«حلب» الموجوعة دوماً، المطعونة من الجميع، عرب وعجم وأتراك، المتآمر عليها والمتنازع فيها، المسفوح دم أبنائها والمهدور حقها. هي ليست مكاناً روائياً خلاباً فحسب، لكن ثمة دراسات نقدية تشير إلى أن المدينة السورية كانت موطن ومقر ميلاد الرواية العربية .
رأى بعض النقاد السوريين أنه «لا يمكن الحديث عن الرواية في حلب إلا من خلال وضعها في سياقها المكاني ضمن الرواية السورية، لأنها تستمد من نسقها وتعالج الموضوعات نفسها، كما أنّ أول رواية عربية صدرت لم تكن في مصر مع محمد حسين هيكل في روايته «زينب»، التي نشرها عام 1914، وإنّما انطلقت من حلب مع «فرانسيس المرّاش»، الذي أصدر روايته «غابة الحق»، عام 1865، ثم أتبعها برواية «در الصدف في غرائب الصدف»، عام 1872».
وتعددت الأسماء الروائية التي كتبت عن حلب، منها نضال الصالح وزياد كمال حمامي ومها حسن وغالية خوجة ونادر السباعي وبهيجة مصري إدلبي وابتسام تريسي وخالد خليفة. والأخير أصدر روايات عدّة، منها حارس الخديعة 1993، دفاتر القرباط 2000، مديح الكراهية 2006 التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر 2008، والقائمة الطويلة لجائزة الإندبندنت العالمية 2013، وترجمت إلى لغات عدّة، و«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» 2013، عن دار العين بالقاهرة، ثم عن دار الآداب ببيروت.
في الرواية التي تمتد إلى مئتين وستين صفحة، يتتبع السارد تاريخ حلب في نصف قرن، تحديداً منذ أحداث الثامن من آذار 1963، التي جرت في سوريا، بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، ضد ناظم القدسي وحكومة خالد العظم، عقب إنهاء الوحدة مع مصر، وكان من نتائجها إلغاء التعددية السياسية والاقتصاديّة وقيام دولة الحزب الواحد في سوريا. من هنا يقاوم السوري خالد خليفة «1964» الواحدية التي قضت على أحلام أهل المدينة، مجرياً عملية تبئير على أسر اكتشفت أن كل أحلامها ماتت وتحولت إلى ركام، متفقين مع الروائي السوري خليل صويلح في أن «حلب وحدها تبقى جوهر المجاز، في رفعتها القديمة، وحاضرها الرثّ».
في العام الذي شهدت سوريا فيه أحداث الثامن من آذار 1963، تولد الشخصية الرئيسية في رواية خليفة، وهي ذاتها الراوي العليم، فيما تبدأ أحداث مطلع القرن الحالي بموت القائد لتنصدم «الأم»، معلنة أن «القوة والبطش لا يموتان، مضيفة: دم الضحايا لا يسمح للطاغية بالموت، إنه باب موارب يزداد ضيقاً حتى يختنق القاتل!»، لتطلق بعدها الأحداث في فصول الرواية الخمسة «حقول الخسّ»، و«جثث متفسّخة»، و«عنق ملوكي وحذاء أحمر»، و«الأم الميتة»، و«طرق غامضة»، متناولة سير شخصيات مأزومة ك«سوسن» التي تحب «جان» مدرس اللغة الفرنسية، وتقاوم التماهي مع أمها التي تكرهها رغم أنها تردد بين الحين والآخر مفرداتها عن الموت، وتنخرط في «كتائب المظليات»، وكتابة تقارير عن زميلاتها، قبل أن تدرك حجم فجائعها، فتطفح الأمنيات بالعودة «امرأة نقية، غير ملوثة بالتقارير التي أودت برفيقاتها في المدرسة وعائلاتهم إلى التهلكة»، باحثة عن النسيان الذي يعرفه السارد ب«إعادة كاملة لرسم تفاصيل صغيرة مختبئة في مكان ما، لكنها في النهاية تفاصيل نظنها حقيقية، لا نصدق أنها وهم من أوهامنا». أمّا جان فيتجاهل سوسن وحبها بعد أن طالته أيادي الاستبداد، تاركة آثارها عليه، فيقرر الهرب.
تستند الرواية، التي حصلت على جائزة نجيب محفوظ 2013، إلى عنوان طويل نسبياً «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، وهي العبارة التي يرددها الرجل مع زوجته وأطفاله الأربعة «ألا توجد سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، في مفارقة بين انعدام وجود السكاكين بالمطابخ، الأمر اللازم لتحضير الطعام أي استمرار الحياة، وانتشار الموت في شوارع المدينة التاريخية، مما يدفع بالقول إلى أن «الموت حرقاً أشرف من انتظار الموت جوعاً».
