في الأسبوع الماضي فاجأ رئيس مجلس النواب في لبنان نبيه بري الوسط السياسي والإعلامي اللبناني بتصريح فحواه أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بدأت تأكل بفعل أدائها من رصيد الأكثرية الحالية في لبنان .
عنصر المفاجأة يتمثل في أمرين اثنين، الأول أن الرئيس بري يفيد بكلامه هذا دوراً عرف به منذ انطلاق الحكومة الحالية، وهو دور المدافع بشراسة عن هذه الحكومة المسارع إلى كسح الألغام التي تزرع أمامها وما أكثرها، حتى أن بري صار جزءاً أساسياً من جبهة الحكومة وصمام الأمان لها والاحتياطي الجاهز دوماً لدفعها إلى الأمام، حتى ولو اضطره الأمر إلى ممارسة الضغوط على حلفائه سواء حزب الله أو التيار العوني، كما حصل في مناسبات ومحطات متعددة، في سيرة هذه الحكومة، الثاني: أن كلام بري المفاجئ أعطى انطباعاً وكأن هناك مرحلة جديدة من عمر هذه الحكومة الميقاتية مؤداها أنها دخلت طور الصراعات والخلافات الحادة بين مكوناتها مما يطرح جدياً مسألة قرب انفراط عقدها وبالتالي إفساح المجال لسواها لكي تمسك بزمام الحكم والإدارة في البلاد .
هناك جو من الخلافات والتباينات في داخل هذه الحكومة اللبنانية حول العديد من الملفات والقضايا الحياتية والخدماتية السياسية قد برزت في الآونة الأخيرة على نحو جعل هذه الحكومة في وضع القاصر عن الانتاجية والتجاوب مع مطالب شرائح واسعة من المواطنين وهي مطالب متراكمة ومزمنة ولعل في مقدمها تأمين الطاقة الكهربائية إضافة إلى موضوع تداعيات الحدث السوري على الساحة اللبنانية وتأثيرات هذا الحدث لجهة تغذية الانقسام اللبناني القديم ورفع حدة السجال بين ما صار يعرف بقوى 8 آذار و14 آذار، لاسيما أن كلاً منهما أخذ خياراً مناقضاً تماماً للآخر في شأن هذا الحدث، إذ وقف الأول صراحة مع نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا ورُهن على صموده وتجاوزه الأزمة فيها . بينما أعلن الثاني وقوفه إلى جانب المعارضة السورية واعتبرها ثورة شعب يتعين مناصرته وتقديم واجب الدعم له .
إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن صرخة بري التي آثر البعض أن يصفها بالانتفاضة على حكومة كانت دائماً نصيرها الأول إنما تتصل بثلاثة أمور:
* الأول: أن بري يعلن صراحة اعتراضه القوي على تأخر الحكومة في إقرار المراسيم العائدة إلى هيئة إدارة قطاع النفط . ولم يعد خافياً في بيروت أن بري يركز جل اهتماماته على هذا الموضوع ويعد إقراره بمثابة إنجاز تاريخي سعى إليه منذ زمن لكن ثمة خلافات وعراقيل إدارية تحول دون تحوله إلى مراسيم ناظمة .
والمعلوم أن بري كان أبلغ من يعنيهم الأمر منذ زمن بأنه سيبدأ في فتح أبواب المواجهة مع الحكومة ما لم تسارع في إقرار هذه المراسيم من خلال إخضاعها لجلسة استجوابات في مجلس النواب .
* الثاني: أن بري يلتقط فعلاً مسألة النقمة الشعبية على أداء الحكومة والتي تصاعدت في الآونة الأخيرة بعد انفجار ما صار يعرف بأزمة المواد والسلع الفاسدة التي يضطر المواطنون في لبنان إلى استهلاكها لغياب الرقابة الحكومية اللازمة ولتقصيرها عن القيام بالمهمات المنوطة بها في هذا المجال، وبالتالي يبعث برسالة إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي فحواها بأن ثمة مرحلة جديدة يتعين التعاطي معها . فليس سراً في بيروت أن حكومة ميقاتي عاشت طوال السنة الأولى من عمرها تحت وطأة الحدث السوري وتداعياته وتوالي فصوله، إذ تحت حجة النأي بالنفس من الحدث السوري تغاضت عن كثير من الأمور والأحداث وأغمض حلفاء سوريا الذين يشكلون الأكثرية في داخل هذه الحكومة عيونهم عن كثير من القضايا التي كانوا يرون أنها ليست وفق توجهاتهم ولكنهم كانوا يقبلون بإمرارها أو ضرب الصفح عنها تحت عنوان المرض داهم بالنسبة لهم وهو المحافظة على الاستقرار في لبنان واعتباره أولوية على ما عداه .
