ولد حسين محمود شفيق الشهير باسم حسين رياض، في الرابع من أغسطس/آب عام 1897 بحي السيدة زينب، لأب ميسور الحال، حيث كان والده يملك مدبغة بمنطقة المدابغ القريبة من منزله، ونشأ وشقيقه الأكبر فؤاد محمود شفيق، نشأة سعيدة وعاشا طفولة رغدة حيث كان الأب دائم التردد على مسرح الشيخ سلامة حجازي، ويصحب معه أبناءه الثلاثة فؤاد وحسين ومصطفى .
وإذا كان فن سلامة حجازي قد لمس شغاف قلب فؤاد رياض محمود شفيق، الفنان المعروف باسم فؤاد شفيق في ما بعد، فإنه استولى تماماً على وجدان حسين رياض الذي ظل طوال حياته يتذكر كيف كانت الدموع تنساب من عينيه وهو يستمع لصوت سلامة حجازي الشجي عندما يتغنى في تليماك وروميو وجولييت بتلك القصائد التي ترثي رحيل الأحباب .
حاول حسين رياض، صبياً، أن يصبح مغنياً، لكن صوته لم يسعفه، بسبب إصابته بمرض في أحباله الصوتية، لكنه اكتشف في ما بعد، أن التمثيل على خشبة المسرح لا يتطلب غناء .
كان الأب يرغب في أن يكون ابنه الأكبر فؤاد مهندساً وابنه الثاني حسين، ضابطاً بالجيش المصري، كحال أبناء الطبقة الأرستقراطية، غير أن حسين لم يكن يحب أن يكون ضابطاً لكنه لم يستطع أن يرد رغبة أبيه وكان يعشق الفن منذ صباه وحاول أن يوصل وجهة نظره لأبيه أكثر من مرة لكنه لم يفلح فقد كان الأب يغضب ويثور ويزداد إصراراً على أن يصبح ابنه ضابطاً .
مرت السنوات وحصل حسين رياض على شهادة البكالوريا، وللمرة الأولى تمنى الفشل عندما ظهرت نتيجة البكالوريا لكنه وجد اسمه في كشوف الناجحين، وتنفيذا لرغبة أبيه التحق بالفعل بالكلية الحربية، غير أنه في أول إجازة خرج من باب الكلية الحربية وفي عقله وقلبه تصميم على ألا يعود إليها أبدا، وذهب إلى أسرته وكانت فرحتهم شديدة عندما رأوه بزيه العسكري الأنيق وظنوا أنه طرد شيطان الفن من رأسه نهائياً ورضخ لرغبة والده واختار المستقبل الزاهر الذي ينتظره، لكن في اليوم التالي مباشرة خرج حسين رياض من منزل العائلة إلى معهد التمثيل الأهلي الذي كان يديره الفنان عبد العزيز أحمد ليدرس فيه فن التمثيل، ثم قصد صديقه حسن فايق وروى له تفاصيل ما حدث، فأبدى له استعداده لأن يستضيفه للإقامة معه في الحجرة التي استأجرها في إحدى حارات السيدة زينب بعد أن ترك أسرته من أجل الفن أيضاً، واجتمع المفلسان في حجرة واحدة ولم يكن بحوزة كل منهما سوى بضعة قروش فبدآ معا رحلة المتاعب مع أهل الفن .
لم يكن المسرح في ذلك الوقت مطلع عام 1918 مزدهراً وكان كل من يعمل فيه يعاني سوء الحال وقلة الدخل، وعانى الصديقان بعد أن نفدت نقودهما وجمعهما الألم والجوع والتصميم على الكفاح، رغم أن كلا منهما كان باستطاعته أن يعود إلى أسرته وينال صفحها عنه شرط عدم الرجوع إلى الفن، لكنهما آثرا الاستمرار في مشوار الفن الطويل .
مضت بهما أيام طويلة وشهور بلا عمل واقترضا من كل من يعرفانه من الأصدقاء لدرجة أنه لم يعد لهما أصدقاء يقترضان منهما، وفجأة ابتسم لهما القدر فذات يوم ذهب حسين رياض للفنان الكبير نجيب الريحاني وكانت له فرقة لامعة وطلب مقابلته ولم يكن نجيب الريحاني يبخل بدقائق من وقته يوميا ليقابل خلالها هواة التمثيل ويستمع إليهم ثم يداعبهم بفكاهاته ويضمهم لفرقته المسرحية، وكان حسين رياض قد جهز تماماً نفسه لهذا اللقاء وأعد إجابات لكل الأسئلة التي يحتمل أن يوجهها إليه نجيب الريحاني، ونجح في اللقاء وقابله الريحاني بترحاب وسعة صدر وضمه إلى فرقته من أول لقاء جمعهما .
