جاء القرآن الكريم بالتشريعات الضابطة لسلوك المسلم في حياته، والحاكمة لعلاقاته بغيره، وذلك صوناً لحرمات كل من الأفراد، والأسر، والمجتمعات المسلمة حيث صان القرآن الكريم حرمات الإنسان وحافظ على أسراره وأسرار بيته ودان كل محاولة من جانب الآخرين سواء كانوا جماعة أو أفراداً للتجسس عليه وكشف خصوصياته وأسراره . . كما جاء القرآن بآداب وأخلاقيات راقية تنظم دخول بيوت الآخرين حماية لخصوصياتهم وحرماتهم .

ومن أبرز النصوص القرآنية التي جاءت لحماية حق الإنسان في الاحتفاظ بخصوصياته قوله سبحانه في سورة النور: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم .

ومعنى قوله تعالى: لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم لا تدخلوا بيوتاً غير البيوت التي تسكنونها أنتم، حتى لو كانت تلك البيوت التي يسكنها غيركم ملكاً لكم، وهي مؤجرة أو معارة لهم . وذلك لأن كلاً من مؤجر البيوت ومعيره لغيره منهيان عن الدخول على ساكنيها من غير إذن، وإن كان كل منهما يملك البيت، مما يؤكد حرمة الساكن، بغض النظر عمن يملك البيت .

وفي قوله تعالى: حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها أي: حتى تستأذنوا من أهلها، وتسلموا عليهم . و(الاستئناس) هو طلب الأنس بالآخر، ويشمل اطمئنان القلب، وسكون النفس، وزوال الوحشة، وذلك لأن الاستئناس هو ضد الاستيحاش .

وقد يكون من معاني (الاستئناس) الاستعلام . وعندما يستأذن الزائر أهل البيت في الدخول عليهم فإنهم يأنسون باستئذانه كما يأنس هو إلى إذنهم له بالدخول عليهم . و(السلام) هو تحية المسلمين، وتحية أهل الجنة (السلام عليكم) .

السلام أولاً

وينبغي على الزائر تقديم السلام على الاستئذان في الدخول إلى بيوت الغير، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤذن له حتى يسلم . فإن كان القادم يرى أحداً من أهل البيت سلم أولاً، ثم استأذن في الدخول، وإن لم يتمكن من رؤية أحد قدم الاستئذان على السلام . ويؤكد هذا ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها هذا التسليم قد عرفناه، فما الاستئناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: يتكلم الرجل بتسبيحة، وتكبيرة، وتحميدة، ويتنحنح فيؤذِن له أهل البيت .

وفي زماننا الراهن يعتبر طرق الباب أو قرع الجرس نوعاً من الاستئذان، الذي يليه السلام .

وقوله تعالى: ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، يعني أن الاستئذان والتسليم قبل دخولكم إلى بيوت غير بيوتكم فيه الخير الكثير لكم، ومن ذلك أن يعفيكم من الوقوع في شيء من الحرج، ويجنبكم إيذاء الآخرين بالاطلاع على عوراتهم أو على ما لا يحبون أن يراه غريب منهم، فلعلكم إذا علمتم هذا الأدب في السلوك أن تعملوا به، وأنتم مدركون الحكمة من تشريعه . فالاستئذان في دخول بيوت الغير واجب على كل طارق، سواء كان رجلاً أو امرأة، مبصراً أو أعمى، إلا في حالات الضرورة القصوى كالاشتعال المفاجئ للحرائق، أو الهجوم المباغت للصوص، أو طلب الاستغاثة .

وأحكام الاستئذان خاصة بالبالغين من الرجال والنساء، أما الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم فإنهم غير مكلفين بالاستئذان إلا في أوقات كل من الفجر والظهيرة، والعشاء .

آداب إسلامية

ومن الآداب الإسلامية عدم الدخول على المحارم إلا بإذن، فقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أأستأذن على أمي؟ قال: نعم . قال الرجل: إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل لا، قال: فاستأذن عليها .

ومن الآداب الشرعية في الاستئذان ألا يستقبل الزائر الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو عن شماله . وهذا الأدب يجب أن يلتزم به كل مسلم في عصرنا لأن الباب ولو كان مغلقاً إلا أن استقبال الطارق للباب عند فتحه بوجهه قد يجعله يرى ما لا يجوز اطلاعه عليه، أو على ما يكره أهل البيت أن يراه . وفي قوله تعالى: فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، تأكيد لعدم جواز دخول البيوت المفتحة الأبواب من دون إذن، فربما كان في البيت أهله، ولم يشاؤوا الرد على الزائر، وربما كان البيت خالياً من أهله فلا يجوز اقتحامه من غير إذن مسبق منهم، وذلك لأن للبيوت حرماتها، فلا يحل دخولها إلا بإذن أهلها .

