د. عزالدين دياب

ليس من المبالغة في شيء القول إن كثرة من أبناء الوطن العربي من جيل الأربعينات وما تلاه من عقود من القرن العشرين كانوا على معرفة بالمفكر المصري العربي أنور عبدالملك غداة ظهور كتابه «المجتمع المصري والجيش»، الذي طبعته دار الطليعة اللبنانية تحت عنوان «مصر.. مجتمع يبنيه العسكريون»، حيث كان هذا الكتاب موضع اهتمام تلك الكثرة، على اختلاف تياراتها الفكرية.

ولد أنور عبدالملك في 23 أكتوبر/تشرين أول من عام 1924. درس الفلسفة في جامعة عين شمس، ونال شهادة الليسانس عام 1954.

كتب الكثير من المقالات والدراسات إثر تخرجه في الجامعة في الصحف والمجلات آنذاك، ثم طبعتها دار الطليعة في كتاب عنوانه«دراسات في الثقافة الوطنية»، سافر إلى فرنسا عن طريق بيروت بعد أن أمضى سنة في أحد المعتقلات المصرية، بسبب موقفه النقدي للنظام في مصر آنذاك.

وفي جامعة السوربون حصل على شهادة دكتوراه دولة في الآداب من جامعة السوربون، وغداة نيله الدكتوراه شغل عدة مهام أكاديمية، كما عين في مركز البحوث والدراسات الفرنسي الوطني، ليصبح في عام 1970 مديراً لهذا المركز.
ومن المعروف أن العديد من الجمعيات الاجتماعية، والفلسفية، والمستقبلية العربية والعالمية عرفت أنور عبدالملك محاضراً ومنظراً ومجدداً في الفكر الاجتماعي، وباحثاً في القضايا العربية والعالمية موجها بمنهجه الثقافي/السوسيولوجي الذي حدد معالمه بأهمية الخصوصية الحضارية/الثقافية، وقوة الهوية، والانفتاح على الشرق، وأهمية أن تأخذ التعددية السياسية دورها المنهجي في تحليل البنى الاجتماعية، ورفضه لدعاوي وأطروحات العولمة.
ولا شك أن فهمه للنظرية الماركسية، كان أحد أهم مفاتيحه المنهجية في فهم صيرورة التطور الحضاري في مصر، الأمر الذي دعاه، على ىسبيل المثال لا الحصر، إلى التركيز على دور المواطنة في حل المشكلات المطروحة في الأقطار العربية التي لم تؤسس ثقافة مفهوم المواطنة.
في العام الدراسي 1971-1972، التقيت به في باريس، وأخذنا الحديث وهو يسألني عن الأوضاع السياسية في كل من العراق وسوريا، وما بين النظامين من عداوة سياسية وعقائدية، على حد تعبيره، وآثارها المباشرة على حركة التحرر العربية.
وسألني عن أوضاع الطلبة العرب في «غرونوبل»، ونشاطهم السياسي والدراسي واهتماماتهم الأكاديمية، وعرض مساعدته العلمية لأي طالب يريد القيام بدراسات عليا. كنا في مدينة «غرونوبل» مجموعة من الطلبة العرب، التي تنتمي إلى عدة تيارات فكرية، واتجاهات سياسية، ومن أغلب الأقطار العربية.

وقتذاك شكلنا بالتعاون مع الجماعات الفرنسية الصديقة والمؤيدة للقضايا العربية لجانا لمساندة الثورة الفلسطينية، وأخذنا ننشط داخل أوساط الجالية العربية. وقد قمنا، على سبيل المثال لا الحصر، بعرض فيلم «الناصرصلاح الدين»، رداً على عرض إحدى المنظمات اليهودية فيلما بعنوان «لماذا إسرائيل». وفي هذه الأثناء اتصلت بأستاذي أنور عبدالملك، وعرضت عليه أن يحاضر في إحدى صالات نادي «استاد دوجلاس»، عن القضية الفلسطينية، غير أنه اعتذر لأنه كان على موعد مسبق مع إحدى الجامعات اليابانية، التي سيسافر إليها.

