شهر رمضان فرصة ذهبية لعلاج المسلم من كثير من الأمراض النفسية والعصبية التي تراكمت عليه هذه الأيام . . كما أنه فرصة ينبغي أن تغتنم لإعادة العلاقات الاجتماعية بين المسلمين إلى قوتها وتماسكها بعد أن دبت الخلافات والمنازعات بين المسلمين حتى داخل الأسرة الواحدة .
بهذه الكلمات بدأ أستاذ الطب النفسي المصري الشهير الدكتور يسري عبدالمحسن أستاذ الأمراض النفسية والعصبية بجامعة القاهرة حديثه عن الفوائد النفسية والعصبية لروحانية رمضان والمكاسب العديدة التي يخرج المسلم بها من هذا الحلم الروحي والسلوكي والأخلاقي الذي يستمر شهراً كاملاً . . حيث ينعكس هذا الاستقرار النفسي على علاقات الإنسان بكل المحيطين به فيكون التماسك والترابط الاجتماعي وشيوع مشاعر المحبة والمودة والرحمة بين كل أفراد المجتمع وخاصة داخل العائلات التي تعيش في خلافات ونزاعات . وإلى تفاصيل الحوار:
هل العبادات الإسلامية من صلاة وصوم وزكاة وحج لها تأثير واضح في الحالة المزاجية للإنسان؟ وهل يمكن توظيفها لتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للإنسان المسلم الذي يعاني الآن من مشكلات نفسية واجتماعية عديدة؟
فوائد العبادات الإسلامية النفسية والاجتماعية أكثر من أن تحصى، وهي تستهدف إصلاح الإنسان من الداخل وضبط علاقاته بالآخرين، ولو نظرنا لكل فريضة على حدة لوجدنا أن لها مكاسب ومنافع عديدة من الناحية الروحية والصحية، وعندما أقول الصحية أعني الصحة النفسية والصحة البدنية والفوائد أو المكاسب التي تعود على الصحة النفسية أكثر من الفوائد البدنية .
الصلاة مثلاً تهذب سلوكيات الإنسان وتربطه بخالقه وتصرفه عن سلوكيات خاطئة كثيرة، وهذا سر قول الحق سبحانه وتعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والفحشاء والمنكر جرائم سلوكية أخلاقية، ولذلك نادراً ما تجد إنساناً يصلي بانتظام، وله علاقات نسائية محرمة، أو يصلي ويسب الناس، أو يصلي ويسهر في مكان مشبوه .
حالة سلوكية نادرة
أما الصيام فهدفه كما جاء في القرآن الكريم التقوى والتقوى كلمة شاملة جامعة لحالة سلوكية ومزاجية نادرة، والإنسان الذي يتحلى بصفة التقوى تلتقي فيه كل الفضائل ويعيش في سعادة حقيقية فهو قانع بما رزقه الله به، وهو مدرك لرسالته في الحياة ويعرف أنها مجرد رحلة وسوف تنتهي في يوم من الأيام، ولذلك لا يظلم ولا يفسق ولا يسيء إلى الآخرين ومثل هذا الإنسان يعيش حالة نادرة من التوازن النفسي .
أيضا من يحرص على أداء الزكاة والعطف على الفقراء والمحتاجين هو إنسان خير يعيش حالة من الرضا الداخلي ويحظى بحب واحترام وتقدير الناس . . والحج هو الآخر رحلة روحية يضحى فيها الإنسان بماله وراحته ويبذل كل جهده لإرضاء خالقه، ولو دققنا النظر في المحاذير الشرعية التي تحيط بهذه الفريضة وقائمة الممنوعات التي تحيط بالحاج لتأكدنا أن هدف الحج هو الارتقاء النفسي والسلوكي بالإنسان، ولهذا لو عقدنا مقارنة بين الحالة النفسية للحاج قبل وبعد عودته من هذه الرحلة المباركة لوجدنا فارقاً كبيراً .
من هنا فإنه ليس من قبيل الدجل والشعوذة الطبية أن يعتمد كثير من أطباء الأمراض النفسية والعصبية المسلمين على البعد الديني في دراساتهم لأحوال مرضاهم والتعامل مع الالتزام الديني كأحد أدوات العلاج التي تحقق نتائج مبهرة .
