في تقديمه لمجموعته الأولى لن 1960 سأل أنسي الحاج: هل يمكن أن يخرج من النثر قصيدة؟، وأجاب بنعم، بعدما نثر بين يدي القارئ مستندات عدة أهمها التمييز بين النثر والشعر، كمقدمة للتأكيد على أن النظم ليس هو الفرق بين النثر والشعر، فقد قدمت التراثات الحية، كما يرى، شعرا عظيما في النثر ولا تزال. وما دام الشعر لايعرّف بالوزن والقافية، فليس هناك ما يمنع أن يتألف من النثر شعر، ومن شعر النثر قصيدة نثر.

قصيدة النثر ليست النثر الشعري، ذلك الذي عرفته الثقافة العربية منذ أوائل القرن العشرين على يد الريحاني وجبران وشوقي وآخرين، وأطلق عليه من أوكلوا لأنفسهم حراسة بوابات التقاليد اسم النثر الفني توقيا وحذر أن يجتاز عليهم أسوار المنطقة الشعرية.

قصيدة النثر بحاجة إلى التماسك حتى لاتنفرط وتعود إلى مهادها النثري، وبدل أن يكون النثر أداة طيعة بيد الشاعر، ينقلب الحال فيتحول الشاعر إلى أداة بلهاء بيد النثر. ثم هي بحاجة إلى قوانين. فلئن حملت معها الفوضى والهدم، كان عليها أن تسعى إلى بدائل لما هدمته كي تكون قصيدة حقا.

وكان على فئة من الشعراء العرب ضاقت بالتقليد والاتباع، انتظار الفرنسية سوزان برنار وكتابها قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا 1959 كما يبدو، حتى تطمئن إلى أنها على هدى. لم يكن لدى هذه القلة آنذاك وعي ولو ضئيل بضرورة مراجعة حصيلة ما لديها، أو لم يكن لديها في الحقيقة شيء تستند إليه سوى ما توحي به اللغات الأجنبية. كان مفهوم الشعر في الثقافة العربية مغلقا حتى دون منجزات أساطين البلاغة العربية من أمثال الجرجاني وحازم القرطاجني وابن رشيق.

من هنا جاء كل ما طرحه أنسي الحاج في تقديمه لنفسه قراءة عجولة لمقدمة كتاب برنار. فلكي يوضح ماهية قصيدة النثر، استعار كما يقول بتلخيص كلي تحديدها لهذه الماهية: شروط قصيدة النثر ثلاثة ؛ أن تكون موجزة توفر عنصر الإشراق، أن تكون متوهجة، أن تكون مجانية. هكذا بضربة واحدة قطع الحاج ما بينه وبين الأسوار من حوله، وانطلق يلقي بمجموعاته واحدة بعد أخرى بعيدا عن المناخ الشعري العام. أما علي أحمد سعيد أدونيس الذي ذهب إلى المنبع ذاته، فقد التقط شروط الماهية نفسها (مجلة شعر، عدد ،14 ربيع 1960) وتبريرات الكاتبة ذاتها. إلا أنه كان أكثر دقة في الترجمة، فلديه نجد شروط قصيدة النثر أن تكون كلا عضويا مستقلا،وأن تكون بناء فنيا متميزا لاغاية له خارج ذاته، مجانيا بمعنى أنه لازمني، لا يسعى إلى غاية، يعرض نفسه مثل شيء من الأشياء، أو كتلة لا زمن لها أو فيها. وأخيرا هناك شرط الكثافة أو الإيجاز، تركيب إشراقي بلا شرح ولا تفسير أو استطراد.

