أصبحت حكومة عبدالإله بنكيران وجهاً لوجه أمام تحديات كثيرة عليها التعاطي معها بالكثير من المرونة والسرعة، فهي وإن كانت على وعي تام بأنها تستلم إدارة شؤون البلاد في دفقة الربيع العربي فإنها بالرغم من ذلك لم تكن على علم كاف بحجم الصعوبات المتشابكة التي يمكن أن تجابهها بصدد تسيير الشأن العام، وطريقة الإدارة التي تريدها، وهي في الغالب لا تحظى بموافقة مكونات الطيف السياسي ودون ما يطرحه الدستور الجديد الذي قرن في أحد بنوده المسؤولية بالمحاسبة .

اتباع منهاج عفا الله عما سلف الذي يستند إليه رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران، في معالجة جذور الفساد المستشري في دواليب الإدارة المغربية، كان مخيباً للآمال، وبدا وكأن الشعارات التي رفعها حزب العدالة والتنمية قبل دخوله للحكومة وأيام عمله في المعارضة، مجرد شعارات للاستهلاك الانتخابي سرعان ما تراجع عنها الحزب وهو لم يقض بعد أكثر من ستة أشهر في الحكم، وكأن طي صفحة الماضي الإداري والتدبيري والمالي، نقطة في مسلسل الاستسلام أمام صف الفساد العتيد ورضا بالأمر الواقع وتدبير ما يمكن أن يدبر في حدود الممكن والمتاح .

لقد بدا واضحاً تماماً أن فريق بنكيران التي يشرف على عدد من الوزارات الحساسة يفتقد إلى الخبرة اللازمة وتعوزه التجربة، ولا يمتلك العمق الإقليمي والدولي المفروض أن يتوفر في كوادره، فالعلاقات مع الجارة إسبانيا تتأرجح بين مد وجزر وحلقة الوصل مع فرنسا مقطوعة بعد وصول الاشتراكيين إلى الحكم والعلاقات مع بلدان الربيع العربي لا يمكن التعويل عليها في الفترة الراهنة بسبب انشغال هذه البلدان بترتيب بيوتها الداخلية، في حين أن الترويج لالمنتوج التركي غير مفيد للمغرب، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الشراكة الاقتصادية القوية مع أوروبا كبعد استراتيجي .

ارتكاب المحظور

لقد كان قرار صندوق النقد الدولي بمنح المغرب قرض خط الائتمان من المخاطر بقيمة 2،6 مليار دولار أمريكي يمكن استعمالها خلال مدة سنتين بداية دالة على تراجع حكومة بنكيران عن عدم الاستدانة من البنوك الأجنبية وخضوعها للأمر الواقع، وإقرارها بأن الأزمة وصلت إلى الاقتصاد المغربي .

وبدأت التعليقات منذ الآن تتوالى حول هذا القرض الثقيل الذي لجأ إليه المغرب، والذي من شأنه أن يثقل كاهل ميزانية المغرب ويرهن اختياراته في السنوات المقبلة، ومن أبرز التعليقات أن الدولة لعبت في وقت الأزمة الاقتصادية دور الإطفائي، لكن هذا الإطفائي يوجد نفسه اليوم في وضعية صعبة، وترى الانتقادات أن مسبباتها الوضعية التي يعيشها الاقتصاد المغربي اليوم، هي نتيجة حتمية للسياسات المالية غير المسؤولة التي اتبعتها الدولة . فالزيادة الكبيرة في أسعار المحروقات التي أقدمت عليها حكومة بنكيران، والتي قبلها المغاربة على مضض، لم يكن لها أن تحل المشكلات المالية المتفاقمة، وهذا أمر في غاية الأهمية، لما سيكون عليه الأمر من انعكاسات على المدى القريب في توجيه القرارات الحكومية ودرجات الإنفاق عليها .

كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي، أكدت في تعليلها منح هذا القرض الكبير للمغرب أن السياسات الاقتصادية الصلبة للمغرب والإصلاحات الهيكلية التي انخرط فيها أسهمت في تحقيق نتائج اقتصادية صلبة، وخاصة على مستوى النمو المرتفع والتضخم المنخفض والنظام البنكي المرن، حيث مكّنت هذه التوجهات المغرب من تقليص الانعكاسات السلبية للأزمة العالمية والاستجابة للحاجيات الاجتماعية الضاغطة .

ووافق صندوق النقد الدولي على تقديم هذا الخط للمغرب بعد أن ظهر أن المغرب تضرر من ارتفاع تكاليف الطاقة وغياب الاستقرار في المنطقة وتفاقم أزمة منطقة اليورو .

