الإسلام يحب منا الوضوح والصدق والصراحة، ولا يحب النفاق ولا الكذب ولا الرياء، ولذا فإن المجاملة كلمة مطاطية تحتاج إلى شرح وإلى تفصيل، فربما تجامل أنت شخصاً في موطن يترتب فيه على مجاملتك إسقاط مال أو إثبات مال بغير وجه حق أو إثبات حق لا أساس له.
فالمجاملة في مثل هذه المواقف محرمة كما يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز في فتاواه لأنها تأخذ شكل الكذب والنفاق.
ففي صحيح البخاري عن عبدالرحمن بن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام «ويلك قطعت عنق صاحبك مراراً» ثم قال «من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل: أحب فلاناً والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم منه ذلك».
نعم.. لماذا قال له الرسول صلى الله عليه وسلم «ويلك» والويل واد في جهنم؟ وقال: «قطعت عنق صاحبك» أي قتلته بهذا المدح الذي حمل الكذب في باطنه؟
من الملاحظ أن المبالغ في المدح قد ينقلب إلى مبالغ في الذم لأن الكذب جائز عنده، وقد ورد في الأثر «من مدحك بما ليس فيك وهو راض عنك، ذمك بما ليس فيك وهو ساخط عليك».
ومن المعلوم أيضاً أن المجامل يورط نفسه أحياناً في شيء لا يريد أن يفعله، وعلى سبيل المثال يقول لصاحبه: تفضل ادخل وتغد معنا والغداء جاهز، أو يقول له: هذا الشيء أنا أعمله لك وأنت تستاهل أكثر، فيصدقه الشخص فيدخل بيته أو يحول عليه الأمر.
وعندئذ عندما يجد المجامل نفسه في ورطة يحاول أن يتخلص من ورطته فيجامل أي يكذب بمجاملة أشنع فيهرب من المكان أو من المسألة ووجهه أسود ،ولذلك قال ابن عثيمين «من قال لك تفضل حياء تحرم عليك إجابته».
ويدخل في باب المجاملة المحرمة ما يفعله بعض الناس في المناسبات فيقدم هدية أو يقول كلمة تهنئة أو غير ذلك ولكن بما يخالف دين الإسلام، ويقول: قلت هذا أو فعلته مجاملة لا اعتقاداً.
والحقيقة أن المحرم واضح وصريح لا يقبل المجاملة، فلا مجاملة فيمن يجلس مع قوم يشربون الخمر فيشرب معهم من باب المجاملة، أو يدخل على قوم يرتكبون الفاحشة فيشاركهم في الفاحشة من باب أنه جاملهم.
نعم.. قد تجبر على أن تنطق بكلمة الكفر فتنطق لتخلص نفسك من العذاب كما حصل مع عمار بن ياسر حيث أجبرته قريش على أن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وكان تحت التعذيب، فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: «وكيف تجد الإيمان في قلبك؟» قال: كالجبل يا رسول الله، فسمح له الرسول بأن ينطق بكلمة الكفر ويتخلص منهم، وهذه الرخصة كانت رخصة قولية لا فعلية وكانت بعد استنفاد كل السبل.
أما ونحن نرتكب المعصية طواعية مجاملة لفلان فلا يصح بالاتفاق، لأن في ذلك تشبهاً به والله تعالى يقول «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» وقد لوحظ أيضاً أن بعض الأشخاص يماري ويرائي وينافق أكثر مما يتوقع منه مسؤوله، وفي مثل هذه الحالة فإن الذنب مضاعف لأنه يرتكب المعصية برضاه هو وليس خوفاً من المعاقبة أو المحاسبة أو اللوم.
وقد قيل بأن عبيد الله بن زياد دخل على يزيد بن معاوية برأس الإمام الحسين رضي الله عليه ورمى رأسه الشريف وقال: لقد أتيتك برأس عدو الله، وورد في بعض الروايات أن يزيداً بكى عندما رأى ذلك المشهد وقال «أنا ما أردت أن تفعل به مثل فعلتك» وكأنه تأثر لما رأى قسوة أشد من قسوته هو.
إن صحت هذه الرواية يكون ابن زياد قد بالغ في الإساءة أكثر من يزيد وكان بإمكانه ألا يسيء إلى الحسين وهو يعلم من هو الحسين، ولكنه فعل فعلته الشنعاء لينال رضاه أكثر، فالمهم أن المجاملة التي تؤدي إلى المعصية مرفوضة في الإسلام.
حكم المجاملة في الإسلام
13 أبريل 2018 05:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 أبريل 05:27 2018
شارك
د. عارف الشيخ