نظرًا لغياب ثقافة الحقوق والواجبات المتبادلة بين العامل وصاحب العمل عن أذهان معظم العاملين في بلادنا العربية، وحدوث اضطرابات عمالية في بعض البلاد نتيجة مطالب فئوية لا تتوقف وقيام بعض العمال باحتجاجات أضرت بمجتمعاتهم اقتصادياً وأمنياً، نطرح هنا تساؤلات مهمة عن حقوق العمال وواجباتهم، في محاولة لنقل صورة العلاقة المثالية بين العامل وصاحب العمل كما رسمتها الشريعة الإسلامية، وبيان جملة الحقوق التي كفلتها للعامل مقابل القيام بواجباته على الوجه المطلوب.
فما هي حقوق العامل؟ وكيف يحصل العامل على حقه دون ابتزاز لصاحب العمل؟ وماذا قدمت شريعتنا الإسلامية من قواعد ومبادئ ترسي علاقة عادلة ومثالية بين صاحب العمل والعامل؟ وكيف كفلت هذه الشريعة حقوق العمال غير المسلمين في بلاد الإسلام؟ وماذا وضعت شريعتنا من أجل انتظام العمل وإخلاص العامل وجودة إنتاجه وحصوله على كافة حقوقه بعد أن يؤدي واجباته كاملة؟
في البداية يؤكد د. شوقي دنيا، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، الحاجة إلى الاهتداء بهدي الإسلام في تنظيم العلاقة بين صاحب العمل والعمال لوضع حد لمشكلات وأزمات العمال وأصحاب العمل في بعض بلادنا العربية والتي تتصاعد من وقت لآخر، حيث قدمت شريعتنا الإسلامية جملة من القواعد والمبادئ التي ترسي علاقة عادلة ومثالية بين صاحب العمل والعامل، وكفلت شريعتنا حقوق العمال بعد أ4ن ألزمتهم بواجباتهم وأهدرت حق العامل المهمل والمقصر في واجبات عمله، بل أوجبت مساءلته.
جانب إيماني
ويشير د. دنيا إلى تميز الشريعة الإسلامية في التعامل مع حقوق العمال عما جاءت به الدساتير والقوانين الوضعية، فالإسلام يربط العمل بالإيمان ويؤكد أن العامل يؤدي فريضة دينية ويتقرب إلى خالقه بهذا العمل قبل أن يأخذ عليه أجراً مادياً، فالعمل في الإسلام عبادة وليس مجرد حق للإنسان.
هذا الجانب الإيماني مهم للغاية في ربط العامل بجهة عمله، وفي ظل سيادة هذا المعنى في نفوس العمال تقل الاضطرابات التي نراها من وقت لآخر في بعض بلادنا العربية والإسلامية نتيجة توتر العلاقة بين العمال وصاحب العمل والتي وصلت إلى احتجاز العمال لرجال أعمال ومستثمرين وتهديدهم بحرق المنشآت التي يعملون فيها، وهذه العلاقة المتوترة ترفضها شريعة الإسلام وتدينها، ولذلك تحرص بتوجيهاتها على ربط العامل بجهة عمله ربطا إيمانيا قبل أن تربطه به ربطا وظيفيا.
وهنا يشير أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر إلى أن حقوق العمال كفلتها الدساتير العربية كافة ووصف بعضها العمل بأنه «حق وواجب وشرف» تكفله الدولة، وألزمت هذه الدساتير الدولة وأصحاب الأعمال بالحفاظ على حقوق العمال، والعمل على بناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، وكفالة سبل التفاوض الجماعي في حالة وجود مشكلة أو أزمة، كما أنها نصت على حماية العمال من مخاطر العمل وتوافر شروط الأمن والسلامة والصحة المهنية، وحظرت فصل العامل تعسفياً، ووضعت القوانين واللوائح المنظمة لذلك.
لكن.. رغم ذلك هناك مشكلات وأزمات تتجدد بين العمال وجهات عملهم حكومية كانت أو خاصة لعدم الالتزام بالقوانين من جانب، ولعدم عدالة التشريعات والقوانين من جانب آخر.. ما يؤكد أهمية الاستفادة من الجوانب الإيمانية والأخلاقية التي أولاها الإسلام أهمية خاصة في ربط العامل بعمله وتنظيم علاقته به.
وبعيدا عن الحقوق المادية التي كفلها الإسلام للعامل هناك جانب آخر مهم يلفت انتباهنا له د. شوقي دنيا، وهو حق العامل في الترقي والعمل وفقا لقدراته وخبراته وكفاءته الشخصية، فالإسلام يلزم اختيار من يتولون الوظائف العامة اختيارا دقيقا يقوم على الأمانة والنزاهة في الاختيار وعلى أساس الكفاءة من دون وساطة أو مجاملة لأحد وكل اختيار يخالف ذلك يعد خيانة للأمانة.. ومن شأن الحرص على ذلك أن يوفر لجهة العمل نفسها ولكل العاملين فيها الاستقرار وتحقيق المكاسب التي تعود على الجميع بالخير.. كما أنها توفر للعامل أهم حق من حقوقه، وهو تقديره معنوياً ودفعه إلى مزيد من العطاء لمكان عمله الذي يقدره ويحترمه ويرتبط به وجدانياً.
علاقة متوازنة
د. محمد عبد الحليم عمر، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، يلتقط خيط الحديث من د. شوقي دنيا، ويؤكد ضرورة وجود علاقة عادلة ومتوازنة بين صاحب العمل، سواء كان دولة أو شركة أو فردا، والعمال وفقا لما قررته الشريعة الإسلامية العادلة، وذلك حرصاً على استقرار العمل ودفعًا للإنتاج، مشيراً إلى أن العامل لن يعمل بإخلاص، ويتفانى في عمله ويجود إنتاجه، إلا إذا كان راضياً قانعاً واثقاً أنه سيحصل على حقوقه بعد أن يؤدي واجباته.
