جاء القرآن الكريم بكل ما ينظم العلاقة بين الزوجين ويحقق الاستقرار للأسرة، حيث وضع القواعد والضوابط، وأوضح الحقوق والواجبات التي تضمن لكل طرف حقوقه بعد أن يؤدي واجباته، وتوفر للزوجين حياة سعيدة وللأبناء الطمأنينة والاستقرار .
رفع القرآن الكريم شعار المودة والرحمة في العلاقة بين الزوجين لكي تستقيم تلك العلاقة وتؤتي ثمارها وتحقق أهدافها الإنسانية والاجتماعية، حيث يقول الحق سبحانه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، ولم يترك سفينة الأسرة تسير بقائدين فتتعثر وتغرق ويضيع كل ركابها نتيجة ما قد ينشب بينهما من خلافات وصراعات، بل جعل للأسرة قائداً واحداً وهو الرجل، يساعده ويسانده معاون لا يمكن الاستغناء عن جهده ومشورته وهي المرأة، وألزم القائد بالمشورة والانصياع لما فيه مصلحة السفينة- وهي الأسرة- وهنا يقول القرآن: ''الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله .
وحتى تستقر العلاقة بين الطرفين- الزوج والزوجة- فقد أوجب الله تعالى على الزوجة أن تطيع زوجها في غير معصية، كما أوجب عليه القيام بحقوقها كاملة لقوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم، ودرجة القوامة التي منحها القرآن للأزواج: كما يقول الفقيه الأزهري د . عبد الفتاح الشيخ الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء - لا تحط من قدر المرأة ولا تقلل من شأنها، وإنما الغرض منها تنظيم المعاملة وتطبيق القوانين واللوائح السماوية والالتزام بالحدود الشرعية، حيث يقول تعالى: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه .
وهذه الطاعة - كما يقول د . الشيخ - تنظمها أيضا قواعد وضوابط أبرزها أن تكون في غير معصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وقد أطلقها بعض الفقهاء في كل ما يتعلق بأمر الأسرة وحقوق الزوج، وحصرها آخرون في أمرين لهما خطرهما في العلاقة بين الزوجين وهما: الاستمتاع في الفراش، حيث لا ينبغي أن ترفض الزوجة لزوجها طلبا في هذا الأمر، لأنه يؤثر في حياته النفسية والبدنية والأخلاقية . . والأمر الآخر هو عدم الخروج من بيت الزوجية إلا بإذنه، وهذه الطاعة الزوجية لا تعني استبداد الزوج وتسلطه وانفراده باتخاذ القرارات التي تتعلق بالأسرة من زوجة وأولاد .
مسؤولية الإنفاق
وحتى لا يحدث نزاع مادي بين الزوجين وفي مقابل حق الطاعة، ألزم القرآن الرجل بالإنفاق على زوجته وفق ظروفه وأحواله المادية، وجاء القرآن في أمر النفقة الواجبة بعبارة بليغة موجزة في قوله سبحانه: لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً، فالزوج ينفق على قدر يساره، فلا يجوز وفق منطق القرآن أن يكون الرجل ميسور الحال أنعم الله عليه بالرزق الوفير ويفرض على زوجته حياة صعبة ويحرمها مما أنعم الله عليه .
ونفقة الزوجة - وفق ما قرره القرآن أيضاً - واجبة على الزوج حتى مع ثراء الزوجة، لإجماع الفقهاء على عدم سقوطها مادامت الزوجة مطيعة لزوجها وجعلها سببا لقوامته على المرأة فقال سبحانه: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما، حفظ الله، وبالتالي فقد أوجب الله تعالى نفقة الزوجة بالمعروف، والمعروف الذي ينص عليه الشرع أن يكسوها مما يلبس ويطعمها مما يأكل .
وقد يكون الزوج في ضائقة مالية وغير قادر على توفير النفقة الواجبة عليه لزوجته، وهنا يقرر القرآن أن واجب الزوجة أن تصبر وتنفق من مالها لو كانت صاحبة مال وأن يدفع الزوج لها عندما يتيسر له الحال لو رغبت هي في ذلك، يقول الحق سبحانه: ''وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة'' وهذا الحق من حقوق الزوجة لا يسقطه كما يقول د . الشيخ إلا النشوز .
والنفقة التي أوجبها الله في دستوره الخالد- القرآن الكريم - تستحق للمرأة إذا توافرت شروطها، وهي الاحتباس أو الاستعداد له والاستمتاع بها والانتقال إلى بيت الزوجية، أما إذا رفضت الزوجة دخول بيت الزوجية وكان يليق بها أو خرجت منه دون إذن زوجها كانت ناشزا ولا تستحق النفقة .
ويشير عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر إلى أنواع أخرى من النفقة غير نفقة المأكل والملبس والمشرب، فيقول: لقد أوجب الإسلام على والد الطفل أن يدفع أجراً لوالدته إن قامت هي بإرضاعه، كما أوجب عليه أن يأتيها بخادم إذا كانت من ذوات القدر والشرف اللاتي جرت العادة على أنهن لا يتولين الخدمة بأنفسهن في بيوتهن، ففي هذه الحالة يكون من حقها أن يحضر لها زوجها خادماً أو أكثر متى كان قادراً على ذلك .
