جاء التشريع الإسلامي كاملاً في أحكامه، تامًا في بيانه، ومن محاسن هذا التشريع أنه شرع للمسلمين ما ينفعهم في دينهم ودنياهم لأجل آخرتهم، فشرع لهم أنواع الطاعات والقربات، والواجبات والمستحبات لتحقيق التكافل، والتعاون، والتكامل في المجتمع الإسلامي حال حياتهم، ولتحصيل الأجر والثواب في آخرتهم، ومن أنواع هذه القربات: الصدقات الجارية، والتي من أهمها الوقف، فما مفهوم الوقف في التشريع؟
لقد جاءت تعريفات الفقهاء في المذاهب الأربعة للوقف متباينة وسبب ذلك يعود إلى الاختلاف في بعض شروط الوقف.
وقد أجمل الشيخ محمد أبو زهرة بالكلام لتعريف الوقف فقال في كتابه «محاضرات في الوقف»: «أجمع تعريف لمعاني الوقف عند الذين أجازوه؛ أنَّه حبس العين وتسبيل ثمرتها، أو حبس عين للتصدق بمنفعتها، أو كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في «فتح الباري»: (إنَّه قطع التصرف في رقبة العين التي يدوم الانتفاع بها وصرف المنفعة)، فقوام الوقف في هذه التعريفات المتقاربة، حبس العين فلا يتصرف فيها بالبيع، والرهن، والهبة، ولا تنتقل بالميراث، والمنفعة تصرف لجهات الوقف على مقتضى شروط الواقفين».
مشروعية الوقف
استدل جمهور العلماء على مشروعية الوقف من القرآن والسنة:
أ- مشروعية الوقف من القرآن: قول الله تعالى: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون»، [آل عمران: 92].
وكذلك قوله تعالى: «وافعلوا الخير لعلكم تفلحون» [الحج: 77].
ب- مشروعية الوقف من السنة: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَن احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده، فإنَّ شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة»، (رواه الإمام البخاري).
وكذلك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عند شرائه بئر رومة ووقفه لها. (رواه الإمام النسائي).
وعلى ما تقدم فقد أجمع الفقهاء على أنَّ الوقف جائز شرعًا.
يقول الإمام أحمد: (مَن يرد الوقف، إنما يرد السنة التي أجازها النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلها أصحابه رضي الله عنهم).
ويقول الإمام ابن قدامة في كتابه «المغني»: (وأكثر أهل العلم من السلف ومَنْ بعدهم على القول بصحة الوقف).
ويقول الإمام الشوكاني في كتابه «السيل الجرار»: (أعلم أنَّ ثبوت الوقف في هذه الشريعة وثبوت كونه قربة أظهر من شمس النهار).
ونخلص إلى القول في حكم الوقف: إنَّ جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة يذهبون إلى أنَّ الوقف جائز شرعًا، وأنَّ أصل مشروعيته ثابت بالقرآن والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم والقياس.
اختلاف الوقف عن الوصية
وبعد بيان مفهوم الوقف وحكمه في التشريع وزيادة للفائدة فقد بين العلماء
اختلاف الوقف عن الوصية فقالوا: يختلف الوقف عن الوصية في عدة أمور أهمها:
1- الوصية هي تبرع بالمال لما بعد الموت، أما الوقف فهو تحبيس المنفعة حال الحياة.
2- يجوز لصاحب الوصية أنْ يرجع عنها؛ لأنها ملك له، أما الوقف فلا
يجوز الرجوع عنه؛ لأنه لم يعد ملكًا له.
3- الوصية لا تتجاوز الثلث، أما الوقف فيجوز مع مراعاة عدم الإضرار بالورثة.
4- الوصية لا تجوز لوارث، أما الوقف فيصح على وارث.
5- في الوصية: الموصى له يمتلك العين والمنفعة، فله أن يتصرف بالعين كما يحب، أما في الوقف: فالموقوف عليه يتملك المنفعة دون العين، فلا يجوز له التصرف بعين الوقف مطلقًا.
ولأهمية الوقف في الإسلام، فقد قسم العلماء الوقف إلى عدة أنواع بحسب الاعتبارات التي نظروا منها إليه، ومن أشهرها ثلاثة أنواع:
الأول: الوقف الخيري أو الوقف العام: وهو الوقف الذي يستفيد منه المجتمع كله.
الثاني: الوقف الأهلي أو الوقف الخاص: ويطلق عليه الوقف الذرِّي، ويكون
ريعه للواقف أولًا ثم لأولاده ثم لذريته ثم يؤول إلى وقف خيري عند انقراض الذرية.
الثالث: الوقف المشترك: وهو ما خُصصت منافعه إلى الذرية وجهة برٍ معًا.
وفي الختام.. أذكر الحديث النبوي الذي فيه التوجيه والترغيب بالمبادرة إلى الوقف وغيره من القربات في حال الحياة قبل فوات الأوان.
ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: جاء رجل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: (أنْ
تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان...).
*أستاذ المعاملات المالية في جامعة طيبة - المدينة المنورة