وهنا يوضح د. عمر أن الإسلام ربط العامل بمكان عمله من خلال حديثه عن قيمة العمل وأهمية أدائه بكفاءة، وشرَّع لهذا العمل من الأحكام والتوجهات والقيم ما يدفع الإنسان المسلم نحو العمل النافع، كما نظم علاقات العمل في عدالة وتوازن، ويتضح ذلك من خلال اهتمام مصادر التشريع الإسلامي بالعمل، فعلى سبيل المثال ورد لفظ «العمل» في القرآن الكريم 267 مرة.. وهذا الكم الهائل يدل على مدى عناية القرآن بأن يكون الإنسان في عمل دائم سواء الأعمال التعبدية أو الحياتية، بل إن الرسول الكريم وضح أن كل أعمال الإنسان المسلم تعبدية إذا قصد بها وجه الله، حيث جاء في الحديث الشريف «العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال» ولم يقتصر الأمر على الكم فقط، وإنما من حيث الكيف نجد أنه ورد لفظ العمل 83 مرة موصوفاً بالعمل الصالح ومقترنا بالإيمان والإحسان، وذلك بإطلاق عام يشمل الأعمال التعبدية وغيرها كما يقول المفسرون، وهي جميعا أساس للحياة الطيبة وهذا ما ورد في قوله تعالى: «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون».
والإسلام كما يقول د. عمر لم يهتم بأي عمل، بل حرص على «العمل الاقتصادي المنتج» وعبر عنه القرآن بالابتغاء من فضل الله، حيث ذكر ذلك إحدى عشرة مرة مثل قوله تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله»، كما أمر سبحانه وتعالى بالسعي للرزق في مثل قوله تعالى: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها».
كما حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمل في عدة أحاديث منها قوله «ما كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده» وأخبر صلى الله عليه وسلم بأنه وجميع الأنبياء كانوا يعملون بأيديهم لكسب رزقهم، وأوضح أن المسلم سيسأل عن وقته وعن ماله وعن عمله، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام حذر من يترك العمل اكتفاء بما لديه من مال.
لا بطالة في الإسلام
د. عبدالله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر، يؤكد التعامل الحضاري للإسلام مع حقوق العمال، ذلك أن الإسلام لا يعتبر العمل مجرد حق للإنسان، بل هو واجب عليه، وعبادة يؤديها، حيث كفلت شريعتنا العادلة حق العمل المفيد للإنسان والمجتمع، كما كفلت حق الراحة لكل عامل، فلا يستطيع إنسان حاكماً كان أو محكوماً أن يحرم الإنسان من عمل قادر عليه ومؤهل له ويحتاج إلى عائده.. كما لا يجوز لأحد أن يفرض على إنسان أن يعمل باستمرار من دون أن يعطي لبدنه ما يحتاج إليه من راحة ولنفسه ما تشتاق إليه من استجمام.. ومن هنا يتضح أن الشريعة الإسلامية لا تعترف بالبطالة، وهي تكفل لجميع أفراد المجتمع من مسلمين وغير مسلمين الحق في أن يسعوا في تحصيل الرزق، ما دام هذا التحصيل بالوسائل المشروعة التي لا تتنافى مع قواعد الأخلاق والمثل العليا.. كما تعطي لكل فردالحق في الراحة بعد عمله، ولا يجوز لأي سلطة أن تمنعه من حقه في هذين الأمرين.
ولا ينظر الإسلام إلى العمل على أنه مجرد حق، بل يعتبره عبادة وقربة إلى الله ما دام صاحبه يقصد به الامتثال لما أمر الله عز وجل، والسعي لتحصيل رزقه بالوسائل المشروعة.
والإسلام في حق العمل لا يفرق بين رجل وامرأة، فالعمل حق مكفول للمرأة كما هو حق مكفول للرجل، والله سبحانه وتعالى يقول: «فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض».. وليس في شريعة الإسلام، ما يمنع المرأة من أن تقوم بأي عمل شريف تبغي من ورائه الرزق الحلال الذي يغنيها عن سؤال الناس.. كما منحت الشريعة الإسلامية المرأة حق تولي الوظائف القيادية المؤهلة لها والتي تحسن أداءها.
الأجر العادل
ومن أهم حقوق العامل في الإسلام «الأجر العادل»، حيث يرفض الظلم بكل أشكاله ويرفض التفاوت الصارخ بين أجور العمال من دون وجود خبرات وكفاءات تستدعي ذلك..
وهنا يعود د. عمر ليوضح أن تحديد الأجر العادل للعامل في المنظور الإسلامي، يخضع لضوابط وقواعد أولها أن يفي هذا الأجر بحاجات الإنسان الأساسية، وأن يكون الأجر في حدود أجر المثل، كما يقول الفقهاء، كما يجب الإعلام بالأجر لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من استأجر أجيراً فليسم له أو فليعلمه أجره»، وأن يدفع إليه الأجر في المواعيد المحددة في العقد من دون تأخير، وهي في العادة كل فترة زمنية يوماً أو أسبوعاً أو شهراً، أو فور الانتهاء من العمل إن كان محدد الكمية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، وقد حذر الرسول من الذين لا يعطون العامل أجره فقال: «وثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة.. وعدَّ منهم: «رجل استأجر أجيرا فظلمه ولم يوفه أجره» كما يجب أن يراعي صاحب العمل منح العاملين المجيدين الحوافز المناسبة وترقياتهم طبقا لقواعد محكمة واختيار سديد.