وإذا كان الزوج موسراً ويستطيع أن يجعل لزوجته خادماً وجب عليه أن يوفر لها خادماً حتى لو كانت فقيرة .
احترام مال الزوجة
ويشدد القرآن على حق الزوجة في احترام ملكيتها من قبل الزوج وعدم أحقيته في الاستيلاء على مالها أو راتبها، إلا ما تنازلت عنه عن طيب خاطر، فالزوجة مستقلة في مالها سواء كانت حصلت على هذا المال من ميراث أو تجارة أو عمل لقول الله تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً وقوله عز وجل: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً وقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن .
فهذه النصوص القرآنية تشير كما يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق إلى وجوب احترام الرجل لملكية المرأة، فحرم على الزوج أو ولي أمرها أن يأخذ من صداقها شيئا إلا عن طيب نفس، وذلك إبطال لما كان الناس عليه في الجاهلية .
نعمة الأولاد
وبما أن الأولاد زينة الحياة الدنيا ونعمة من المولى سبحانه وتعالى لمن يشاء، فليس من حق أحد من الزوجين أن يحرم شريك حياته من هذه النعمة إلا باتفاق وتشاور ورضا كامل . . فالقرآن الكريم يقول: ''المال والبنون زينة الحياة الدنيا'' وهذه الزينة حق للزوج والزوجة .
أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث بالأزهر، د . محمد الشحات الجندي، يقول: وفق منطق القرآن فإن الإنجاب ليس ترفاً اجتماعياً بل هو ضرورة شرعية، ولأنه حق مشترك بين الزوجين فلا يجوز إجبار أحد الطرفين على الاستمرار في حياة زوجية مع طرف عقيم وحرمانه من مشاعر الأبوة أو الأمومة، فالحرمان من الإنجاب ضرر نفسي لا يتحمله الكثير من الأزواج والزوجات، لذلك فإن الشريعة الإسلامية لا تقر هذا الضرر وتبيح للزوجة طلب الطلاق، كما تبيح للرجل أن يتزوج بأخرى تنجب له الذرية إذا تأكد أن العيب من الزوجة وأنه لا أمل في العلاج .
ويضيف: فإذا كان الزوج عقيما وتأكد عدم قدرته على الإنجاب في الحال أو في المستقبل، بمعنى أن يكون استنفد كل وسائل العلاج واتفق الأطباء على استحالة علاجه، ففي هذه الحالة من حق الزوجة طلب الطلاق، لأن عدم الإنجاب يسبب للزوجة ضرراً نفسياً لا يقدره إلا من يعانيه .
علاقة مقدسة
وحرصاً من القرآن الكريم على تغليف العلاقة الزوجية بكل ما هو كريم وأخلاقي، وضع آداباً عامة ينبغي للطرفين الالتزام بها في علاقتهما العاطفية، لذلك جعل العلاقة بينهما مقدسة ولها حرمتها ولا يجوز لأي من الزوجين أن يتحدث عنها تحت أي ظرف، إلا في حالات خاصة كأن يكون في الزوج عيب يعوقه عن القيام بواجباته الزوجية بشكل طبيعي، وتضررت الزوجة من ذلك ورفض الزوج تطليقها واضطرت إلى اللجوء للمحكمة، ففي هذه الحالة فقط يجوز لها أن تتحدث عن أمر يخص علاقتها الخاصة جدا بزوجها ويكون الحديث لهيئة المحكمة بعيدا عن الآخرين .
أما الزوج الذي لا يحافظ على أسرار علاقته الخاصة بزوجته ويهوى الحديث عن مغامراته مع زوجته في جلسات الأصدقاء وغرف الشات، فهو ضعيف الشخصية وضعيف الإيمان، لأن قرآنه الذي يمثل المصدر الأول لتعاليم ومبادئ دينه يجرم هذا السلوك من الزوج أو الزوجة، لأن فيه إهانة للطرف الآخر، وحتى لو حدث الطلاق فلا يجوز لأي من الزوجين أن يتحدث عن أمور علاقته الخاصة بالطرف الآخر .
يقول الشيخ عاشور: ليس هنا أبلغ ولا أروع من قول الحق سبحانه في وصف العلاقة الخاصة بين الزوجين: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن .
هذه الكلمات القرآنية البليغة تؤكد خصوصية الحياة الزوجية، وأن هذه الخصوصية لا تقف عند ما يخص العلاقات الخاصة بين الزوجين وما يتعلق بأمور المعاشرة الزوجية، بل تشمل كل ما يحدث بين الزوجين من مناقشات وخلافات وأمور تتعلق بالأولاد وما يخص الظروف المالية للأسرة، فكل ذلك له حرمته، ولا يجوز لأحد من الزوجين أن يتحدث عنه لأطراف أخرى، فلا يجوز للزوجة مثلاً أن تنقل لأسرتها أسراراً بينهما وما يمتلكه الزوج من أموال وما يكتسبه من عمله، وإذا كان الزوج مريضاً فلا يجوز أن تتحدث عنه لأي شخص مهما كانت صلة قرابته أو علاقته بالأسرة، فما يدور في بيت الزوجية يجب أن يبقى داخل جدرانه، لأن اطلاع الآخرين على ما يخص الزوجين أمر مخالف للمروءة ومناف للآداب والتعاليم الإسلامية .