إذا أصبح ابن آدم فإن أعضاءه كلها تنادي اللسان أن يتقي الله فيها، فبه صلاحها وبه اعوجاجها.
وأبواب الخير ورأس الأمر وعموده وأساسه في حفظ اللسان والبعد عن إساءاته إلى الناس بالوقوع في أعراضهم والمشي بالنميمة، والقول بالكذب والبهتان والسخرية، وكل هذا يؤدي إلى خسران مبين. ومن كثر كلامه كثر خطأه ومن كثر خطأه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه.
والألفاظ التي يقع فيها المرء وتجلب عليه المصائب والزلات يستطيع أن يسيطر عليها بفضيلة الصمت، والإنسان لا يندم على سكوت، وإنما يندم على الكلام مراراً.
ولكن لا يخلو اللسان من حسنات عظيمة أخرى فهناك اللسان الذاكر، اللسان الشاكر، اللسان المستغفر، اللسان الحامد، اللسان المسبح، اللسان المحوقل، وكان الصحابة رضي الله عنهم يلحظون أن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذكراً، وأن صمته كان فكراً.
يقول عبد المنعم خفاجي في كتابه (الإيضاح في علوم البلاغة):
«عن أسود بن أصرم المحاربي، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: تملك يدك؟ قلت: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: تملك لسانك؟ قال: فماذا أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: لا تبسط يدك إلاّ إلى خير، ولا تقل بلسانك إلاّ معروفًا».
حوار جميل
يعتمد الحديث الشريف على الجانب الإنشائي الطلبي وبدأ ب «تملك يدك؟» كناية عن عدم بسط اليد لأحد بسوء، وهو خبر بمعنى الأمر الطلبي وملك اليد يكون كناية عن حفظها عن إيذاء الآخرين.
ويدور حوار جميل بين الصحابي المستفهم وبين الحبيب صلى الله عليه وسلم فيقول الصحابي: (فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟) وهو سؤال استفهامي غرضه الفهم والاستيضاح فقال الحبيب عليه الصلاة والسلام «تملك لسانك؟» وهي جملة إنشائية توحي بالحث على الإمساك باللسان والسيطرة عليه، فقد جعل الله اللسان داخل قفصين قفص داخلي وهو الأسنان وخارجي وهو الشفتان حتى يكون اللسان مملوكاً لصاحبه فلا ينطق به إلا بعد أن يفكر كثيراً فيما سيقول، وجاء رد النبي صلى الله عليه وسلم جامعاً يؤسس على النهي مرتين (لا تبسط يدك إلاّ إلى خير) وهو أسلوب فيه قصر لعدم استخدام اليدين إلاّ في طاعة. والنهي الثاني (ولا تقل بلسانك إلا معروفاً) وفيه قصر للكلام إلا ما كان في معروف وطاعة.
والبناء التركيبي هنا فيه بلاغة الربط، وحسن التقسيم، فجملتا (تملك يدك) و(تملك لسانك) بنيت عليهما جملتا النهى، واحدة على اليد، والأخرى على اللسان.
الجنة أو النار
قد يكون اللسان من أعظم أسباب دخول الجنة إذا حفظه صاحبه من السوء، وجعله رطبًا بذكر الله تعالى، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة».
وكذلك هو من أعظم أسباب دخول النار إذا لم يقيده صاحبه بأحكام الشرع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال «تقوى الله وحسن الخلق».
وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: «الفم والفرج».
وقد يكون اللسان سبب دخول النار كلمة يقولها الإنسان ولا يهتم لها، بل ربما ينساها بعد دقائق، وقد جلبت له شقاء الأبد، وما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، وهذا يبين لنا أهمية الكلمة، ومدى خطر اللسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب»
لذلك كان أخوف ما يخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المسلم اللسان، ولم لا وهو الذي يكب الناس في النار على وجوههم. (وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصاد ألسنتهم ؟)
وعلى العاقل أن يربأ بنفسه عن مواقف الاعتذار فلا يطلق العنان للسانه حتى لا يجرّ على نفسه الوبال ويضع نفسه في مواقف حرجة.
أخطر أمراض اللسان
ومن آفات اللسان (الغيبة)، لذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته منها، فقال صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الغيبة ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذكرك أخاك بما يكره» فقال أحد الصحابة: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».
فالغيبة هي أخطر أمراض اللسان، وقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن الغيبة وشبّه من يغتاب أخاه ويذكره بما يكره ويتحدث عن عيوبه في غيابه، كمن يأكل لحم أخيه الميت فقال سبحانه تعالى: «ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم». (الحجرات: 12)
والغيبة تفسد على المسلم سائر عباداته، فمن صام واغتاب الناس، ضاع ثواب صومه وكذلك بقية العبادات، ويروى أن امرأتين صامتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكانتا تغتابان الناس فعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال عنهما: «صامتا عما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله».