يتبادر إلى الذهن في بادئ الأمر، أن غير المتزوجة إذا حملت تعاقب فوراً بحكم الشرع وبحكم القانون، لكن الحكم في الحقيقة لا يصدر بهذه السرعة .

ففي الشريعة الإسلامية نجد اختلافاً بين الفقهاء في حكمهم على غير المتزوجة إذا حملت، فجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية، على أن غير المتزوجة إذا وجدت حاملاً لا يقام عليها الحد .

فالحنفية قالوا: إن الزنا لا يثبت إلا بالبينة أو الإقرار .

والشافعية قالوا: لا يقام الحد على الزاني، إلا بأن يشهد عليه أربعة شهداء عدول أو اعتراف من الزاني والزانية .

والحنابلة قالوا: وإن حبلت إمرأة لا زوج لها ولا سيداً، لم يلزمها حد .

والظاهرية قالوا بمثل قول الشافعية والحنابلة .

ويستشهد القائلون بعدم جواز إقامة الحد على غير المتزوجة إذا حملت، بأحاديث مثل: ادرأوا الحدود بالشبهات (رواه الترمذي والبيهقي والحاكم)

فالتي حملت من غير زوج ولا سيد، لا يفهم على الإطلاق أنها حملت من زنا، إذ قد تكون حملت من وطء بشبهة، أو من وطء بإكراه، أو حملت من غير وطء .

ويذكر ابن قدامة في المغني مع الشرح الكبير (ج 10 ص 187) أن امرأة رفعت إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وهي لا زوج لها وقد حملت، فسألها فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس (أي نومها ثقيل) وقد وقع علي رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عمر عنها الحدّ .

وذهب المالكية وأحمد في رواية، وابن تيمية وابن القيم، على أن غير المتزوجة إذا حملت، يقام عليها الحد الشرعي، ونقرأ ذلك في الشرح الصغير (ج4 ص 125)، وفي المبدع شرح المقنع لابن مفلح (ج9 ص 82) وفي السياسة الشرعية لابن تيمية (ص 102) وفي الطرق الحكمية لابن القيم (ص 71) .

وقد نص الإمام مالك نفسه في الموطأ صراحة بقوله: والأمر عندنا في المرأة توجد حاملاً ولا زوج لها، فتقول قد استكرهت، أو تقول تزوجت، أن ذلك لا يقبل منها، وأنها يقام عليها الحد، إلا أن يكون لها على ما ادعت من النكاح بينة، أو أنها استكرهت، أو جاءت تدمي إن كانت بكراً، أو استغاثت حتى أتيت وهي على ذلك الحال، فإن لم تأت بشيء من هذا أقيم عليها الحد ولم يقبل منها ما ادعت من ذلك .

ويقول ابن تيمية: إقامة الحد بالحبل هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف .

لكن قال الشوكاني: والحاصل أن هذا من قول عمر، ومثل هذا قاله في جمع من الصحابة ولم ينكر عليه أحد، وعدم انكارهم لا يستلزم أن يكون إجماعاً، ولا سيما أن القائل عمر وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم .

أقول: والقانون الوضعي وإن كان يختلف عن مذهب الجمهور في العلة التي بني عليها العقاب وهي كونها شبهة، فإنه يتفق مع الجمهور في عدم معاقبة من وجدت حاملاً وهي غير متزوجة .

إذ القانون الوضعي لكي يثبت حالة الزنا يشترط أن تكون المرأة متزوجة، وزنا غير المتزوجة لا يعد جريمة ولا سيما إذا كان برضاها .