إذا كان الصالح إسماعيل زنكي قد قبل بحكم صغر سنه سياسة الأمر الواقع، فإن ابن عمّه سيف الدين غازي ابن مودود زنكي أتابك الموصل لم يستطع السكوت عمّا فعله صلاح الدين الأيوبي . لذلك أرسل سيف الدين غازي إلى الحلبيين يعتب عليهم ووبخهم ونسبهم إلى العجلة في ذلك (الصلح مع صلاح الدين الأيوبي) وإلى الضعف، وحرّضهم على نقض الصلح ومحاربة صلاح الدين . كذلك أرسل غازي سفارة إلى ريموند الثالث صاحب طرابلس والوصي على مملكة بيت المقدس، يطلب محالفته ومساعدته في الخطوة التالية التي سيقوم بها الزنكيون ضد صلاح الدين الأيوبي .

وكان بلدوين الرابع ملك بيت المقدس الصغير قد قام بغزو إقليم دمشق سنة ،1175 مستغلاً فرصة انشغال صلاح الدين في شمال الشام . ومع ذلك، فقد تذرع صلاح الدين بالصبر تجاه الصليبيين، وجدد في أغسطس/آب سنة 1175 الهدنة التي عقدها مع مملكة بيت المقدس، وذلك حتى لا يحارب في جبهتين في وقت واحد، الزنكيين في الشمال والشرق والصليبيين في الجنوب والغرب .

معركة تل السلطان

ولم يلبث سيف الدين غازي زنكي أن جمع في ربيع سنة 1176 أمراء الجزيرة وديار بكر، ثم انضم إليهم كمشتكين على رأس القوات الحلبية، وزحف الجميع على دمشق . وتمكن صلاح الدين الأيوبي من إنزال هزيمة ساحقة بالحلفاء عند تل السلطان بين حلب وحماه في أواخر سنة ،1176 واستولى صلاح الدين الأيوبي على أموال وذخائر وفرش وأطعمة وتحف تجل عن الوصف .

واستولى صلاح الدين الأيوبي على قلعتي بزاعة ومنبج إلى الشمال الشرقي من حلب، وعلى قلعة عزاز في يونيو/ حزيران سنة ،1176 ثم شرع في حصار حلب مرة أخرى . على أن صلاح الدين لم يلبث أن قبل الصلح أمام عناد حلب وإصرار أهلها على عدم التسليم له . ولم يكد يفرغ من عقد الصلح مع الحلبيين حتى اتجه لحصار مصياف بلد الباطنية، ليقابلهم على ما فعلوه من الوثوب عليه . وكان أن نصب صلاح الدين الأيوبي المجانيق على حصن مصياف (مصياب) وأوسعهم قتلاً وأسراً، وساق أبقارهم وخرب ديارهم، حتى شفع فيهم صاحب حماه وهو شهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح الدين .

ولم يتقاعس الصليبيون عن مهاجمة صلاح الدين؛ وفي صيف سنة ،1176 قام بلدوين الرابع رغم صغر سنه ومرضه بمحاولة لمنع صلاح الدين من الاستيلاء على حلب، فأغار بالاشتراك مع ريموند الثالث على إقليم البقاع . وقد خرج شمس الدولة توران شاه أخو صلاح الدين ونائبه في دمشق لرد الصليبيين عن بعلبك، فأوقع بهم الهزيمة عند عين الجر . ولم يلبث أن ارتدّ الصليبيون بعد ذلك بسرعة عندما علموا باقتراب صلاح الدين الأيوبي .

أرملة نور الدين

وتزوّج صلاح الدين الأيوبي من عصمة الدين خاتون ابنة معين الدين أنر وأرملة نور الدين محمود . وأشارت المراجع إلى أن صلاح الدين اتخذ هذه الخطوة حفظاً لحرمتها وعصمتها، حتى يظهر في صورة وريث نور الدين محمود من ناحية، وليقوي الرابطة بين شخصه وبيت نور الدين من ناحية أخرى، مما يدعم مركزه ويمكّنه من تحقيق مشاريعه . وكان صلاح الدين يبذل كل ما في وسعه لمقاومة الزنكيين والباطنية والصليبيين، وهي القوى الثلاث التي تحالفت ضده لتحول دون تحقيق الوحدة الإسلامية بين العراق والشام ومصر .

عاد صلاح الدين الأيوبي إلى القاهرة في أواخر سنة ،1176 ليقضي في مصر بضعة أشهر قبل أن يعود إلى الشام لمواجهة أخطار الصليبيين من ناحية واستئناف بناء الجبهة الإسلامية من ناحية أخرى . وتدل أعمال صلاح الدين في تلك الفترة على أنه كان يتوقع خطراً جسيماً، مما جعله يمعن في اتخاذ الإجراءات الدفاعية لحماية مصر والقاهرة مما يهدّدهما من أخطار .

وكان أن قدمت إلى الشام سنة 1177 حملة صليبية صغيرة على رأسها فيليب الألزاسي كونت فلاندرز، كما أرسل الإمبراطور البيزنطي سفارة إلى بيت المقدس تعرض على ملكها بلدوين الرابع إحياء فكرة القيام بحملة صليبية مشتركة لغزو مصر . وأرسل الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين إلى عكّا أسطولاً من سبعين سفينة تحمل قوة كبيرة من المحاربين استعداداً لغزو مصر . وهذا هو السر في سلسلة التحصينات التي نهض بها صلاح الدين الأيوبي حينذاك والتي تعبّر عن مخاوفه من ناحية وعبقريته الحربية من ناحية أخرى .