أصيب بطلق ناري مجهول المصدر أدى الى اصابته بشلل رباعي قبل ثلاثين عاماً لكنه لم يستكن لواقعه الأليم على كرسيه المتحرك خلال هذه السنوات الطويلة ولم يقبع في زوايا اليأس والقنوط والانكفاء على الذات وامتلك ارادة تغلّب بها على العاهة الجسدية مصمماً بتفاؤله على أن يكون ما هو عليه اليوم، يعيش حياته بلذة المعرفة والعطاء الانساني بأسمى معانيه، ولأنه بدوي الأصل عاش
شطراً من حياته بين البدو وعشق البادية بحياتها الفطرية الأصيلة.
أصدر حسن الخضير المقبل موسوعة بعنوان (البدو بين واقع حالهم وما كُتب عنهم) تُعد أفضل ما كُتب عن البدو خلال العقود الأخيرة بشهادة الكثيرمن الباحثين والنقاد وفي جعبته الكثير من المؤلفات التي يتمم انجازها الآن وهي ذات صلة بموضوع البدو والبادية، ومعه كان الحوار التالي:
كيف كانت نشأتك وما الظروف الاجتماعية التي رافقت هذه النشأة؟
ولدت في البادية السورية لأسرة متوسطة متنقلاً من الطفولة الأولى الى الصبا وحتى الكهولة وفي عشية ذلك اليوم الذي ولدت فيه وضعت جدتي حبلي السري بين حجرين لتقطعه ولا أدري أَهَوَتْ عليه بضربة واحدة أم أنها كانت في سبيلها الى فعل ذلك عندما أضاءت الشيحة (شجرة الشيح) التي وضعوها على النار وصاحت بعدها جدتي بفرح: انه ولد ورفعت الحجرين وقالت أعطوني سكين.
كانت جدتي تحسبني أنثى لأنني جئت بعد خمس بنات لأمي على أثر بعضهن حتى أشيع أنها لا تنجب الا البنات. وكل الناس يفرحون بالولد الذكر بدوهم وحضرهم لأنه سيصبح رجلاً فيما بعد، بيد أن حاجة البدوي لولده أمر تفرضه ضرورة الحياة في البادية لأن مبدأ (عد رجالك ورد الماء) هو المبدأ السائد في أكثر الأحيان.وبعد أن قطعت جدتي حبل السرة وربطته لفتني بقطع من الثياب العتيقة لأنّ البدويات لا يهيئن للمولود الجديد شيئاً يلف به كما يفعل أقرانهن من أهل الحضر. وكانت أمي محظوظة بوجود جدتي الى جانبها في هذه الساعة فكثيراً ما تلد نساء البدو ولا يجدن من يخفف عنهن آلام الوضع أو يساعدهن.
من حياة البداوة بفطريتها وعفويتها الى الحياة العسكرية بتعقيداتها وأجوائها الصارمة كيف كانت هذه النقلة وما هي ذكرياتك عن تلك المرحلة من حياتك؟
بعد حصولي على الثانوية العامة التحقت بكلية الضباط الاحتياط في حلب وبقيت فيها أربعة شهور ثم اُفرزت الى مدرسة المدفعية وتخرجت فيها برتبة ضابط مرشح ثم أفدت الى الكلية الحربية في مصر عام ،1961 حيث تخرجت فيها برتبة ملازم ثم عدت بعدها الى الجيش الأول في سوريا وأمضيت سنوات عدة في جبهة الجولان باختصاص مدفعية ميدان ثم انتهى بي المطاف الى التدريب الجامعي بجامعة دمشق التي بقيت فيها سنوات خمس قبل أن أُحال على المعاش بناءً على طلبي.
حدثنا عن ذكرياتك في الكلية الحربية بمصر؟
كانت الكلية الحربية في مصرآنذاك عبارة عن مدينة صغيرة يرأسها المخطط الاستراتيجي الخبير اللواء محمد فوزي صاحب الشخصية القوية والعبقرية الفذة، وكان رحمه الله مولعاً بدراسات علم النفس ويطبقها على طلاب الكلية واذكر أنه كتب سؤالاً صغيراً يقول (ما السبب الوحيد الذي دعاك الى الانتساب الى الكلية الحربية ووزعه على الطلاب ليجيبوا عليه وأذكر أن طالباً شامياً اسمه نعيم الغزي كان رساماً كاريكاتيرياً وصاحب نكتة حاضرة كتب في اجابته السبب الوحيد لاختياري الكلية الحربية أنها أقرب طريق للراتب وعندما قرأ اللواء محمد فوزي اجابته استدعاه واستفسر منه عن جدية اجابته وقال له اذا أعدت اليك السؤال فهل ستجيب بنفس الجواب قال نعم فقال له اللواء فوزي: ولماذا أجاب زملاؤك باجابات مثالية قال الغزي لأنك تعرف أنهم غير صادقين مع أنفسهم وعندها قال له اللواء أهنيك وأبارك فيك. وكانت مرحلة مصرمن أجمل مراحل عمري حيث قمت مع زملائي بالتجول في أحيائها وأسواقها واهراماتها التي كانت تبدو لنا كتاريخ مفتوح يحكي عظمة هذا الشعب منذ آلاف السنين وكنا كسوريين نُعامل معاملة مليئة بالاحترام والتقدير.