وعليه فإن هذا الفريق السياسي وبعدما استشعر بأن رهاناته على صمود النظام في سوريا قد بدأت تعطي ثمارها، لاسيما أن العالم كله قد بدأ وبشخص المبعوث الدولي العربي كوفي أنان يفتح أبواب التفاوض مع رئيس النظام في سوريا، أراد أن يوجه رسالة مضمرة إلى ميقاتي فحواها بأن قواعد اللعبة التي قبل بها على مضض في السابق سيبدأ برسم خط اعتراضي عليها وسيشرع في إعلان رفضه لها وذلك من خلال التأكيد استهلالاً على مسألة إخراج الحكومة من أدائها السلحفاتي الذي وضعها في موقف المصرف للأعمال فقط وليس في موقع الحكومة التي تريد أن تضيف رصيداً إلى الفريق السياسي الذي ائتلف قبل عام ونحو ثلاثة شهور لتشكيلها لتكريس تجربة أساسية جديدة له . على أنقاض تجربة الفريق السياسي (14 آذار) الذي قيض له أن يشكل ثلاث حكومات متعاقبة منذ تاريخ استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وحتى مطلع العام المنصرم .
* الثالث: على رغم أن أحد أقطاب الأكثرية الراعية للحكومة (أي بري) يعطي لكلامه الأخير المفاجئ عن الحكومة انطباعاً إضافياً على أن حكومة ميقاتي بدأت تفتقد الحضن الراعي لها والواقي لها، وعلى رغم أن رموز فريق المعارضة (رموز قوى 14 آذار) قد رفعوا وتيرة حملتهم على هذه الحكومة وعلى قصورها وعجزها عن الإنتاج وغرقها في التناقضات بين مكوناتها قد أعطى لبعض المراقبين انطباعاً فحواه أن أيام هذه الحكومة قد صارت معدودة فإن كل المعطيات والمؤثرات الموضوعية توحي بأمرين اثنين:
أن طرفي النزاع في لبنان يمارسان من خلال تصعيدهما ضد الحكومة، سياسة عنوانها العريض ملء الفراغ وإثبات الذات والتحضير للمرحلة المقبلة كل من منطلق حساباته، خصوصاً أن الجميع ما برح غير متيقن من مآل الأوضاع في سوريا وهل هي تسير تماماً لمصلحة نظام الرئيس بشار الأسد أم أن ثمة مجالاً بعد للمفاجآت التي من شأنها أن تقلب المشهد السوري لمصلحة المعارضين أم أن الأمور تتجه نحو الاحتمال الأكثر سلبية وهو اندلاع ما يشبه الحرب الأهلية الطويلة الأمد في سوريا، وهو أمر له حساباته واحتمالاته المتعددة في الساحة اللبنانية .
إن طرفي النزاع في الداخل والرعاة الإقليميين والدوليين للوضع في لبنان يتقاطعون جميعاً على مساحة مشتركة وهي ضرورة بقاء الحكومة الحالية في لبنان وعدم دفع الأمور في اتجاه إسقاطها لأن مصلحة الجميع عدم إدخال الساحة اللبنانية في الفراغ وفي الفوضى لاعتبارات وحسابات متعددة .