وقوله تعالى: وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم، يعني: يا معشر الزوار إذا قال لكم أهل الدار إنهم غير مستعدين لاستقبالكم فإنه أطهر لنفوسهم ولنفوسكم أن تعودوا من حيث أتيتم من دون أدنى حرج . وعلى ذلك فإنه إذا نهي الزائر عن الدخول إلى بيت غير بيته فلا يجوز له الإلحاح في طلب ذلك لأن الإلحاح في هذه الحالة لا يؤدي إلا للكراهة، وإحراج الطرفين، والله مطلع على أعمالكم، وفي ذلك وعيد شديد للمخالفين لأوامره .

وفي الآيتين الكريمتين كما يقول رائد الإعجاز العلمي في القرآن والسنة د .زغلول النجار، رئيس لجنة الإعجاز العلمي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر يلزم الله تعالى عباده المؤمنين بقدر من أدب السلوك الذي يقتضي ضرورة الاستئذان والسلام قبل دخول البيوت التي يسكنها غيرهم، وبضرورة التلطف عند طلب الاستئذان بالدخول، وضرورة السلام على أهل البيت المزار، مما يلطف العلاقات بين الناس، ويجعل الزائر مرحباً به، ومقدراً ومكرماً، ويجعل المزورين سعداء بزيارته .

تجريم التجسس

وكما وضع القرآن لدخول بيت الغير نظاماً ينطوي في حقيقته على حفظ حق الإنسان في خصوصية حياته، فإن هذا النظام كما يقول د .حامد أبو طالب أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث الإسلامية بجامعة الأزهر يعتبر في حقيقته توجيهاً خاصاً، باعتبار أن بيت الإنسان ليس هو فقط محل خصوصيته إنما توجد خصوصيات أخرى تقع خارج البيت ولا يريد الإنسان أن تصل إلى غيره أو قد تكون تلك الخصوصيات مما يقع داخل البيت، ولا يتوقف كشفها على مجرد دخول الغير إليه، فهذا الذي يسعى للكشف عن خصوصيات الإنسان لا ينتظر منه أن يطلب من صاحب البيت إذنه بالدخول إذ المعتدي لا يحترم غالباً قواعد النظام الذي يجب اتباعه وإنما هو يسعى إلى الحصول على ما يريده من معلومات عن خصوصيات المعتدى عليه بطريقته .

من هنا جرم القرآن التجسس على الآخرين إلا في ظروف خاصة، وقد تقدمت أدوات التنصت وتطورت أجهزة التلصص إلى مدى يفوق التفكير مما يساعد الراغب في التلصص في الوصول إلى ما يريده من دون قيد أو رابط . . لهذا أغلق القرآن قنوات التعدي على الغير في خصوصياته، ونهى عن التجسس فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا، حيث ورد النهي في الآية عن التجسس باللفظ الصريح القاطع في ثبوت الحرمة .

تحريم غير مقيد

ويلاحظ على تحريم الشارع الحكيم سبحانه للتعدي على خصوصيات الإنسان أنه يتسم بأمرين:

أولهما: أن الشارع لم يشترط حصول ضرر للمتلصص عليه حيث أناط الشارع الحكيم الحكم هنا بعلة تتمثل في الفعل الضار، وهو هنا مجرد النظر إلى بيت الغير أو التلصص عليه من دون إذنه أو التجسس عليه بصفة عامة، ولم يشترط لتوافر الجرم أن يترتب على هذا النظر أو التجسس ضرر فلو أن شخصاً نظر في منزل غيره من ثقب، ولم تقع عيناه على عورة، فإن مجرد هذا الفعل يكون كافياً لتوقيع العقاب عليه، حيث لا يشترط حصول ضرر، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عيه وسلم يقول: لو أن رجلاً اطلع حيث جعل مجرد الاطلاع أو النظر هو علة الحكم، من دون أن يتشرط له حصول ضرر بالمعتدى عليه وهذه حسنة تحسب للتشريع الإسلامي، لأنه من باب المبالغة في حفظ خصوصيات الإنسان رتب الحكم على مجرد النظر الذي لا يتعدى كونه وسيلة أو أداة للتعدي والوقوف على أسرار الإنسان، ولم يشترط الفقهاء لنفي التعدي عن المتلصص سوى إهمال صاحب البيت بتركه مفتوحاً، وعدم وجود شبهة للنظر في بيت غيره، كما لو كان له محرم فيه أو زوجة أو متاع .

ثانياً: لا يشترط توافر القصد لدى المعتدي: ومن خصائص التشريع الإسلامي في تجريم التعدي على خصوصيات الإنسان أنه لم يشترط لتأثيم الفعل الضار بها أهلية، ومن ثم يمكن حصول التعدي من الصغير وناقصي الأهلية بل ومعدوميها أحياناً .

وهكذا وضع القرآن الكريم قانون الحماية لخصوصيات وحرمات الإنسان . وما أحوجنا اليوم إلى هذا القانون بعد أن أصبحت أسرار بيوتنا مكشوفة للآخرين وانتهكت حرماتنا وأسرار علاقتنا الخاصة في عالم لا يعرف قيمة الحرام ولا يعرف طريق الحلال إلا من رحم ربي .