراث بوصية أو بغيرها، لأن الميراث شرع الله ولا يجوز لأحد أن يتدخل فيه ومن يحاول أن يتحايل على هذه القاعدة فهو يتعدى حدود الله، كما ذكر الله في كتابه العزيز، مشيراً إلى أهمية الالتزام بالحدود التي وضعها لعباده .