صان الإسلام المرأة وجعلها حصنا منيعا وقرر عقوبة مغلظة لمن يرمي المحصنات وجعلها أحد حدود الله المقدرة، وهو حد القذف الذي أوضحه قول الحق سبحانه: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون. وجاء الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث المرأة على اجتناب مواضع الشبهات بل جعلت أحد الحقوق الأكيدة للزوج على زوجته ألا يدخل احد بيته دون إذنه، خاصة في حالة غيابه أو سفره.
قد يرى الكثير من الزوجات أن هذا الحق ينتقص من حريتهن ويمنح الرجل الحق في أن يحدد وحده من يدخلون بيته، لكن في الحقيقة هذا الحق تكريم للمرأة وصيانة لها من الوقوع في الحرمات أو حتى مواطن الشبهات.
في البداية يوضح الدكتور أحمد طه ريان- أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر- أن الشريعة الإسلامية أعطت الرجل الحق على زوجته في ألا يدخل أحد بيته دون إذنه، بهدف المحافظة على شرف الزوج والزوجة، حتى إذا لم يكن هناك ارتكاب للفاحشة، فإن الظنون والتهم لها وقع كبير في النفوس وأثر قوي على الحياة الزوجية قد تصل إلى حد التدمير. ويقول: لذلك قال النبي- صلى الله عليه وسلم: فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون.
وقال أيضا: لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه.
بل وصل الأمر إلى حد تحذير النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً شديداً من الأقارب قال: إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو قال: الحمو الموت وقال أيضا: لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم.
ويضيف الدكتور ريان أن هذه النصوص وأمثالها كثيرة تحرم على الزوجة أن تسمح لأي إنسان أجنبي أن يدخل غرفة نومها، وهي الفرش، بل يحرم عليها أيضا أن تسمح له بمجرد الدخول إلى البيت، فهو وسيلة إلى الشر، ويؤكد أن هذا الحق لا جدال فيه، خاصة إذا كان الزوج غائبا عن مسكن الزوجية، حتى لمن لهم قرابة بالزوج والزوجة من غير المحارم كأخيه وعمه وابن عمه وزوج أختها.
المرأة الصالحة
الدكتورة فايزة خاطر أستاذة العقيدة الإسلامية في جامعة الأزهر تؤكد أن من أهم صفات المرأة الصالحة أن تحفظ نفسها في غياب الزوج، تحفظ نفسها في نفسها وماله، في نفسها أي لا تسمح لأحد بأن ينظر إليها ولا أن يكلمها كلمة، وتقول: قال الحق سبحانه وتعالى: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، وقال أيضا في سورة الأحزاب: فلا تخضعن بالقول.
وقد تضطر ظروف حياة الزوج إلى التغيب عن منزل الزوجية سعيا لطلب الرزق داخل البلاد أو خارجها، فإذا غاب زمنا معينا طال أو قصر وترك زوجته فإنها تسمى مغيبة، وقد توصف بذلك كل امرأة غاب عنها من يكفلها كالبنت إذا غاب عنها والدها والأخت إذا غاب عنها أخوها وغير ذلك، بحيث تصبح المرأة عرضة للفتنة بعيدا عمن يصونها من حبائل الشيطان، إذا ما دخل عليها غير محارمها، والأصل في المرأة أن صلاحها هو الذي يحفظها من الوقوع في الزلات، وهو ما طلب الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- توافره في الزوجة فقال: ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وان غاب عنها حفظته في ماله وعرضه.
وتضيف: وإذا لم تكن المرأة على هذه الدرجة من الصلاح ولم تراع حق زوجها عليها كانت من الهالكين في الدنيا والآخرة، فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاث لا تسأل عنهم أي لهلاكهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق من سيده فمات، وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم.
وتحذر د.فايزة خاطر الرجال والنساء معا من الوقوع في الإثم الكبير، وهو الزنى، وتقول: المرأة التي يغيب عنها زوجها يجب أن تذكر نفسها دائما بحقوقه عليها، وأهم هذه الحقوق: أن تحافظ على نفسها مما يشينها أو حتى يسيء إلى سمعتها، وألا تسمح لأحد من الرجال بالمرور إلى بيت الزوجية في غياب زوجها إلا بإذن صريح منه، كما يجب على الرجال أيضا أن يمتثلوا إلى التوجيه النبوي الشريف الذي يحظر على الرجل الدخول- منفرداً-على امرأة وزوجها غائب عنها، ولكن يجب على الأقل أن يكون معه آخر، فقد روى مسلم والإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: لا يدخلن رجل على مغيبة إلا معه رجل أو اثنان، كما قال: ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، فالعاقل هو الذي ينأى بنفسه عن مواطن الشبهات، فهذه حرمات لها حمى يجب احترامه بعدم الاقتراب منه بعداً عن الحرام وحتى لا يكون العقاب الأليم الذي أشار إليه- صلى الله عليه وسلم- بقوله: من قعد على فراش مغيبة، قيض الله له ثعبانا ينهشه بسمه يوم القيامة.