ومرت الأيام ونلت شهادة دبلوم التعليم العالي في العلوم السياسية المستقبلية عام 1973، وسجلت معه أطروحة ما يسمى «شهادة التعمق في البحث»، تمهيداً لتسجيل أطروحة دكتوراه دولة تحت عنوان «التحليل الاجتماعي للانقسامات السياسية في الوطن العربي». هذه الأطروحة التي نلت تحت عنوانها شهادة دكتوراه دولة في جامعة تونس بعد حين.
وفاجأني أستاذي أنور عبدالملك باعتذاره عن متابعة الإشراف، لأنه سيسافر هذه المرة إلى اليابان كأستاذ محاضر في جامعة طوكيو.
وفي أحد الأيام كنت في طريقي مع صحبة من الأصدقاء إلى صديق إسباني يعمل في مكتبة من مكتبات غرونوبل، وفاجأني بقوله إن جهة «إسرائيلية» تقوم بسحب كتاب أنور عبدالملك (الجدل الاجتماعي) من المكتبة، وأخبرت على الفور الدكتور أنور باتصال هاتفي بواقعة سحب كتابه. قال إنه سيتخذ إجراءاته حيال هذا الأمر، وإنه لم يفاجأ بذلك لأن في كتابه هذا مساندة للقضية الفلسطينية، وتفصيلا في عداوة السياسات الغربية للقضايا العربية العادلة. وتجاه ما قيل عن الدكتور أنور عبدالملك من قبل خصومه أجد من واجبي أن أشير إلى مساندته لأي طالب عربي دق بابه، كما يقال، من موقعه كمناضل مصري عربي.
وفي العام الدراسي 1977-1978 دعته وزارة الثقافة السورية لإلقاء المحاضرات في بعض المدن السورية. التقيته في فندق (سميرأميس) وصحبته إلى المركز الثقافي العربي في شارع أبو رمانة في مدينة دمشق، وتحولت هذه المحاضرة إلى ساحة للجدال والنقاش بينه وبين بعض الشباب ممن ينتمون إلى أحد الاتجاهات الماركسية التقليدية الرسمية، وخاصة أثناء دعوته لقراءة الماركسية قراءة جديدة تخرجها من ثوبها البالي،على حد تعبيره.
ومساء ذلك اليوم ذهبنا إلى مطعم قصر العظم بصحبة كل من الأصدقاء صادق العظم، وطيب تيزيني ونايف بللوز، ودار بينهم وبينه النقاش، وخاصة الدكتور نايف بللوز أستاذ الفلسفة في كلية الآداب - جامعة دمشق،حول مفهوم الخصوصية.. إلخ.
وفي مصر بين عام 1991و1998، وعلى وجه الحصر في اجتماعات الجمعية الفلسفية المصرية، كان النقاش والحوار لا يتوقف بين أنور عبدالملك، وأبناء جيلنا، والأجيال الشابة، وخاصة عندما كان يشير بالشبهة إلى التيار الفرنسي المتطرف (البروسبوكتيف).

وفارقنا المفكر أنور عبدالملك عن عمر يناهز 88 سنة بعد أن ترك للمكتبة العربية باقة مهمة من كتبه في تاريخ الفكر الاجتماعي العربي المعاصر.

وبكل ثقة أقول إن فكر أنور عبدالملك أسس لمدرسة فكرية في التحليل الاجتماعي/الأنثروبولجي للقضايا العربية في مستوياتها المحلية، والوطنية، والعربية. ومن أهمها من وجهة نظري: «نهضة مصر»، «المجتمع المصري والجيش»، و«المواطنة هي الحل»، و«تغيير العالم»، و«الشارع المصري والفكر»، «الإبداع والمشروع الحضاري».. إلخ.
والحق أن الكتابة عن هذه الباقة من الكتب يطول ويحتاج إلى دراسات جادة بعيدة عن منطق المشاكسة، بل وتحتاج إلى صياغة فكرية بما يتفق ويستجد في الحياة العربية المعاصرة في أعقاب ثورة المعلومات والاتصال والهندسة الوراثية، وتداعيات مفهوم الشرق الأوسط الجديد على العديد من الأقطار العربية.
ولعمري فإن أمنية هذه المقالة وحلمها أن تكون قد قدمت استحقاقات حكاية جيل من أبناء الوطن العربي، مع المفكر أنور عبدالملك، تمهيداً لإغناء ثقافتنا العربية بكل من ثقافة الاعتراف بالآخر، والتعددية السياسية والفكرية، فهي عنده شرط الحوار الاجتماعي الناجح، وأحد أهم عوامل التماسك الوطني والعربي، الذي يشكل بدوره الطريق إلى المحبة المجتمعية في الوطن العربي.