وبناءً على ذلك لم يكن كلاماً مفاجئاً ذلك الذي أطلقه مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط جيفيري فيلتمان أمام جمهرة من اللبنانيين الذين احتفلوا في العاصمة الأمريكية بذكرى 14 مارس/آذار عندما قال إن على فريق 14 آذار أن يكمل الانتصار الذي حققه في عام 2009 إبان الانتخابات النيابية التي حقق فيها هذا الفريق أكثرية مريحة وبانتصار مماثل يعيد قلب الأوضاع في الساحة اللبنانية . هذا الكلام فسره كثير من المراقبين في بيروت على أنه بمثابة خريطة طريق لفريق 14 آذار للمرحلة المقبلة وعنوانه العريض أنه ليس أمامهم الآن سوى ملء الفراغ بالتي هي أحسن حتى العام المقبل حيث أمامهم فرصة أخرى لكسب الأكثرية النيابية مما يتيح لهم مجدداً تشكيل الحكومة وتنفيذ ما كانوا بدأوه في الساحة اللبنانية قبل أن تسقط حكومة الرئيس سعد الحريري في مطلع العام المنصرم . وحسب المراقبين أنفسهم فإن المهمة الأساسية بالنسبة لفريق 14 آذار لم تعد إسقاط حكومة الميقاتي الحالية كما أعلنوا سابقاً بل إن هذه المهمة تتركز على الأسس الآتية:
ترك هذه الحكومة تغرق في تناقضاتها وعجزها والحيلولة دون جعلها تحقق أي إنجاز ضخم يعتد به لاحقاً خصوصاً بالنسبة لبعض مكوناتها وفي مقدمهم التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشال عون .
أن يبقى الوضع الداخلي اللبناني على حاله من المراوحة، بحيث لا يشعر فريق 8 آذار أو الفريق الحليف للنظام في سوريا أن الساحة اللبنانية باتت ملك يمينه، وأن بمقدوره إدارة الأوضاع فيها وفق حساباته رغم أنه نجح هو في تشكيل الحكومة الحالية وله فيها الأكثرية المريحة .
أن الإدارة الأمريكية شريك أساسي في تكريس هذه المعادلة وفي ترسيخها من خلال نهج أساسي تسير عليه منذ زمن وهو التأثير في القطاع المصرفي والمالي وإشعاره أن رقبته تحت سيف مصلت هو سيف الرقابة والقدرة على التأثير فيه بشكل سلبي انطلاقاً من إدراكها أن هذا القطاع بات العماد الأساس للاقتصاد اللبناني .
لذا لم يكن مفاجئاً أن يحل في بيروت في الأسبوع الماضي مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون المال والإرهاب ديفيد كوهين وبالتالي يشدد خلال لقاءاته المكثفة فيها على مسألة أن لا تصير الساحة اللبنانية مجالاً لكي تفلت سوريا وإيران من العقوبات المالية والاقتصادية المفروضة عليهما من جانب العالم الغربي .
وإذا كانت معلومات الذين التقوا كوهين في العاصمة اللبنانية قد أشارت إلى أن الرجل لم يحمل معه أي جديد دراماتيكي أو لم يبلغ المسؤولين اللبنانيين أية تعليمات جديدة باستثناء التأكيد على ما سبق وأبلغته الإدارة الأمريكية للبنان بضرورة الالتزام بموجبات العقوبات المالية على سوريا، فإن ثمة معلومات أشارت إلى أن كوهين ذكر الذين التقاهم بما حل قبل فترة بالبنك اللبناني - الكندي بفعل الإجراءات والعقوبات المالية الأمريكية بحق هذا المصرف الذي كان في حال جيدة، فإذا به وبين عشية وضحاها يزال عن لائحة المصارف في لبنان ويباع بأبخس الأثمان، ما جعل القطاع المصرفي اللبناني يعيش على أعصابه لفترة من الوقت فيسارع هو قبل أشهر قليلة على سبيل المثال لتمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كي يتلافى أية عقوبات أو ضغوط أمريكية - غربية عليه وعلى الساحة اللبنانية عموماً . ويبقى أن ثمة ثغرة كبيرة يعانيها هذا الفريق مستجدة نوعاً ما . وتتجلى في مواقف البطركية المارونية بشخص البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي التي يراها البعض أنها غير مؤاتية لمصلحة فريق 14 آذار ويمكن أن تؤثر لاحقاً على مجرى الوضع السياسي في الساحة اللبنانية عموماً والساحة المسيحية خصوصاً . فالمعروف أن هذا المرجع الديني الأعلى للمسيحيين في لبنان، الذي احتفل بالأمس بالذكرى الأولى لاعتلائه سدة منصبه في بكركي أخذ مواقف مناقضة تماماً لسلفه البطريرك السابق نصرالله بطرس صفير، فبدا أكثر انفتاحاً على قوى 8 آذار وكان له خطاب مضاد صراحة للربيع السوري . ولم يتورع عن الانفتاح على النظام في سوريا، وهو سلوك بدا أكثر قرباً لنهج العماد ميشال عون وحلفائه على الساحة المسيحية ما ترك انطباعاً فحواه أنه مع استمرار البطريرك الراعي في هذا الدور وفي هذا الخطاب وبما ترك انعكاسات سلبية لاحقاً على الوضع في قوى 14 آذار في الشارع المسيحي خصوصاً في الانتخابات المقبلة .