التوافق الاجتماعي
ويضيف الدكتور عبدالمحسن: إن شهر رمضان ملتقى كل الفرائض والعبادات، وهي كما قلت لها تأثير نفسي رائع في الإنسان الذي يلتزم بآدابها وأخلاقياتها، وفي شهر رمضان نشهد حالة من التوازن الدائم بين قوى الإنسان الجسدية والروحية، وهذه حالة من الصحة الإيجابية التي يتطلع إليها كل فرد ويسعى إلى تحقيقها لكي تتوافق المعادلة الطبيعية بين كل ما هو ملموس وما هو معنوي غير محسوس، ولقد شاء الله بعظمة حكمته أن يضع كل هذه النزاعات والقوى والصراعات الداخلية في تكوين الكائن البشري الذي هو من صنعه والذي كرمه وقومه في أحسن تقويم، وشاء العلي القدير أن ينير له الطريق ويوضح معالم الخير والشر أمامه، وأن يعطيه فرصة اختيار حياة كريمة عزيزة تعطيه من الخير ما يضمن له السعادة والسكينة والأمان وتقربه من غاية سامية رفيعة وهي تقوى الله عز وجل والتقرب إليه بكل ما يرضيه، ولذلك تجد الإنسان الفاهم جيداً لعبادة الصوم يصلي بانتظام ويكثر من الزكاة والصدقة ويمارس كل الطاعات من طاعة وبر للآباء والأمهات ويصل رحمه ويحسن علاقته بالناس وخاصة الجيران وزملاء العمل، ولذلك فإن الحالة المزاجية الجيدة للصائم الملتزم بآداب الصوم وأخلاقياته تنعكس على الحالة الاجتماعية فيحقق الصوم فائدة أخرى كبيرة على مستوى المجتمع كله وهي التوافق أو الترابط الاجتماعي، فالصفاء والاتزان النفسي يقود أفراد المجتمع إلى ترابط وتماسك اجتماعي، ولذلك تقل الجرائم المعتادة بين الناس خلال شهر رمضان وإذا ما وجدت إنساناً منفعلاً أو عصبياً أو يفكر في إحداث أذى بآخر تجد من يقول له: يا عم حرام عليك هدىء أعصابك وتذكر أننا في شهر رمضان .
عادة سيئة
لكن هناك عصبية تظهر في سلوكيات بعض الناس في رمضان وتتداول بين الناس عبارة أصله صايم تعقيباً على كل سلوك مرفوض خلال ساعات الصيام . . بماذا تفسر هذه الانفعالات التي تتناقض مع حالة الاتزان النفسي والسلوكي للصائم؟
هؤلاء هم المدخنون الذين أدمنوا على هذا الوباء حيث تقل نسبة النيكوتين التي تعودوا عليها في الدم فيحدث لهم هياج عصبي عند أقل استفزاز . . ولذلك أنا أدعو كل مدخن أن يعتبر شهر رمضان فرصة ذهبية للإقلاع عن هذه العادة السيئة التي تلحق به أضراراً صحية جسيمة حيث ثبت طبياً أن التدخين وراء معظم الأمراض القاتلة للإنسان، هذا فضلاً عن الحالة المزاجية السيئة والمضطربة التي يعيشها المدخن في رمضان وفي غير رمضان وأنا أقول لكل مدخن يسيطر عليه وهم عدم قدرته على ترك التدخين: لماذا تظل طوال 14 أو 15 ساعة يومياً من دون تدخين ولديك القدرة على تحمل ذلك؟ الارتباط بالتدخين وعدم القدرة على الإقلاع عنه وهم ينبغي أن يتخلص منه المدخنون، ورمضان كما قلت فرصة ذهبية لذلك .