على الرغم من أن حسين رياض بدأ العمل مع فرقة الريحاني بأجر قدره سبعة قروش ونصف القرش في الليلة فإن تلك القروش القليلة أعادت إليه الأمل والحياة من جديد ولصديقه الأوفى حسن فايق، وكانا في ذلك الوقت يطهوان طعامهما وينظفان حجرتهما بنفسيهما، وكان حسين رياض يعود من المسرح في شارع عماد الدين إلى الحجرة في السيدة زينب سيراً على الأقدام، فإذا وجد حسن فايق أعد عشاء تناولاه وإلا ناما دون طعام .
فجأة طرق الحظ باب حسن فايق والتحق بالعمل في فرقة مسرحية جديدة، وازداد دخله، فقاما بإدخال بعض التحسينات على غرفتهما كما سددا ديون البقال والجزار وأخذا يسيران في الحارة مرفوعي الرأس، وفي الوقت نفسه بدأ نجم حسين رياض يلمع ويزداد بريقاً وزاد أجره من سبعة قروش ونصف القرش إلى عشرة فعشرين فثلاثين جنيهاً .
بعد فترة من العمل والنجاح أقدم حسين رياض على تكوين فرقة مسرحية باسم جمعية أحباء التمثيل ضم إليها عباس فارس وصديقه حسن فايق وروز اليوسف التي كانت ممثلة مشهورة قبل أن تتحول إلى العمل بالصحافة وتؤسس مجلة روز اليوسف، ولم تكن هذه الفرقة تعمل بصفة منتظمة بل تعمل يوماً في الأسبوع على أحد مسارح القاهرة وصادفت مسرحياتها نجاحاً لا بأس به رغم مصروفاتها الكثيرة .
وذات ليلة دق الحظ باب حسين رياض إذ زاره عزيز عيد الذي كان يعتبر في ذلك الوقت البعبع الذي يهابه كل عمالقة الفن والمسرح بالذات، ولم يصدق نفسه عندما أبلغه أحد الموظفين بفرقته أن عزيز عيد يريد مقابلته، وكاد يغشى عليه من هول المفاجأة، وأبلغه بأنه سيقابله بعد دقائق قليلة، وما إن التقيا حتى عانقه عزيز عيد بكل حرارة وهنأه على النجاح، وقال حسين رياض له: هذه شهادة عظيمة من فنان عظيم له ماض حافل .
كانت فرقة عزيز عيد تعمل في هذا الوقت على مسرح برنتانيا المشهور، وتستعد لتقديم مسرحية جديدة بعنوان خلي بالك من إميل، وأدى فيها حسين رياض دور ضابط الشرطة كما ينبغي أن يكون الأداء، وفي نفس الوقت عرض عليه نجيب الريحاني العمل معه مقابل 40 جنيهاً في الشهر، وكان هذا المبلغ كبيراً جداً في بورصة الفن في ذلك الوقت .
ترك حسين رياض فرقة عزيز عيد وانضم لمسرح الريحاني الذي كان قد بدأ منه مشواره الفني بسبعة قروش ونصف القرش، وفي هذه المرة أصبح اسمه يكتب تاليا ومباشرة لاسم نجيب الريحاني وقبل أي اسم آخر في الفرقة، وهي مكانة كبرى أحرزها بفضل موهبته الصادقة .
كانت فرقة الريحاني تستأجر في ذلك الوقت مسرح الإجبسيانا قبل أن يصبح لها مسرحها الخاص، وحدث ذات مرة أن اختلف صاحب المسرح فانسحب الريحاني وأراد صاحب المسرح إنقاذ الموقف فأسند دور كشكش بيه، الذي اشتهر به نجيب الريحاني وقتها، إلى حسين رياض، غير أنه لم يستطع الاستمرار في تقديم الشخصية أكثر من ليلتين، فقد سقطت الرواية وسقط معها حسين رياض، إذ ارتبطت الشخصية في أذهان الناس باسم نجيب الريحاني وحده، وكان مصير كل من يحاول تقليده هو الفشل، حتى لو كان حسين رياض بكل موهبته .