الماضي هو الحاضر في عيون الشخصيات التي عانت سلسلة من الخيبات والهزائم والانكسارات، والتي تفتت وانشطرت وغرقت في المآسي والمصائر الميلودرامية، كما حال «حلب» المجبورة على الدخول في معارك من أجل البقاء شامخة، بينما استحال الغد إلى كابوس، فيستحيل الماضي ملاذًا من هول الواقع المكتوي بنار الحرب والطائفية، ف«تشرُد الأم وتنتقي كلمات مناسبة لحكايتها الأثيرة عن الماضي، تصف بحماس ثياب رفيقاتها الأنيقة وروائحهن العطرة المفعمة بالأمل، تستعرض صور متظاهرات يشبهن ثمار قطن غير مقطوف، ناصع البياض تحت شمس غاربة، تتابع مديحها للماضي، تستحضره بلذة منتقمة من حياتها الذليلة، تصف الشمس القديمة، تشتاق إلى رائحة التراب القديم بعد أول مطر، تشعرنا بأن كل شيء تغير فعلاً، وكم نحن بؤساء لأننا لم نعش ذلك الزمن الجميل، حيث الخس أكثر طراوة والنساء أكثر أنوثة».
وفنيًا، ولأن حلب كسوريا كلها باتت تعاني من الواحدية، يلجأ السارد إلى ما يسميه جيرار جينيت ب «تعدد الصيغ» polymodality، وهو مفهوم استله جينيت، أثناء دراسته التبئير في رواية «بروست»، «في البحث عن الزمن الضائع»، وعدّ المفهوم سمة من سمات الرواية السيرذاتية، وهو يشمل في الواقع كل قصة يرويها بطلها بضمير المتكلم، أي كل حكاية يتطابق فيها البطل مع الراوي. ويعني جينيت بتعدّد الصيغ توافر أنماط ثلاثة من التبئير في النص السردي الواحد. فقد يتبنى الراوي منظور الشخصية المشاركة في الأحداث، فلا يورد إلا ما كان وقع تحت طائلة إدراكها. وقد يورد معلومات تجهلها توصّل هو إلى معرفتها في فترة لاحقة بالحدث، وقد ترد في النص معلومات تتجاوز طاقة إدراك الشخصية والراوي لا يمكن نسبتها إلا إلى الراوي العليم.
ويتجلى «تعدد الصيغ» في صور الحيوات الموازية للسارد، الابن الأصغر في العائلة، الذي لا نعرف له اسمًا، ورغم سيطرته كراوٍ عليم على الحكي، تنسرب صيغ القول المتباينة لتبين وجهة نظهرها، فالأم وقبل أن تصبح جثة، تكتب رسالة لرجل تصفه بالصديق العزيز، غير خائفة من وقوع رسالتها بيد رقيب البريد، كاشفة عن قهرها، وعن لحظة تحديها للقهر، أعلنت في لحظة شجاعة أخيرة أن كلّ الأشياء تساوت لديها، لم يعد يعنيها الرضا، لم تفكر للحظة أنها امرأة ارتكبت ذنوباً، بل كانت تفكر بأن الذهاب إلى الموت بقوة يليق بأحلامها الكبيرة التي ماتت قبلها، ولم يعد لديها ما تخفيه من هزيمتها «كل شيء قد انتهى، لم تعد تتنظر وعده بالرقص على أنغام التانغو على سطح باخرة عابرة للمحيطات، تخلت عن كلمات رسائلها الماضية المشفرة، كتبت بوضوح أنه لا يمكن الوثوق برجال تفوح من جلودهم رائحة الجرذان».
مكانيًا، تتمظهر ملامح مدينة في الرواية على استحياء، كشارع فيصل، سوق الأحد، الطرق الترابية المتهالكة، محالج عين التل، سينما الأوبرا، حقول الخس، وغيرها من الأماكن، كأنها تتوارى خجلًا مما آلت إليه، تخفي ملامحها عنّا، فليست هي الملامح ذاتها التي كانت في ماضي الشخوص، تحاول أن تبقى على الصورة القديمة كسبيل للتمسك بالحياة، ف«حلب مكان زائل كما النسيان، كل ما سيبقي من صورها الحقيقية أكذوبة نعيد اختراعها كل يوم كي لا نموت».