وعليه فقد تولى زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الآونة الأخيرة في شن هجوم سياسي مضاد وعليه فبدا كأنه بشّر في تنفيذ خطة جديدة للمواجهة قبل فوات الأوان . وفي كل الأحوال فالواضح أن الرئيس ميقاتي بدأ في الآونة الأخيرة يختط لنفسه خط سير مميزاً عن رفاقه في الأكثرية وفي الأقلية على حد سواء، فهو على سبيل المثال وليس الحصر أعلن أنه في صدد الاعتراض التام على خطة دعم التيار الكهربائي من خلال استئجار بواخر في البحر لتأمين إمداد لبنان بالكهرباء ريثما يتم تأهيل معملين أساسيين يملكهما لبنان ويؤمنان التغذية الأساسية له من الطاقة (معملا الذوق والجيه) . وبالتالي فهو في صدد العودة إلى عرض قُدّم له من شركة جنرال إلكتريك الأمريكية لإنشاء معامل توليد الطاقة جديدة مع فارق بعض الوقت . وهذا الأمر إن تحقق فإن ثمة من يخشى أن تكون بداية مواجهة جديدة له من ثلاث قوى شريكة له في الحكومة مازالت تتبنى وتدافع عن خطة استئجار البواخر المولدة للطاقة .
في غضون ذلك نجح لبنان خلال الأيام القليلة الماضية في تلافي نشوب أزمة بين الجيش اللبناني ومخيم عين الحلوة على خلفية مطالبة السلطات اللبنانية بتسليم مطلوب مختبئ في المخيم بتهمة تشكيل خلية سلفية في الجيش اللبناني تم رصدها قبل فترة . وما زاد في حزم الأمور صدور أصوات كان أبرزها من سمير جعجع الذي طالب باقتحام مخيم عين الحلوة، أكبر التجمعات السكنية الفلسطينية في لبنان، على غرار ما حصل قبل نحو أربعة أعوام مع مخيم نهر البارد في شمال لبنان ما ولّد ردة فعل سلبية في داخل المخيم عين الحلوة المكتظ تمثل في تظاهرة نفذها بعض سكان من المخيم عند حاجز للجيش اللبناني على مدخل المخيم ورشق عناصره بالحجارة .
وقد نتجت الاتصالات المكثفة التي جرت على أكثر من مستوى في ضبط الوضع واعادة الأمور إلى مجاريها والحيلولة دون تفاقمها . وفي كل الأحوال كان واضحاً أن قيادة الجيش اللبناني قد سعت إلى تمييز نفسها وحراكها من خلال جولة قام بها قائدها على مواقع الجيش على الحدود اللبنانية- السورية، واطلاقه كلاماً أكد فيه مجدداً رفضه أي تهجم سياسي على الجيش ودوره، كما أكد إصرار الجيش على القيام بمهمته في ضبط الوضع على الحدود عبر وضع حد للشكوى السورية المتكررة حيال تهريب السلاح للمسلحين إلى الداخل السوري، ما يؤدي إلى إغراق لبنان أكثر فأكثر بتفاصيل الحدث السوري في وقت استمر فيه تدفق اللاجئين السوريين إلى الأراضي اللبنانية وارتفاع عددهم إلى ما يزيد على العشرة آلاف لاجئ وسط شكوى من جانب قوى 14 آذار، وتحديداً بعدم قيام الحكومة الحالية بدورها في تقديم المساعدات لهم .
وفي كل الأحوال مازالت الساحة اللبنانية ساحة الصراخ العالي والحراك الذي وإن كان يشد الأعصاب فإنه لا يدعو حتى الآن للخوف والهلع .