حين نخوض في التاريخ العربي، لا بدّ أن يكون لحلب الشهباء في الشمال السوري النصيب الأكبر، لأنها شكّلت منذ بداية نشوئها قبل الميلاد بقرون أهمية تجارية وصناعية، واشتهرت بالطرز المعمارية الفريدة، وشهدت عبر الزمان أنواع الفنون والثقافة التي تنقل صورتها حالياً منطقة حلب القديمة الواقعة ضمن سور نصف قطره 5 كيلومترات، وفي مركزها قلعة حلب على تل مرتفع مشرف على أحياء المدينة .

تقديراً لتاريخ هذه المدينة الطويل أعلن في العام 1986 أنها جزء من التراث العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة، واعتبرتها منظمة اليونسكو مدينة تاريخية، وأسهمت مكانتها التاريخية في اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية في العام 2006 . كل ذلك كان له دور في أن تكون حلب أكبر مدن سوريا مساحة وأكثرها سكاناً .

ذكر اسم حلب في العديد من الوثائق التاريخية وبأسماء متعددة أما اسمها الحالي حلب فقد أطلق عليها خلال زيارة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل إليها في القرن التاسع عشر قبل الميلاد . وبحسب ما يذكره بعض المؤرخين القدماء والمعاصرين هناك ارتباط وثيق بين الاسم الحالي لمدينة حلب وزيارة النبي إبراهيم عليه السلام إليها، وعن ذلك يقول المؤرخ الشيخ كامل الغزي في الجزء الأول من كتابه نهر الذهب في تاريخ حلب: قيل إنها سميت حلب الشهباء حينما كان (إبراهيم عليه السلام) مقيماً في تل القلعة، ويحلب كل يوم بقرة شهبا،ء ويوزع لبنها على العرب المقيمين في جواره، وهذا الوجه في تسميتها هو المشهور عند أكثر الحلبيين على أنه قد يكون له من الصحة .

ويظهر ماضي حلب المجيد في فن العمارة وأوابدها التاريخية الكثيرة في قلعتها الشهيرة، والبيوت القديمة، وأبوابها وأسواقها التقليدية التي تعد من أعرق أسواق الشرق، إضافة إلى كنائسها ومساجدها والخانات والمدارس الدينية والحمامات، والبيوت التي تتميز بواجهاتها الحجرية والمدارس .

الثالثة تجارياً

وجود المدينة أساساً كان معتمداً عبر العصور على موقعها المهم على طرق التجارة بين الهند والصين وبلاد الشام والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، إذ كانت حلب المدينة الثالثة من حيث النشاط التجاري في العهد العثماني بعد اسطنبول والقاهرة، لكن بدأت مكانتها بالتراجع بعد انهيار الدولة العثمانية .

وقد اشتهرت حلب قديماً بصناعاتها ذائعة الصيت منذ زمن بعيد، إضافة إلى الثقافة والفن والأدب، والفولكلور، والموسيقى والحرف اليدوية . ولا تزال ذاكرة أبناء حلب تحفظ الصناعات اليدوية العريقة في أجزاء حلب القديمة، كالحفر والنقش على الزجاج والصناعات النحاسية، وتعد إلى الآن مركزاً مهماً لمشغولات الذهب والصياغة والأحجار الكريمة . كما تتمتع بعوامل ومقومات كثيرة في مجال السياحة بفضل انتشار الأماكن الأثرية بكثرة فيها، كالقلاع والمتاحف والأديرة والكنائس والمساجد والأسواق الشرقية الشهيرة .

وتعد أبواب حلب جزءاً أساسياً مهماً من السور ومن ذاكرة المدينة، فقد كانت هذه الأبواب منفذ أهل حلب عبر السور المنيع الذي رد عنهم هجمات الغزاة على مر العصور، وعدد هذه الأبواب تسعة، اندثر منها أربعة وحوفظ على خمسة منها في المدينة القديمة، وهي باب الحديد، وباب انطاكيا، وباب النصر، وباب قنسرين، وباب الفرج، وباب المقام، وباب الجنان أو باب جنين كما يسمى باللهجة الحلبية، وباب الأحمر، وباب النيرب .

الأسواق والخانات

تحوي حلب أكبر سوق شرقى مسقوف في العالم، بمساحة كلية تصل إلى 16 هي كتاراً وبطولٍ يصل إلى 16 كيلومتراً، وتم تشييد معظم الأسواق القديمة في القرن الرابع عشر، وقد اكتسبت الأسواق أسماءها من أسماء الحرف والمهن المزاولة فيها، وأهمها أسواق وخان الحرير، وخان الشونة، والعطارين، والياسمين، والعتمة، والبهرمية، والحدادين، والعتيق، والصيّاغ، وسوق النسوان، السويقة . أما الخانات فهي خان الهوكيدون، وخان الجمرك، وخان الوزير، وخان البنادقة، وخان خيري بيك، وخان الشونة، وخان قاضي، وخان البرغل، وخان صابون، وخان النحاسين، وخان الزرب .

