د. عارف الشيخ

اختلف المتشددون والمعتدلون في حكم الوقوف عند عزف السلام الوطني، كما هو العرف المتبع اليوم في كل الدول عربياً وإسلامياً ودولياً.
قال المتشددون: إن الوقوف عند عزف السلام الوطني يعني تحية العلم، والتحية بمعنى التعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لله تعالى، ثم استشهدوا بالتحيات التي نقرؤها في التشهد فنقول: «التحيات لله»، وفسرت التحيات هنا بأنها كل التحيات.
إذاً لا تقسم التحيات عند المتشددين إلى جائزة وغير جائزة، لأن التحيات عندهم بمعنى التعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لله جل في علاه، وقد ذهب إلى هذا القول معظم علماء السلف في المملكة العربية السعودية وعلى رأسهم الشيخ عبدالعزيز بن باز، رحمه الله، الذي قال: «لا يجوز للمسلم القيام إعظاماً لأي علم وطني أو سلام وطني، بل هو من البدع المنكرة التي لم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الخلفاء الراشدين من بعده، لأنه ينافي التوحيد، وفيه تشبه بغير المسلمين».
وأما المعتدلون، كعلماء مصر وغيرهم، فإنهم قالوا: إن العلم رمز الدولة، ورمز الدولة يجب أن نحترمه، وقد قال الدكتور أحمد محمود كريمة أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، إن دار الإفتاء المصرية مع الجواز.
واستشهد الدكتور على قيمة رمزية العلم ووجوب احترامه بما حدث في العام الثامن من الهجرة، حيث أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم، جيشاً إلى الشام لقتال الروم في غزوة مؤتة أو موقعة مؤتة، وجعل زيداً بن حارثة أميراً على الجيش، وقال: «عليكم بزيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة»، ودارت معركة رهيبة بين الفريقين عند مؤتة، واستشهد زيد بن حارثة، فأخذ عندئذٍ الراية جعفر، ومضى يقاتل في شجاعة وإقدام وسط صفوف الروم، وظل يقاتل حتى قطعت يمينه، فحمل الراية بشماله، فقطعت هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد.
يقول الدكتور كريمة معلقاً على هذا الحديث: «وهذا دليل على أن العلم له قيمة واحترام، لأنه يمثل الدولة ووحدة الصفوف».
ويقول الدكتور محمد أبوليلة أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر: «إن تحية العلم والوقوف عند عزف السلام الوطني للدولة أمر حسمته أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، وأكدت أنه لا مانع شرعاً من ذلك، لأنه ليس من باب تعظيم غير الله عز وجل، ولكن من قبيل إبراز الانتماء الوطني وحب الأوطان، وهذا لا يخالف الشريعة الإسلامية».
كما أن تحية علم أي دولة، والوقوف عند عزف السلام الوطني لتلك الدولة، وسيلة لتقوية العلاقات بين الدول، وتركه يفسر بأنه قلة احترام، وذلك يؤدي إلى الخصام والشحناء وشق الصف.
نعم.. والذوق العام يدعونا إلى احترام العرف، طالما هو من قبيل العادات بين الدول، والعرف أصل من أصول الشريعة الإسلامية.
وقد أخذت بهذه الفتاوى الشرعية الصادرة عن قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية في دولة الكويت، حيث إنها ترى أن الوقوف للسلام الوطني عرف جرت عليه الدول احتراماً للدولة وتقديراً لمسيرتها.