وبالعودة إلى كتاب سوزان برنار في آخر ترجمة له قدمتها راوية صادق وراجعها رفعت سلام (دار شرقيات، 1998)، نجد أن كلا الشاعرين، الحاج وأدونيس، أسقط قول الكاتبة أنها تفترض وجود الإرادة الواعية للانتظام في قصيدة، بالإضافة إلى أن أهم شرط، أي ما ترجماه تحت اسم المجانية، ظل ملتبسا، ولم يجد تفسيرا ملائما لديهما. وهو ما فتح الطريق أمام أغرب ممارسة شعرية عربية لاتزال اصداؤها ماثلة وتطل برأسها بين فترة وأخرى، وهي تجريد الشعرية من أي غرض محدد، فالشاعر لاشأن له بالسياسي ولا شأن له بالاجتماعي ولا شأن له بالفلسفي.. إلخ، أو بكلمة مختصرة لا شأن له بأي شأن يمت إليه ككائن اجتماعي بصلة.

تعليق

سيظل البحث عن كلّ عضوي ومجاني وموجز عناوين طرق متنوعة لدى عدد من الشعراء الذين استهوتهم قصيدة النثر والمرونة التي يوفرها إطراح الأوزان والقوافي، وبعد ذلك اطراح نظام قصيدة التفعيلة بما حمله من تراث عمّ لسنوات طويلة نسبيا منذ مطلع الخمسينات. ولكننا لانجد بعد كل هذه السنوات إلا قلة من شعراء قصيدة النثر استطاعت تدبر هذه المفاهيم تدبرا حكيما، والإصغاء جيدا إلى ما قالته الملهمة الأولى سوزان برنار. مثل: أن قصيدة النثر تنطوي على مبدأ فوضوي وهدام لأنها نشأت من التمرد على أعاريض الشعر، وأحيانا على قوانين اللغة المعتادة، ولكن كل تمرد على القوانين القائمة مجبر إذا أراد تقديم عمل أدبي باق، أن يحل محلها قوانين أخرى حتى لاتصل القصيدة إلى ما هو غير عضوي يفتقر إلى الشكل. وتجاهلت الأكثرية، وما زالت تتجاهل قولها: .. صحيح أن الوزن والقافية ليست كل شيء في القصيدة، إلا أن شاعر قصيدة النثر يبحث عن المتعة الشعرية أيضا في مكان غير الشعر المنظوم. أي أن غايته الشعر في كلا الحالين، في حال التمرد على البنى القائمة وفي حال بناء فن ينتظم في قصيدة على حد سواء.

إضاءة

تفسير المجانية المقتضب الذي طرحته برنار في المقدمة، ولم يذهب أصحابنا وراءه إلى أعماق كتابها، لايتجاوز القول ب اللازمنية، أو كما فُهمت منذ البداية وحتى اليوم، اللاهدفية واللاغرضية، رغم انها نصت حرفيا على أن المقصود: أن لاتتقدم القصيدة نحو هدف ما بمعنى أن لاتطرح سلسلة أفعال متتالية، أي أن تقدم نفسها إلى القارئ مثل شيء من الأشياء، مثل كتلة لازمنية. ومن الواضح أن هذا التحديد للمجانية لاتعلق له بمناخات القصيدة الشعورية بل بمسألة تقانة فنية تمنح القصيدة حضورا شبيها بحضور اللوحة أو المنحوتة، حضور يعلو على الزمان، فيكون له شمول يتخطى الحدث الآني إلى نوع من وجود أبدي لايتناهى حضوره.

من آثار هذا التفسير القاصر للمجانية كان ظهور الدعوات إلى أن يتخلى الشاعر عن كل ما يفهم منه أنه موقف فكري أو وجداني من العالم المحيط به. وأن ينخرط في تشظية التعبير، او جعله يتساقط قبل أن يصل إلى بوابة أي معنى. ولن تفوت قارئ مجموعة لن ملاحظة بصمات هذا النوع الأخير من المجانية:

جاءت الصورة؟ لماذا تتأخر! كلا لم تجئ. لم

تجئ؟ وَغْد.الشتم مقفل وعليّ اليباب. الضباب.

