الجن عالم من العوالم، واسم لنوع من الخلق لهم قدرة على التشكل بالأشكال القبيحة، وهم مكلفون كالإنس بالتكاليف الشرعية، قال الله تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا، ويجب الإيمان بوجودهم، ومن صفاتهم: أنهم خُلقوا من نار، قال الحق سبحانه: وخلق الجان من مارجٍ من نار، وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم، وكما تحولت طبيعة الإنسان الطينية إلى نوع يخلق من ماء مهين، فإن الجن التي خُلقت من نار ليست الآن ناراً، بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة مكتوبة، فضم يده في الصلاة، فلما صلى قلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء ؟، قال: لا إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إليه أخي سليمان، لارتبط إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة، فتبين أن الجن الآن ليست ناراً، إذ لو كانت ناراً لما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للسان الشيطان برداً، والجن ليسوا صنفا واحدا، وإنما هم أصناف ثلاثة كما ورد في السنة، إذ روي عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون، والجن يفضلون الأماكن الخالية، ومنهم من يقطن المزابل ومواضع القمامة والخلاء والشقوق والجحور وأعطان الإبل، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، كما أنهم يخافون الإنس، قال مجاهد: إنهم يهابونكم كما تهابونهم، وقال: إن الشيطان أشد فَرَقاً من أحدكم منه، فإن تعرض لكم فلا تَفرُقوا منه فيركبكم، ولكن شدوا عليه فإنه يذهب، وهم ينتشرون في جنح الليل، لما روي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم، كما أنهم يأكلون ويشربون، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، وطعامهم ما ذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن عبدالله ابن مسعود قال: قدم وفد الجن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إِنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، و(الحُمَمَة: هي الفحمة)، كما أنهم يتناكحون ويتناسلون ولهم ذرية: قال الله تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وإذا كان لهم ذرية فإنه يكون منهم الذكور ومنهم الإناث، كما أن منهم المسلم والكافر والصالح والطالح، قال الله تعالي: وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدداً، وقال تعالى: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً، والجن لا يعلمون الغيب على خلاف ما هو شائع عند الدهماء والمغلوبين على أمرهم: قال تعالى: فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خرّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، فلو علموا الغيب لعلموا بموت سليمان عليه السلام، وأنهم لا يظهرون للإنس على صورتهم الحقيقية إلا لنبي، وإنما يكون إتيانهم لسائر الناس في صورة بشر أو نحو ذلك، وقد يأتون في صورة الكلب الأسود أو الحيات التي تلازم البيوت، وصور الهوام، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والخنازير من بني اسرائيل، وقد يؤذي الجن الإنسان إما لكونه قد تعرض لهم بالأذى فآذاهم بصب ماء حار عليهم، أو ببوله عليهم فينتقمون منه، وإما لمجرد ظلمه لهم كما يظلم الإنسان أخاه الإنسان، وقد ثبت ايذاء الجن للإنسان بحديث أبي سعيد الخدري قال: إن ابن عم لي كان في هذا البيت، فلما كان يوم الأحزاب استأذن إلى أهله وكان حديث عهد بعرس، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يذهب بسلاحه، فأتى داره فوجد امرأته قائمة على باب البيت، فأشار إليها بالرمح فقالت: لا تعجل علي حتى تنظر ما أخرجني، فدخل البيت فإذا حية منكرة، فطعنها بالرمح ثم خرج بها في الرمح ترتكض، فقال: لا أدري أيهما كان أسرع موتا الرجل أم الحية، فأتى قومه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع الله أن يرد صاحبنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن نفرا من الجن بالمدينة قد أسلموا، فإذا رأيتم أحدا منهم فحذروه ثلاث مرات، ثم إن بدا لكم أن تقتلوه فاقتلوه بعد الثلاث، ولم تسخر الجن لبشر إلا لسليمان عليه السلام، لدعاء دعا به ربه، قال تعالى في شأنه: قَالَ رَب اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأحَدٍ منْ بَعْدِي إِنكَ أنتَ الْوَهابُ. فَسَخرْنَا لَهُ الريحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ. وَالشيَاطِينَ كُل بَناء وَغَواصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرنِينَ فِي الأصْفَادِ، فمن ادعى أن بإمكانه تسخير الجن في تلبية رغباته لم يتجاوز مدعاه مجرد الكلام المرسل.

[email protected]