كيف يكون الإذن؟
أما الدكتور أحمد يوسف سليمان- أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة- فيرى أن الزوجة مطالبة بحفظ بيت الزوجية وحفظ زوجها في عرضه لأن هذا الأمر أمانة في عنقها أمام المولى عز وجل، وتعاقب على التفريط فيها يوم القيامة.
وعن مسألة الإذن في بيت الزوجية فيقول: إذا أذن الزوج إذنا صريحا لزوجته بإدخال شخص معين من محارمها أو بعض النساء أو كان إذنه عاما، فيجوز للزوجة حينئذ أن تأذن في بيته لهم.
أما إذا سكت الزوج عن الإذن، فإنها تعمل بما يغلب على ظنها فتأذن في بيته لمن يغلب ظنها أن زوجها لا يمانع في دخول بيته، ممن يجوز له أن يدخل على الزوجة في غياب زوجها من المحارم والنساء، أما إذا غلب على ظنها أن زوجها يكره دخول شخص معين في غيابه فلا يجوز لها أن تدخله، وذلك باتفاق أهل العلم.
وإذا صرح الزوج بكراهيته دخول شخص معين أو أي أحد بيته في غيابه- فيحرم عليها أن تأذن له في دخول بيت زوجها حتى إذا كان هذا الشخص من أرحامها، لأن الزوج، إذا وجد من بعض أرحام الزوجة من يسعى للإفساد بين الزوجين، يجوز له حينئذ منعهم من زيارتها درءا للمفسدة.
الأم قدوة
الدكتور عبدالغني عبود- أستاذ التربية بجامعة عين شمس- يرى أن كل أم مطالبة بأن تعلم ابنتها منذ صغرها أن هذا الحق للزوج وأن تكون قدوة لها، ويقول: إذا وجدت البنت أمها تفتح الباب في غيبة الأب لأي إنسان وتتحدث معه ولا تتحفظ في اللباس أمامه، لن تكون بعد ذلك زوجة صالحة تحفظ زوجها في غيابه.
ويقول: إن الأم عليها المسؤولية الكبرى في أن تربي ابنتها وتعلمها أن المرأة التي لا تحفظ نفسها في غيبة زوجها لا تؤتمن حتى لو كانت مثلما ترى كل امرأة نفسها زوجة شريفة، ولا أحد يستطيع أن يكلمها أو يتطاول معها، لكن هذا ليس معناه أن تخرج في الشرفة أو تفتح الباب للطارق من غير احتياط أو تستر مما يبرز مفاتنها للناس، فهذه ليست المرأة الصالحة التي أوصانا الإسلام بالاقتران بها حتى إنْ صلّت وصامت وتصدقت.
أما المرأة التي يأتي إليها رجل في عدم وجود زوجها فتستقبله في بيتها وتقدم له الضيافة وتجلس لتتسامر معه حتى يأتي زوجها- فهي لا تحفظ نفسها في غيبة زوجها، فقد جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- رجل يقول: عندي امرأة هي من أحب الناس إلي، لكنها لا تمنع يد لامس، قال: طلقها.
أما الدكتور احمد عبدالله- أستاذ علم الاجتماع في جامعة عين شمس- فيحذر بالأساس من تساهل الزوجة حتى مع المحارم والتعامل معهم على أنهم إخوة لها فتظهر أمامهم بملابس النوم ودون حجاب وربما يدخلون حجرة نومها أو يبيتون في منزلها وزوجها غائب- بحجة الاطمئنان عليها وعلى أولادها.
ويقول: رفع التكاليف وعدم الالتزام بالحدود هو بداية الكارثة، لأن الأمور بعد ذلك تتطور وهنا يجب ألا تنتبه الزوجة فقط بل يجب على الزوج أن ينأى بزوجته عن مواطن الشبهات، فلا يسمح لأخيه أو أبيه أو أي من أقاربها أن يدخل بيته ويمكث لفترة، دون أن يضع لذلك حدودا وضوابط.