الذباب. العذاب! أين؟ وراء. في الوراء. في وراء

أعتقد أن سوء فهم ماتعنيه اللازمنية في القصيدة، وكتابة مثل هذه السطور في ظل هكذا إساءة فهم، منبعه أن مصدر مفهوم اللازمنية كان غائبا عن أذهان أصحابنا الشعراء المتحمسين للخروج من سجن التقاليد الخانقة. هذا المصدر كان في تبلور ما أصبح يدعى في النقد الغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين ظاهرة المنطق المكاني في الكتابة الشعرية والروائية الحديثة. وهي تقانة جمالية مصدرها حركة التصويريين التي سبقت وتلت مباشرة الحرب العالمية الأولى. ومصدرها الأصلي بالطبع كما عرف في ما بعد إكسير الشعر الياباني الذي اكتشفه شعراء الغرب فغيروا به كيمياء اللغة والتصورالموروثين من العصر الفيكتوري.

أفضل ما يشرح مفهوم المنطق المكاني، أو منطق الحيز Space - Logic فكرة أزرا باوند عن الصورة بوصفها مجمع فكر وعاطفة في لحظة زمنية فورية. ولاتعني الصورة هنا نتاجا بصريا بل تعني اتحادا بين افكار وعواطف في مجموع واحد تعرض في حيز مكاني في لحظة واحدة. أي بتواقت عناصر يغير عادات الكتابة والقراءة معا. مثل هذا المجمع لايتقدم بالتوالي، لايتحمل الاستطراد في توافق مع قوانين اللغة، بل يصدم حساسية القارئ بتأثير لحظي. ويشدد باوند على أن هذا التقديم اللحظي المكثف وحده هو ما يمنح المرء ذلك الإحساس بالتحرر المفاجئ، الاحساس بالتحرر من حدود الزمان والمكان، وهو ذاته الاحساس الذي نجربه في حضور أعظم الأعمال الفنية. وهذا هو بالضبط ما كانت تعنيه سوزان برنار حين تحدثت عن شرط أن لاتطرح القصيدة سلسلة أفعال متتالية وأن تتقدم كشيء، ككتلة لازمنية، أو بمعنى أوضح أن لاتفترض لنفسها غاية خارج نفسها، لاتسرد ولاتبرهن. أما الاستقلالية والكل العضوي والإيجاز، فهي نتاج إقامة حيز تتجاور فيه زمر الكلمات وتتبادل التوامض، أي أن تصبح مرجعيتها، كعناصر متجاورة في مكان، كامنة فيها بعدما كفت عن أن تكون عناصر متعاقبة في الزمن. ولا تخفى صلة هذا المكان بالرؤيا الصوفية إلى الوجود كوحدة تجمع الماضي والحاضر والمستقبل بلا تفاوت زمني. أي أنه الطموح الذي لايترجمه بلغة مغايرة سوى الشعر.

معلم

لم يتقدم أنسي الحاج كثيرا مع مجموعته الثانية الرأس المقطوع 1963 نحو شعرية متميزة ممتعة، إلا أن قارئ هذه المجموعة يلاحظ أنه بدأ يحكي حكايات، ولم يعد يتوقف كثيرا عند رد الفعل، مجرد رد الفعل الغاضب على الجاهز اللغوي المبثوث حوله وفي داخله. ونلمس حنينه إلى الشعر في لمحات باهرة موحية في مجموعته لن نجدها تقف حزينة إلى حد ما وسط ركام الكلام. وأقول تقف حزينة ووحيدة لأنها تنبئ بما يعتمل في داخل كل شاعر يعذبه قانون تعاقب الكلمات.

أنفعل!

أشتعل!

تعال أصيح. تعال أصيح. انني أهتف: النصر

للعلم! سوف يتكسر العقرب! وأتذكر هذا كي أنجب

بلا يأس.

تُمطر فوق البحر

وتتكرر هذه العبارة الأخيرة الشبيهة بانتباهة بعد ضجة مرتين، آتية كل مرة بعد مناجاة للذات:

يجب أن أبكي. كيف نسيتُ أن الدموع تعكّر

المرايا؟ المرآة غابة لكن الدمعة فدائيّ فلأسمع جلبتك

أيتها الرفيقة! فلأرفع لوائكِ حتى تتقطع اوتار كتفي!