متى وكيف كانت اصابتك؟
أصبت بطلق ناري طائش ليلاً عام 1979 ولم يُعرف مصدر هذا الطلق وجاء في الفقرة الرقبية الرابعة ونتج عنها شلل رباعي وقد عولجت أولاً في المشفى العسكري لمدة شهر باعتباري ضابطاً برتبة عقيد قبل الاصابة ثم ذهبت على نفقتي الخاصة الى لندن لتلقي العلاج وأدخلت مستشفى (ميسزز هوم) وذكر الأطباء الذين أشرفوا على علاجي أنني بحاجة الى علاج من 6 أشهر الى سنة فعدت الى سوريا ثم سافرت ثانية الى لندن وأمضيت هناك 6 أشهر على حساب المملكة العربية السعودية بواسطة أقرباء لي هناك وكان وضعي النفسي سيئاً للغاية هناك لأن حالتي الصحية لم تتحسن. ولكنني تعلمت الصبر والتغلب على المصاعب وأبلغني الطبيب المشرف على علاجي أنني لن أتحسن أكثر مما وصلت اليه ولكن لأنني انسان مؤمن تأكدت أن ما أصابني امتحان رباني وقد تستغرب اذا قلت لك انني أحس بلحظات من السعادة حين أعلم أن الله سبحانه وتعالى سسيجازيني خير الجزاء لأنني من الصابرين باذن الله.
كيف تقضي أوقات فراغك وكيف تمضي حياتك اليومية؟
أقرأ القرآن الكريم والكتب الدينية والتاريخية وكتب السيرة فأنا أمتلك مكتبة عامرة بالكتب القيمة والحمد لله وباقي وقتي أقضيه في مشاهدة الفضائيات الدينية.
لك تجربة في الكتابة والتأليف أثمرت كتاباً بعنوان (البدو بين واقع حالهم وما كُتب عنهم) حدثنا عن الفكرة كيف بدأت؟
استهوتني أحاديث البدو في مجالسهم، لما احتوته من شجاعة وكرم، وشغفتني أخبار غزواتهم وسير فرسانهم، وأشعارهم في حلهم وترحالهم، ومجالس القضاء عندهم، وتعدد اختصاصاتها. وكنت أرى في هذه المواضيع مادة غنية بأحداثها، وممتعة بالاستماع اليها.
وكنت أقول في نفسي: حبذا لو دون هذا كله في كتاب، ورأيت في قبيلة عنِزة في بادية الشام نموذجاً مثالياً للبداوة الحق، وكان بودي أن يشمل البحث عشائر عنِزة في بلاد الشام جميعاً، وهممت غير مرة أن أخوض تجربة الولوج في هذا البحث، بيد أن واجبي تجاه عملي الوظيفي، كان يحول بيني وبين القيام بمثل هذا العمل لأن ذلك يتطلب جهداً كبيراً في التقصي، والتنقيب ووقتاً طويلاً في الانتقال من عشيرة الى أخرى لمقابلة الرواة.
وكان هاجس كتابة هذا البحث يراودني على الدوام، ولذلك، ما ان أحلت الى المعاش، حتى بدأت من فوري بالتحضير له، والاعداد للشروع فيه.
ما مضمون الكتاب ومحاوره الأساسية؟
تحدثت في كتابي هذا عن البدو عامة، وكيفية غزوهم وأسبابه وطرق معاشهم، والقضاء عندهم وحلّهم وترحالهم، وعاداتهم وتقاليدهم.
وذلك في الفترة التي سبقت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي، وما بعدها حتى الأربعينات من القرن العشرين الميلادي.
هل اعتمدت على الرواية الشفهية في ذكر الأحداث والوقائع التي تضمنها الكتاب ومن أفادك في هذا المجال؟
اعتمدت اضافة الى الوثائق المكتوبة والمخطوطات والمؤلفات التي تناولت البدو والبادية على الرواية الشفهية، وكلفني ذلك الكثير من الوقت والجهد والمتابعة الحثيثة مع صعوبة ماأعانيه في الحركة والتنقل.
لا تزال الصورة الشائعة عن البدو مشوشة ويشوبها الكثير من الغموض والاساءة في بعض الأحيان ما مبعث هذه الصورة برأيك؟ وكيف يمكن تصحيح الصورة النمطية عنهم برأيك؟
لا يمكن القول ان المجتمع البدوي هو مجتمع مثالي أو طوباوي فهو كغيره من المجتمعات يحتوي الغث والسمين.