رحل عنا في مثل هذا الشهر منذ ثمانية وعشرين عاماً، أحد مخضرمي المدرسة العربية الحديثة في الموسيقا والغناء، الفنان حليم الرومي، الذي قسم حياته، وفقاً لظروفه بين فلسطين ولبنان .
ولد حليم الرومي في فلسطين، التي كانت محطة مهمة بين مصر وبقية بلدان المشرق العربي، في جميع المجالات، ومن أهمها الموسيقا والغناء، حيث كان كبار مطربي مصر منذ القرن التاسع عشر، وفي النصف الأول من القرن العشرين (قبل نكبة فلسطين عام 1948) يمرون بها لإحياء حفلاتهم في لبنان وسوريا والعراق، فيقيمون فيها حفلات الطرب الشهيرة، في الذهاب كما في الإياب .
وكان مولد حليم الرومي في العقد الثاني من القرن العشرين، أي أن ظروف حياته، وهو الموهوب موسيقياً، أتاحت له الاتصال بأواخر نهضة القرن التاسع عشر، كما شهد بداية نهضة القرن العشرين، على يدي سيد درويش أولاً، ثم من بعده محمد القصبجي وعبد الوهاب وزكريا أحمد والسنباطي . لذلك كان طبيعياً منذ أن بلغ حليم الرومي (اسمه الأصلي حنا عوض برادعي) العشرين من عمره، أن يتجه مع رفيقه في الفن، الفنان الفلسطيني روحي الخماش، إلى القاهرة، عاصمة الموسيقا العربية، لتلقي العلوم الموسيقية في معاهدها، في عام ،1935 عندما كان عبدالوهاب وأم كلثوم يملآن الوطن العربي بأسره بروائع أغانيهما التجديدية . ويقال إن حليم الرومي استطاع بفضل نبوغه الموسيقي إن ينهي دراسة المعهد الموسيقي في ثلاث سنوات بينما كانت تستغرق في العادة خمساً .
عاد الفنان إلى فلسطين، ليشهد ولادة إذاعتي القدس والشرق الأدنى، أهم إذاعتين عربيتين في ذلك الزمن، بعد إذاعة القاهرة .
وبما أن الله شاء أن يمنح حليم الرومي موهبة الغناء والتلحين، فقد انطلق منذ شبابه الباكر يبدع في المجالين، حتى إنه ظهر في فيلم غنائي هو أول الشهر في عز نهضة السينما الغنائية في القاهرة .
جدية حليم الرومي، وطبعه الصارم، حتى مع نفسه والمقربين إليه، وتأثره الكبير بمحمد عبدالوهاب، ملحناً ومطرباً، دفعه منذ بداياته الأولى نحو الكلاسيكية العربية الحديثة، المؤسسة على الإلمام بالنهضة الكلاسيكية للقرن التاسع عشر، والإنشاد الديني، فانطلق حليم الرومي، من إذاعة الشرق الأدنى بيافا أولاً في تلحين وغناء القصائد والموشحات، إضافة إلى سائر الألوان الحديثة .
ولكن، ما إن بدأ حليم الرومي وزملاؤه بإنشاء المدرسة الحديثة للموسيقا والغناء في فلسطين، حتى وقعت نكبة عام ،1948 فانتقل حليم الرومي مع نفر من كبار العازفين ومع المطرب الكبير محمد غازي إلى لبنان، بينما انتقل يحيى السعودي (وهو فلسطيني) ويوسف البتروني إلى دمشق، أما روحي الخماش فكانت حصته بغداد .
دخل حليم الرومي الإذاعة اللبنانية مطلع الخمسينات وكانت تملك فرقة موسيقية ناشئة، غير ملمة بسائر النواحي العلمية للموسيقا العربية، فأنشأ في إذاعة بيروت أول فرقة تعزف النوتة الموسيقية، بعد أن فرض علم النوتة حتى على الموسيقيين غير الملمين به .
انطلق الرومي في مركزه الإداري في إذاعة بيروت، التي تمتلك مكتبة موسيقية مهمة، يتابع إبداعه الموسيقي والغنائي، فكان من أشهر ما أبدعه في الأربعينات والخمسينات قصيدة ومضة على ضفاف النيل ثم قصيدة إرادة الشعب (إذا الشعب يوماً أراد الحياة) ثم الموشح، القصيدة غلب والوجد عليه، إلى جانب عشرات القصائد الرصينة الكلاسيكية (مثل عطر) وعشرات الأغنيات الحديثة التي تنسج على منوال محمد عبدالوهاب في التأثر بأجواء الموسيقا الغربية، إضافة إلى أصالته العربية .
من أدوار حليم الرومي الشهيرة أيضاً في إذاعة بيروت أنه كان مكتشفاً للمواهب الجديدة، وعلى رأسها الكبيران وديع الصافي وفيروز، وكان هو من اختار لكل منهما اسمه الفني، إذ كان اسم الصافي وديع فرنسيس، واسم فيروز نهاد حداد . ويبدو أن حليم الرومي بذل جهداً حقيقياً، بعد اكتشاف فيروز، في تدريبها على أصول الغناء العربي الكلاسيكي، مستعيناً بالمطرب الكبير محمد غازي .
رغم كل ما بذله حليم الرومي في حياته، فمن المؤسف أنه أصبح لدى الأجيال الجديدة إما مجهولاً وإما يعرف بأنه والد ماجدة الرومي، مع أن ما أبدعه حليم الرومي من ألحان غناها في معظمها بصوته الشجي المتقن، يعطيه الحق الكامل في احتلال مركز مرموق بين النجوم المخضرمين في الموسيقا والغناء العربيين الكلاسيكيين.