تُمطر فوق البحر.

لم يعد في العالم دمعة.

على هذه التجربة أطلقتْ مجلة شعر، حاضنته الأولى، تعبير الشاعر مقنعا يغامر مع حاله، أي مع لغته التي تعلمها أو أملاها عليه التقليد المدرسي، وتاق ليس إلى تحرير الشعر وحده بل إلى تحرير نفسه. ولأنه حر، وبمقدار ما يكون حرا، تعظم حاجته، حسب تعبير الحاج نفسه، إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، ترافق جريه، تلتقط فكره الهائل التشوش والنظام معا. ليس للشعر لسان جاهز.

شرح

في الإلماحة الأخيرة إلى الفكر الهائل التشوش والنظام معا، نضع يدنا ببساطة على المفهوم المستوحى أيضا من نصائح سوزان برنار. هي لم تغادر ذهنه بعد، أو لم تغادره حكمة أن يسعى خارجا من مغامرة أولى إلى مغامرة ثانية تكون هذه المرة مع الشعر ذاته. مع بنية لابد أن تكون دالة وإلا فقدت حريته معناها. وسيكون علينا أن نتجاوز مجموعة الرأس المقطوع، بحكاياتها نصف المفهومة، ولكن المتقدمة نحو استكشاف مشاعر وأحاسيس جديدة بدأت تسمح بها لغة انفلتت من اللسان الجاهز، لنصل إلى مجموعات أكثر نضجا. ولكن قبل ذلك لابد من ملاحظة أن التركيب الذي بدأ يعمل عليه الشاعر هنا بدأ يستمد هداه من مصدر معروف تحت اسم النهج السريالي في الأدب الفرنسي بخاصة. هنا، وفق النهج السريالي، محاولة وصول إلى أحاسيس ومواقف غير عادية تعلو على حدود الزمان والمكان:

من أجل ذلك تنهض الصاعقة لاشارتي.

الموت للزهرة تلبس بابل تحتمي بمخلب الندى.

الموت للعمالقة المضمدين بالنساء يرمون أسهم

الكيمياء والنجمة المذنبة

وتعلو أيضا على طرائق التفكير الاعتيادية، طائرة إلى ما راج كثيرا على أنه الوصول إلى مافوق الواقع، أو لإضاءة واقع أعمق. ولكن السؤال هنا: أي نوع من الواقع، سواء كان الأعمق أو الأعلى، هذا الذي يثيره هذا التركيب اللازمني؟ هذا السعي إلى لحظية تتجاوز تعاقب الفكر واللغة المعتاد؟

أعتقد أن الشاعر الساعي إلى النظام، مازال هنا، مستعينا بالملهم السيريالي، غارقا في التشوش ليس في متناوله نظام من أي نوع. والمسؤول عن ذلك هي الفكرة السريالية ذاتها كما عرضها أصحابها أندريه بريتون ومن شايعه بعد أن جردوها من جدية وعمق أصولها الشرقية. لأنهم على أغلب الظن لم يستوعبوها جيدا.