وفي السياق نفسه، أكدت وزارة الاقتصاد والمالية، أن هذا الخط الائتماني الوقائي يعتبر من بين الآليات الجديدة التي أحدثها صندوق النقد الدولي، لتمكين البلدان التي تنهج سياسات اقتصادية سليمة من مواجهة المخاطر المحتملة المرتبطة بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية .

سياسة استباقية

أكد بلاغ لوزارة الاقتصاد والمالية أن ولوج المغرب لهذا الخط، يندرج في إطار السياسة الاستباقية المتبعة، من طرف الحكومة من أجل توفير احتياطيات احترازية، من الممكن استعمالها عند الاقتضاء لمواجهة المخاطر المحتملة المتعلقة بميزان الأداءات .

وبالرغم من المناعة التي برهن عليها الاقتصاد المغربي والقدرة التي اكتسبها، حسب وزارة المالية، حتى الآن في التصدي لتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، فإنه يبقى معرضاً للصدمات الخارجية في حالة تدهور الظرفية الاقتصادية العالمية وخاصة تلك المرتبطة بالانكماش الذي تعرفه منطقة اليورو وبارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقية .

وأبرزت الوزارة أنه نظراً لمتانة الاقتصاد المغربي ونجاعة السياسات المتبعة من طرف السلطات العمومية، فإن المغرب يعتبر من البلدان المؤهلة للاستفادة من هذا الخط الائتماني، موضحة أنه من شأن حصول المغرب على خط الوقاية والسيولة أن يطمئن المستثمرين والشركاء الماليين الأجانب وكذا وكالات التصنيف الدولية حول الآفاق الاقتصادية والمالية لبلادنا، ويساعد على تعبئة تمويلات خارجية في الأسواق المالية الدولية بشروط ملائمة، كما يمكن من توفير احتياطيات احترازية يمكن استعمالها إذا دعت الضرورة إلى ذلك .

تحرك سريع

وبالعودة إلى مجريات الأشياء وتطورها، فإن خطاب الملك محمد السادس في عيد العرش قدم تنبيهاً إلى حكومة عبدالإله بنكيران بضرورة التحرك السريع قبل أن تحكم الأزمة قبضتها على الاقتصاد الوطني، وذلك عبر الإسراع في مباشرة إصلاحات ناجعة والتصدي بسرعة للمشكلات الاقتصادية والبحث عن التمويل اللازم لتنفيذ تعهدات الحكومة الاجتماعية والسياسية تجاه المواطنين المغاربة .

وهذا لن يتم إلا من خلال توفير شروط التكامل بين مختلف الاستراتيجيات القطاعية واعتماد آليات لليقظة والمتابعة والتقويم تساعد على تحقيق التناسق فيما بينها، وقياس نجاعتها، وحسن توظيف الاعتمادات المرصودة لها، مع الاجتهاد في إيجاد بدائل للتمويل من شأنها إعطاء دفعة قوية لمختلف هذه الاستراتيجيات .

وكان نزار بركة وزير الاقتصاد والمالية قد كشف الأسبوع الماضي خلال عرض ألقاه أمام لجنة المالية والقطاعات الإنتاجية بمجلس النواب، عن أرقام ومعطيات مخيفة تتعلق بوضعية الاقتصاد المغربي خلال الستة أشهر الأولى من عمر حكومة بنكيران، مؤكدا تراجع معدل النمو وارتفاع معدل البطالة وتفاقم النقص في السيولة النقدية وتدهور القطاع السياحي .

واعترف بركة بالصعوبات التي تواجه الاقتصاد المغربي نتيجة تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية وخاصة بمنطقة اليورو التي تعرف تقلبات في أسعار المواد الأولية وأسعار الصرف .

وأكد أن نسبة النمو حسب تقديرات وزارة الاقتصاد والمالية لسنة ،2012 لن تتجاوز 4 .3 في المئة، مشيراً إلى أن إنتاج الفوسفات سجل تراجعاً بنسبة بلغت ناقص 1 .9 في المئة، مقارنة مع السنة الماضية، التي بلغت 4 .5 في المئة، إضافة إلى تراجع القطاع السياحي ب 6 .1 مقارنة مع السنة الماضية، والمغاربة الذين يقيمون بالخارج ب 8 .،1 فيما تراجعت نسبة السياح الأجانب الوافدين على المغرب ب 6 في المئة وارتفاع السياحة الداخلية 13 في المئة .

وعرفت البطالة ارتفاعاً خلال الستة أشهر الأولى من عمر الحكومة، حسب الوزير، فقد ارتفعت من 1 .9 في المئة خلال الفصل الأول من السنة الماضية إلى 9 .9 خلال الفترة نفسها من هذه السنة، حيث انتقلت في المجال الحضري من 3 .13 إلى 4 .41 في المئة، وارتفعت معه بطالة الشباب من 9 .18 إلى 9 .20 في المئة، وعلى مستوى حاملي الشهادات بنسبة 9 .19 عوض 8 .17 في المئة من الفترة نفسها من السنة الماضية .

