د. عارف الشيخ

لا يزال الناس مختلفين في حقيقة الجن، وفي الفرق بين الجني والشيطان والعفريت، ويطلق لفظ الجن على جماعة الجن ضد الإنس، والواحد يقال له: الجان. وفي «لسان العرب» لابن منظور: سمي الجن بهذا الاسم لاشتهارهم واختفائهم عن الأبصار، فكل شيء ستر عنك فقد جن عنك.
والجن كما يقول «البيضاوي» أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية أو الهوائية، ولهم قدرة على التشكل.
والفرق بين الجن والشيطان والعفريت أن الجان كما عرفناه قبل قليل، والشيطان كما يقول «الأزهري» هو العصي الأبي الممتلئ شراً ومكراً، فكل عاتٍ متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان، وكل متمرد من الشياطين عفريت.
و«لابن عبدالبر» كلام لطيف حول مراتب الجن فيقول: «الجن عند أهل الكلام منزلون على مراتب، فإذا ذكروا الجن خالصاً قالوا: جني، وإذا أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس في البيوت قالوا: عامر، ويجمع على عمّار».
«وإن كان ممن يعرض للصبيان قالوا: أرواح، وإذا خبث فهو شيطان، وإذا زاد على ذلك فهو مارد، وإذا زاد على ذلك قالوا: عفريت، وكبير الجن يقال له إبليس». (انظر لسان العرب لابن منظور)
وقد ثبت وجود الجن بالقرآن والسنة والإجماع، فلا مجال لإنكاره، ومن أنكر الجن فقد كفر، بل ولا مجال لإنكار قدرتهم على التشكل في صور كذا وكذا، قال تعالى: «وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب» (الأنفال / 48).
وفي الحديث «إن بالمدينة نفراً من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئاً من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثاً، فإن بدا له بعد فليقتله فإنه شيطان». (رواه مسلم)
وقد قال عمر، رضي الله عنه: «إن أحداً منهم لا يستطيع أن يتغير عن صورته التي خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا». (انظر مقالات الإسلاميين ج2 ص111-114)
ولابن عابدين قوله بقدرتهم على التشكل، وهذا التشكل كما يقول ثابت بالأحاديث والآثار والحكايات. (انظر حاشية ابن عابدين ج2 ص259)
واتفق العلماء على أن الجن أغلبيتهم يوجدون في مواضع المعاصي والنجاسات، وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». (رواه أبو داوود)
نعم، ويأكلون الفضلات ولا سيما العظام، لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بالعظم والروث، فالعظم زاد الجن والروث علف الدواب.
ودخول الجن بدن الإنسان معقول، لأن أجسام الجن رقيقة، فيدخلون في جوف الإنسان من خروقه. (انظر مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ج2 ص 108)
والجن في النهاية كالإنس مكلفون بالعبادة، فيثابون على الطاعة، ويعاقبون على المعصية، لقوله تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون». (الذاريات / 56)