تنوير

طبعة السريالية العربية، وكان قد أشار إلى ملامحها في الشعر الراحل عصام محفوظ، الشائعة لدى شعراء من أمثال أنسي الحاج وأدونيس وبعض ممن هم أقل أهمية وموهبة، هي استنساخ ثالث عن الأصل الشرقي الذي تتضمنه تعاليم فلسفة الطاو الصينية وبوذية الزن اليابانية، أي أنها تبتعد عن الأصل بثلاث درجات. فهي عربية مستمدة من غربية مستمدة من جانبها من الشرق. ولا أعتقد أن أحدا من هؤلاء اهتم بمعرفة أن مفهوم مافوق الواقع الترجمة الحرفية للفظة السريالية مصدره الوعي المتجاوز الذي يعلم فلاسفة الزن تلاميذهم طرائق الوصول اليه بإلغاء مناهج الفكر المنطقي المعتاد، أو ما يسمى الفكر المتوسط، سعيا إلى حالة فكرية عليا، سماتها، بدلا من التفكير المنطقي، الحدس والرؤيا والكشف. وهذه مفاهيم تكثر في كتابات السرياليين الغربيين، إلا أنهم يخفون أصولها كنهج معروف في أقصى الشرق منذ سنين طويلة. وحين يقول هؤلاء ان الطريقة تحتاج إلى تدريب إنما يرددون حرفيا ما يعرفه أصغر طالب من طلاب الزن. وحين يتحدثون عن مصطلح ماسمي بالكتابة الآلية كطريقة للوصول إلى مرتبة الفكر الأعلى، الحدسي، المباشر، الرؤيوي، إنما يكررون في الحقيقة المفهوم الطاوي الشهير: إفعل بلا فعل وستنجز كل شيء. تلقائية وعفوية الفعل التي يصل إليها فيلسوف الطاو بعد تنسك شاق، ويصل إليها معلم الزن بعد تدريب متواصل يمتد سنوات وسنوات، هي ما ترجمت خطأ بتعبير الكتابة الآلية أو اطلاق كوامن اللاوعي وما إلى ذلك. ولكن ما تكشف عنه سريالية الشرق ليس شيئا فوق الواقع يفارقه، بل هو الواقع ذاته منظورا إليه في أعماقه، في المهاد المحيط بكل شيء، أو هو واقع الواقع، ذلك الذي لايُمسك به إلا أنه يقوم في أساس كل شيء. لهذا السبب، سوء الترجمة، ولسبب آخر يتعلق بنزعة الغربي في التنكر لكل نبع ورده، قدمت السريالية الغربية نفسها ككشف أصيل للأذهان العربية، وقدمت مع كل هذا إساءة التأويل لأكثر فعاليات الفكر الإنساني تأثيرا ومعنى في الشرق البعيد. ومن هذه الوجهة جاءت السريالية العربية بأطروحاتها العجيبة عن رفض الواقع، ورفض ماهو تاريخي وتمجيد كل ماهو غير عقلاني، وزج اللغة العربية في لعبة المصادفة الطريفة التي مارستها الدادائية في مقاهي زيورخ خلال الحرب العالمية الأولى. وكل هذا بالطبع لاعلاقة له بالنزعة الخلاقة التي يستحثها الفكر الطاوي وبوذية الزن في سعيهما إلى تطوير رؤية شاملة إلى الوجود الإنساني والطبيعي عمادها وحدة الوجود.

معلم

مع مجموعة ماضي الأيام الآتية ،1965 وبعد ذلك مع مجموعة ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة ،1970 يقترب الشاعر من قول أحاسيس ناصعة بالغة الجدة، وصياغة بنية لغوية وجسد للقصيدة شبيه بالإنشاد بعناصر أشد تأثيرا. الإيقاع هنا أكثر وضوحا، ينساب بسلاسة ويتسرب إلى القلب من دون تقاطعات مفتعلة أو تشويهات سريالية. هنا تتواصل الأشياء وتتصل مثل تموجات، ولا تتنافر كما يتنافر حطام في زحام من الصور وشظايا الصور:

لو عاد زماننا أيتها الطالعة من الروايات لجعلتها أثمن في الموت.

هنا حزن شفيف من نوع ما، تقل معه المجانية بمفهومها المشوه، وكأن الشاعر ضجر من تلك الرغبات السريعة الانطفاء، وتحول إلى مراقبة وتأجيج مجمرة تشتعل بهدوء ويسري وهجها رويدا رويدا:

أحب ذكرى الأيام التي كانت تمشي تمشي ولا تعرف

أنها ستنتهي في كتاب. أحب ذكرى الأزمنة العاملة،

المغموسة، الضبابية، ذات العمالقة الذين مشوا مشوا وهم لا

يعرفون أنهم سينتهون في كتاب.