تنقل حسين رياض بعد ذلك بين الكثير من الفرق المسرحية، فعمل في فرقة أولاد عكاشة ثم عاد لفرقة عبد الرحمن رشدي المحامي الذي ترك مهنة المحاماة من أجل حبه للمسرح، ووقف أمام منيرة المهدية، ثم انضم لفرقة جورج أبيض، ثم فاطمة رشدي، ثم علي الكسار .
وأخيراً عرف حسين رياض الاستقرار في فرقة رمسيس عندما ضمه عميد المسرح العربي يوسف وهبي إليها في العام ،1923 فظل يعمل فيها قرابة العشرين عاما، قدم خلالها أدوارا في 24 مسرحية ولم يتركها إلا بعد أن أنشأت الدولة الفرقة القومية عام 1936 فانضم إليها منذ بداية تكوينها .
وكما برع حسين رياض في المسرح برع أيضًا في السينما، ففي عام 1937 عندما شرعت بهيجة حافظ وكانت ممثلة وموسيقية ومطربة ومنتجة ومخرجة سينمائية أيضاً في تقديم فيلم ليلى بنت الصحراء الذي كانت ستقوم ببطولته واختارته لتمثيل دور كسرى أنو شروان ملك الفرس فأجاده، وعرض الفيلم ونجح لكن بهيجة حافظ تعرضت بسببه لنكبة مادية، ففي هذه الأثناء تزوجت الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق من شاه إيران وفوجئت بهيجة حافظ ذات يوم باستدعائها لنظارة الداخلية للتحقيق معها وطلب منها حذف الكثير من المشاهد لأنها تتضمن إساءة للفرس وإيران، وفعلاً استجابت بهيجة لكن الفيلم منع عرضه رغم ذلك واضطرت هي لبيع كل ما تملك لتسديد ديونها عن الفيلم، الذي أعادت عرضه مرة أخرى في عام 1944 باسم ليلى البدوية غير أنه لم يحقق النجاح المرجو منه .
بقدر ما كان حسين رياض أباً حانياً في السينما كان عطوفاً ودوداً مع أسرته في الحياة، فقد تزوج مرة واحدة من شريكة عمره التي أحبته وأخلص لها واكتملت سعادتهما بولد اسمه رجائي، وهو مهندس وابنتين هما فاطمة وهدى ولم يعمل أي من أبنائه بالفن .
اشتهر عن حسين رياض صراحته الشديدة التي كانت تتسبب له في الكثير من المتاعب، كما كان معتزاً جداً بنفسه لأقصى درجة، ولهذا السبب قاطع المخرج نيازي مصطفى أكثر من 25 عاماً لأنه كان يشترط أثناء التصوير لفيلم سلامة في خير أنواعاً معينة من الطعام في الغداء يجهزها له العاملون في استوديو مصر، وتدخل نيازي مصطفى لدى المسؤولين بالاستوديو لإهمال هذا الشرط حتى لا يتم تمييز حسين رياض عن بقية الممثلين، فغضب وقرر ألا يعمل معه، حتى تم الصلح بينهما وتعاونا معاً في فيلم رابعة العدوية عام 1963 .
كما كان حسين رياض أباً حقيقياً وعوناً وسنداً للوجوه الجديدة، فقد ساند عبد الحليم حافظ كثيراً في فيلم لحن الوفاء عام 1955 وزبيدة ثروت في أول أفلامها الملاك الصغير عام 1958 وهند رستم في أول تجاربها في فيلم بنات الليل عام 1955 .
ولشدة عشقه للفن ظل العملاق حسين يعمل حتى وهن العظم منه فقد أصيب في أواخر أيامه بمرض الشلل الرعاش ما سبب له رعشة شديدة في أطرافه وكان يمثل دور عم نجيب في فيلم أغلى من حياتي مع شادية وصلاح ذو الفقار وهو مصاب بهذا المرض، وفي السابع عشر من يوليو/تموز عام 1965 ودع حسين محمود شفيق الحياة، وكان يتمنى أن يرى آخر أفلامه أغلى من حياتي . رحل حسين رياض عن عمر ناهز 68 عاماً، بعد أن قدم للفن المصري أكثر من 320 فيلماً، وما يزيد على 240 مسرحية، و150 عملاً للإذاعة .