وبخصوص السيولة النقدية، أشار وزير الاقتصاد والمالية إلى أنها تعرف تفاقماً كبيراً في الخصاص والذي حدده في 4 .60 مليار درهم مع تراجع حجم الموجودات الخارجية (العملة الصعبة)، وهو ما اعتبره الوزير يشكل خطراً على الاقتصاد الوطني، مؤكداً أن توقعات التضخم لسنة ،2012 بلغ 1 في المئة، وسيصل إلى 5،1 في المئة مع نهاية السنة . وعلى مستوى العجز التجاري فقد ارتفع إلى قرابة 100 مليار درهم في ستة أشهر، حيث أسهم ارتفاع الفاتورة ب 80 في المئة التي وصلت إلى 49 مليار درهم، ولم تتجاوز تغطية المداخيل سوى 6 .52 من العجز التجاري مقابل 2 .56 في المئة، خلال النصف الأول من السنة الماضية، فيما سجل تراجع الموجودات الخارجية الصافية لدى بنك المغرب بحوالي 30 مليار درهم مقارنة مع نهاية سنة ،2011 مما قلص من مستوى تغطية هذه الموجودات لواردات السلع والخدمات .

وبدورها شهدت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج تراجعاً كبيراً ب 6 .4 في المئة، في حين أن الاستثمارات الخارجية عرفت تطوراً مهماً بارتفاع ب 6 في المئة أي ما يصل إلى زيادة ب 811 مليون درهم، أما في ما يتعلق بتنفيذ ميزانية ،2012 فسجل الوزير تباطؤاً في إنجاز نفقات الاستثمار معتبرا ذلك أمرا غير إيجابي، مشيراً إلى أن دين الخزينة يسهم في انخفاض نسبة الناتج الداخلي الخام في مستويات أقل من 60 في المئة .

شارع معارض

أمام اشتداد الخناق على الاقتصاد الوطني وتدني هامش الحلول، يجد بنكيران نفسه، أمام معارضة تتنامى يوماً عن يوم لسياسات حكومته، وأمام إحراج شديد بخصوص تعهداته السابقة التي قطعها على نفسه، وعلى رأسها محاربة الفساد .

فعزمه اتباع سياسة عفا الله عما سلف خوفاً من مطاردة الساحرات وحتى لا يجري إشاعة الفزع في وجه رجال المال والأعمال والحيلولة دون تهريب الرساميل الكبرى إلى الخارج، دفع بنكيران إلى تقديم تنازل مبدئي قاتل، وهو استعداده لطي صفحة الماضي وعدم محاربة المفسدين على شرط البدء من جديد، وهذا خيار لا يتلاءم مع السياق المغربي، ذلك أن وصول بنكيران إلى الحكم لم يكن بسبب ثورة شعبية ولا نتيجة لانهيار بنية الدولة، بل جاء عن طريق التباري الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي لا يحق له، كما تقول القوى المناهضة له في التخلي عن واجبه في حماية المال العام ومحاسبة المتورطين، مهما كانت الأسباب .

وفي هذا الإطار دعت هيئة لحماية المال العام عبدالإله بنكيران إلى الاستقالة من منصبه، عقب تصريحات أدلى بها، أكد فيها أنه سينهج سياسة عفا الله عما سلف في التعاطي مع ملفات الفساد المالي .

وهاجم المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، في بيان له، تصريحات رئيس الحكومة بالعفو عن ناهبي المال العام وعدم متابعتهم قضائياً .

وعاب عليه الحزب الصلاحية التي منحها رئيس الحكومة لنفسه بالعفو عن ناهبي المال العام الذين ارتكبوا جرائم فظيعة في حق الشعب المغربي وأجياله، وتسببوا في إفلاس مؤسسات عمومية ونهب ميزانيات العديد من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واستولوا على آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية والعقارات، وأسهموا في تخلف البلاد وتوسيع دائرة الأمية والجهل والفقر والأمراض .

وأكد الحزب أن تصريحات بنكيران تتناقض مع مضمون التصريح الحكومي الذي تضمن مجموعة من النوايا لمحاربة الفساد ويندرج في إطار سياسة الإفلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية، وطالب الحكومة باسترجاع الأموال المنهوبة واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والإدارية لتطهير المؤسسات العمومية من الفساد والمفسدين .

وكانت الشبكة المغربية لحماية المال العام قد دعت عبد الإله بنكيران إلى الاستقالة من منصبه بعد إقراره الضمني بفشله في محاربة لوبيات الفساد، وتصريحاته التي أكد فيها أنه سيتبع سياسة عفا الله عما سلف في ما يتعلق بالاختلالات المالية التي عرفها العمومي وعدم متابعة ناهبي المال العام .