ربما جاء هذا الاستكشاف ليمثل بتلقائيته الشاعرية نية وإرادة صياغة قوانين القصيدة الجديدة، ليمنحها قواما بعدما اهتدى الشاعر إلى لغته. وهل كانت المغامرة الأولى إلا بحثا عن لغة؟ البحث في نصوص منسية خارج المجال الضيق الموروث، وتأمل طبقات مهملة في تضاريس ثقافة الأرض العربية، وميل واضح إلى تركيب للجملة مستمد من تراكيب ترجمات سفر مثل نشيد الإنشاد كان لتركيب الجملة اليونانية فيها سيطرة، وتعقب نصوص الألواح الكنعانية والبابلية والآشورية التي كشف عنها المنقبون. صحيح أن هذه مغامرة سافرة مع الشعر، ولكنها مغامرة للوصول إلى البسيط بساطة جذع لم يلمسه فأس، أو حجر لم يصل اليه إزميل النحات بعد. كأن الكلام هنا يغتسل ويغتسل إلى أن يعود كلاما أوليا لاشيء قبله ولا شيء بعده إلا ما يكتب الشاعر:

أنا الموقع اسميَ ادناه

أسمعُ المطرَ ينزل

جافا على الاسفلت

ومما قلتُ الآن وقبل الآن

لن تذكروا كلمة

لكنَّ فمي ارتوى قليلا

وهو يروي لمن يريد

ماضي الأيام الآتية

حتى الينابيع

صورة الظل الذي لايقدر أن يصير أكثر ظلا هي صورة الحسرة الصوفية التي ستنتظم مجموعة الشاعر الأخيرة التي بين أيدينا: الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع 1975. هي قصيدة واحدة أو نشيد يتواصل فيه ما بدأ في ماضي الأيام الآتية، يتألق فيه فرح محزون ملتذ بالحبيبة التي جاءت أخيرا. لاأميل هنا إلى البحث عما يسمى الترميز، ذلك الفعل العقلاني البعيد عن حساسية الشعراء، فالحكاية واضحة مكتوبة بتواز شفاف مع حكاية التكوين المعروفة، إلا أنها هنا حكاية لما سماه الشاعر الوجه الآخر من التكوين، ليهدأ في ظلاله باحثا عن خلوده في الحكي، في السرد الروائي. الكلمات لاتتقاطع، بل تتصل كما تتصل تموجات الأمواج، عاكسة بذلك، وهذا مجرد تفسير من عندي، تواصل وجود العاشق بغيره، بنفسه، بالطبيعة، بالمرأة، بالسماء والأرض، أي بكل كبير يحلم به كل متصوف أو ساع إلى التصوف، أي إلى الامتزاج بالكلي الشامل بلا تجزئة ولا انقسام بين أنا وآخر، بين نحن وأنتم:

اسمعوا

لاتغلقوا الأبواب

الموج يحمل الرسالة إلى الريح

والريح إلى الشجر

والشجر إلى الدفاتر!

في هذه الكلية المائلة بلا زوايا، والمنطوية بلا داخل ولا خارج، تدهشني هذه الصورة التي هي ليست بصرية وليست لابصرية، بل هي صورة الحالتين معا، أي مما يتركب من فكرة وشعور وامض بلا تعاقب، كتلة لازمنية بالفعل، يقين ولا يقين، سيفقد الكثير لو حذف الشاعر كاف التشبيه. أنا لاأحب كثيرا كافات التشبيه، ولكنها هنا نابعة من ضرورة باطنة تعبيرا عن اكتمال اللغة والشعور والموقف بتلقائية ناسك بين الوديان:

وجهها ينتظر كالبحيرة المسحورة

مصدر الدهشة أنني اعرف مايعنيه وجهها، ولكنني لاأستطيع لمس ما تعنيه البحيرة المسحورة. فأظل معلقا بين ما أعرف وما لاأعرف. موقف يلخص ربما اللحظة الشعرية التي ضاع الكثيرون في طريقهم إليها، بين راغب بالمألوف وبين راغب عنه، وبين هذا وذاك تتلامح مياه بحيرة خفية، سحرها أن تظل كذلك حتى لو كتبت على الورق.