الصحة النفسية
تحدث الكثير من الأطباء عن فوائد الصوم الجسدي وقالوا إنه فرصة لعلاج أمراض كثيرة والتخلص من مشكلات صحية عديدة . . هل هناك ارتباط بين الصحة البدنية والصحة النفسية للصائم؟
طبعا الارتباط موجود في رمضان وفي غير رمضان فالحالة النفسية للإنسان تؤثر في حالته البدنية وبعبارة أوضح: كلما عانى الإنسان من مشكلات نفسية كثرت مشكلاته البدنية، ولذلك فإن العامل النفسي مهم جدا في علاج الأمراض العضوية وكل مريض يعاني من أمراض عضوية مزمنة أو خطيرة يحتاج إلى علاج نفسي مكثف، وليس بالضرورة أن يذهبوا به لطبيب أو مصحة نفسية، بل هذا العلاج النفسي الذي يقوم على رفع معنوياته يقوم به المرافقون له من الأهل والأقارب والأصدقاء والأطباء والمعالجون والممرضات وكل من يلتقي بهم . وفيما يتعلق برمضان والارتباط بين الحالة البدنية الجسمانية والحالة النفسية للصائم فإننا نقول: إن هذا الشهر الكريم الذي أكرمه الله وفضله على بقية شهور السنة بفريضة الصوم كله منافع صحية جسدية ونفسية، فالصوم يضفي على الصحة العامة للإنسان فوائد كثيرة نفسية وفسيولوجية .
روح الجماعة
علماء الاجتماع يعتبرون شهر رمضان المبارك فرصة ذهبية لتصفية الأجواء والتخلص من النزاعات والمشاجرات . . فهل الحالة النفسية للصائمين تؤهلهم لتحقيق هذا الهدف؟
أشرت إلى ذلك من قبل وأضم صوتي إلى أصوات هؤلاء العلماء والأخصائيين الاجتماعيين، فرمضان يحمل لنا روح الجماعة فعلاً . . فإلى جانب الفوائد الجسمية التي يحققها صيام رمضان هناك كثير من الفوائد التي تعود على النفس وتحقق مزيداً من الصحة النفسية والاتزان الوجداني في هذا الشهر الكريم .
ومن أهم إيجابيات شهر رمضان التلاحم الاجتماعي على المستوى الأسري والعائلي، وأيضا على المستوى الاجتماعي الأوسع وذلك لأن كثرة اللقاءات والتزاور مع الاستعداد النفسي الكامل للتصالح ونبذ الخلافات الزوجية والأسرية والتغاضي عن الخصومات والتهيؤ الكامل للتسامح وضبط النفس كل ذلك يعزز الروابط الاجتماعية ويذيب الخلافات ويقضي على التباعد مما يؤكد الروح الاجتماعية السوية التي تحقق سلامة الفرد الذي هو جزء من المجتمع الصغير والكبير .
وعلى المستوى الأسري فإن فرصة اللقاءات والتجمعات تزداد مع هذا الشهر الكريم حيث الصلاة الجماعية بين أفراد الأسرة وجلسات تلاوة القرآن والتواجد في اجتماع على المائدة أثناء تناول وجبتي الإفطار والسحور، وأيضا التجمع حول الشاشة الصغيرة لمشاهدة البرامج الدينية والترفيهية التي يشتهر بها رمضان . . كل ذلك يقرب أكثر بين أفراد الأسرة ويجمع بين الزوجين والأبناء ويدعم روح المودة والمحبة والصفاء العائلي ويعطي فرصة أكبر لتقارب وجهات النظر ولبث روح الانتماء إلى الكيان الأسري، وأيضا تشكل هذه الاجتماعات فرصة لتعليم الأبناء أسس العبادة الصحيحة والتي ينبغي أن تنطلق من هذا الشهر الكريم حيث يجب على الآباء والأمهات أن يربطوا أولادهم بالمساجد ليتعلموا مبادئ دينهم من خلال الدروس الدينية المتاحة وليصلوا ويقرأوا القرآن، كما ينبغي حثهم على الاستماع إلى البرامج الدينية في قنوات التلفزيون المحلية والفضائية وتشجيعهم على المشاركة في المسابقات الدينية وتقديم الحوافز المناسبة لهم، وأن يكونوا قدوة طيبة لهم في أداء العبادات والحرص على الآداب والأخلاقيات الإسلامية .
كل هذا يؤكد أن رمضان فرصة تربوية عظيمة ينبغي أن يستغلها الآباء والأمهات والإخوة الكبار وأيضا خطباء المساجد والدعاة المنتشرون في كل مكان ووسائل الإعلام لمواجهة كل السلوكيات المرفوضة التي نعاني منها الآن في حياة الكبار والصغار .