ومن أهم المباني الأثرية في المدينة قلعة حلب، التي شيدت فوق تل يرتفع نحو 50 متراً عن مستوى المدينة، ويعود تاريخها إلى الألف الأول قبل الميلاد، ويعود عدد من أجزائها الحالية إلى القرن الثالث عشر، وقد تأثرت هذه القلعة الصامدة بتعاقب الغزاة والكوارث الطبيعة، بخاصة زلزال العام 1822 .

وإضافة إلى قلعة حلب هناك المباني الأثرية التالية، المدرسة الحلاوية، والمكتبة العجمية، والمدرسة المقدمية، والمدرسة الظاهرية، والمدرسة السلطانية، ودار رجب باشا، وبيت جنبلاط، والمدرسة العثمانية، وبيت مرعش، وساعة باب الفرج، وبيت وكيل، وبيت أجقباش، وبيت غزالة، ودار زمريا، ودار باسيل، وبيت دلال .

الأماكن الدينية

يعد الجامع الأموي الكبير من الأماكن الدينية التي تشتهر بها حلب منذ القدم، حيث بني في العام 715 من قبل الخليفة الأموي وليد بن عبد الملك . يتضمن الجامع مزاراً للنبي زكريا، ويعود البناء بطرازه الحالي إلى عهد نور الدين زنكي الذي بدأ تشييده في العام 1158 لكنه تأذى بشدة أثناء الغزو المغولي في العام 1260 وتمت إعادة بنائه مجدداً، ويبلغ ارتفاع منارته 45 متراً، وتعد شاهداً على العمارة السورية في العصور الإسلامية، استغرق تشييد مئذنته من العام 1090 حتى العام 1092 على يد السلطان السلجوقي الأول قسطش، ولها أربع واجهات تتميز كل منها بشكل مختلف .

وتحوي حلب القديمة العديد من الأماكن الدينية الأخرى، وهي جامع الأطروش وجامع العادلية وجامع الطغاشي وجامع الصاحبية وجامع القيقان وجامع الصفاقية وجامع السفاحية وجامع النقطة وجامع التوتة وجامع الحسروية وكنيسة الأربعين شهيداً وكنيسة الشيباني ومتحف زارهيان كنيسة الأرمن الأرثودوكس، ومار راسيا الحكيم .

الفنون والثقافة

اهتم سيف الدولة الحمداني أمير حلب (915 - 967م) بالعلوم، وظهر في عصره عدد من الأطباء المشهورين، مثل عيسى الرَّفي المعروف بالتفليسي، وأبو الحسين بن كشكرايا، وأبوبكر محمد بن زكريا الرازي الذي كان أعظم أطباء الإسلام وأكثرهم شهرة وإنتاجاً، ومن أبرز الفلكيين والرياضيين الذين ظهروا في عصر الحمدانيين في بلاد الشام أبو القاسم الرَّقي والمجتبى الانطاكي وديونيسيوس وقيس الماروني، ولمع نجم عدد كبير من الفلاسفة والمفكرين الإسلاميين في بلاط الحمدانيين، مثل الفارابي وابن سينا . أما في مجال العلوم العربية، فقد ظهر ابن خالويه وأبو الفتح بن جني وأبو علي الحسين بن أحمد الفارسي، وعبدالواحد بن علي الحلبي المعروف بلقب أبي الطيب اللغوي .

كذلك لمعت أسماء عدد من الشعراء المعروفين، مثل أبي الطيب المتنبي وأبوفراس الحمداني والسري الرفاء والصنوبري، والوأواء الدمشقي، والسلامي والنامي . وظهر كذلك عدد كبير من الأدباء المشهورين، وفي طليعتهم أبو فرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني، وابن نباتة . وظهر أيضاً بعض الجغرافيين، مثل ابن حوقل الموصلي صاحب كتاب المسالك والممالك .

ولا تزال تشتهر حلب بأنواع العلوم والأدب، إضافة إلى الفرق الموسيقية الحلبية التقليدية التي تقوم بغناء الموشحات الدينية والقدود، ويواظب أبناؤها على إحياء تراثهم في حلب القديمة وإطلاع العالم على موروثهم التاريخي والإنساني، إضافة إلى حفاظها على طابعها الاقتصادي المشهود له منذ القدم .