من هنا فإن رمضان فرصة طيبة لترسيخ معاني القدوة الحسنة في نفوس صغارنا، فلن نستطيع أن نقنع طفلاً بضرورة الصلاة وهو يرى أن والده لا يصلي ولا يمكن أن نلزم طفلاً أو شاباً بفريضة الصيام وهو يرى أن والده أو والدته أو شقيقه الأكبر لا يصوم .
علينا أن نعلم أبناءنا بشكل عملي أهمية العبادة في حياتهم وأن نرسخ في نفوسهم الفوائد الكثيرة والمتنوعة لعبادات الإسلام ونشرح للأطفال فوائد الصلاة والصوم والزكاة والعطف على الفقراء وزيارة المرضى والوقوف إلى جانب كل محتاج، ومعاونة كل متعثر . . ورمضان فرصة طيبة لغرس كل هذه المعاني الطيبة والقيم الإيجابية في نفوس الصغار، ولا شك أن القدوة الحسنة تحقق آثاراً طيبة في إصلاح حال الأبناء وتصحيح سلوكهم إلى الأفضل وكذلك في خلق جسر من الحوار والتلاحم بينهم وبين أولياء أمورهم .
تأثير القرآن
رمضان شهر القرآن، وقراءة القرآن عبادة في رمضان وفي غير رمضان . . ما مدى تأثير القرآن على الحالة النفسية للإنسان خاصة وأن هناك تقارير تؤكد استعانة بعض أطباء النفس المسلمين بالقرآن في علاجات نفسية ناجحة؟
القرآن الكريم أفضل علاج نفسي، وكل من يقرأ القرآن أو يستمع إليه يشعر بهدوء وسكينة وطمأنينة نادرة، ومن هنا استخدم القرآن كعلاج نفسي فعال في حالات كثيرة، وهذا سر قول الحق سبحانه: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين . وقد قال العديد من علماء المسلمين إن المقصود هنا هو شفاء الأمراض النفسية وأنا أؤيد هذا الرأي ودائما أنصح مرضاي المسلمين بقراءة القرآن والحرص على ذلك، فالقرآن ينقل الإنسان إلى حالة من الصفاء النفسي الذي تذوب معه كل هموم الدنيا ومتاعب الحياة، فبتلاوة القرآن يخاطب العبد نفسه ويسبح في ملكوت السماء وكأنه يحلق في عالم رباني فيه كل معاني الصدق، وفيه قول الحق بلا رياء ولا نفاق، عالم ملائكي بعيد كل البعد عن ماديات الحياة وزخرفها الزائل الزائف، فمع تلاوة القرآن تتجلى الحقيقة أمام أعيننا هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ومع القرآن تتلاشى شوائب الفكر وتختفي وساوس الشيطان ويستقيم الوجدان .
إن الحرص على تلاوة القرآن يسمو بالنفس إلى منزلة عالية ويطرد منها روح الشر وميول العدوان ويرقى بها إلى مستوى الرحمة والمودة والحب الطاهر وتقوى الله عز وجل تتجلى في تلاوة القرآن: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى . ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب .
لذلك أنا أنصح كل مهموم بهموم نفسه والآخرين بالحرص على الهرب من حالة الهم والكرب والقلق بقراءة القرآن وأن يحرص على قراءة قصص الأنبياء التي وردت في القرآن الكريم ففيها عبر وعظات وفوائد نفسية عديدة .
تشير الدراسات والإحصاءات والتقارير الاجتماعية إلى انخفاض معدلات الطلاق في رمضان . . هل للصوم وانعكاساته النفسية دخل في ذلك؟
نعم . . فالناس بحكم وازعها الديني تخشى أن ترتكب أمراً فيه ظلم للآخرين في رمضان . . وهذه حالة نفسية طيبة علينا أن نستثمرها استثماراً جيداً، لأن انخفاض معدلات الطلاق في رمضان لا يعني القضاء على أسبابه بل رمضان في حقيقة الأمر مجرد هدنة للأزواج والزوجات المختلفين، والمتنازعين والمتصارعين، وواجب الأسر والأقارب وأهل الخير أن يستغلوا مناخ رمضان للقيام بتصفية الأجواء بين الأزواج والزوجات المتنازعين ومن المرجح أن تزيد فرصة الاستجابة خاصة في ظل أيام طيبة ومباركة يتجه فيها الإنسان دائما إلى فعل الخير .