عندما يقبل الشاب والفتاة على الزواج يعتقدان أن الحياة الزوجية خالية من المشكلات ويتصوران أنهما سيعيشان معاً في منتهى السعادة، فالحزن لن يعرف لهما طريقاً والمشكلات ستكون أبعد ما تكون عنهما ويكون رهانهما الوحيد في هذه الحياة هو الحب . لكن الذي يحدث في كثير من الأحيان أنه بعد مرور أشهر قليلة على الزواج تبدأ الخلافات الزوجية وقد تنتهي بالطلاق، وهذا ما تؤكده إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، فقد بلغ عدد حالات الطلاق في العام الماضي 93 ألفاً و875 حالة من بينها 30 ألف حالة وقعت في السنوات الثلاث الأولى من الزواج، وأرجع أغلب الأزواج والزوجات الذين خاضوا تجربة الزواج والطلاق المبكر السبب إلى إساءة اختيار شريك الحياة المناسب رغم تأكيدهم وجود فترة خطوبة كافية ومشاعر متبادلة بين الطرفين .

في البداية توضح الدكتورة عبلة الكحلاوي، عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات في الأزهر، أن سر السعادة الزوجية يكمن في العودة إلى تعاليم ومبادئ الإسلام لتستقر حياتنا الاجتماعية كلها، فالإسلام أرشدنا إلى كل ما فيه خير، وتقول: عندما تبدأ الأسرة وفق هذه التعاليم وأمر الله ورسوله فسيكتب لهذه العلاقة النجاح والسعادة والاستقرار، وعندما لا يلتزم الزوجان بالأسس التي وضعها الإسلام لاختيار شريك الحياة المناسب تبدأ المشكلات التي تنتهي بالطلاق .

وتضيف: يأتي الالتزام الديني في مقدمة المعايير والأسس التي حث عليها الإسلام في أمر الزواج، فمراعاة الرجل للمرأة العفيفة ذات الدين التي تحافظ على كرامة زوجها فيأمن معها ويسكن إليها وتشرق بينهما المودة والرحمة، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة .

وتصف الدكتورة عبلة الكحلاوي الزوجة الصالحة بأنها المرأة المؤمنة العابدة التي تحفظ نفسها وتحفظ زوجها في نفسه وعرضه، وتحفظه في ماله وولده، وهي التي تحسن معاملة زوجها وأهله وجيرانها، وتحسن إدارة بيتها الذي هو مملكتها الخاصة، فالزوج لا يقضي داخل المنزل إلا ساعات قليلة في اليوم لكن المرأة تقضي معظم وقتها في بيتها، فإن كانت صالحة صلح البيت كله وإن كانت فاسدة فسد البيت كله .

وتشير الدكتورة عبلة الكحلاوي إلى أن الزوجة الملتزمة بتعاليم دينها تعرف حقوق زوجها ولا تفرط في واجباتها تجاه أولادها، فهي تعامل زوجها كما أمر ربها سبحانه وتعالى بالمودة والرحمة والطاعة التامة في غير معصية، وتربي أولادها تربية إسلامية صحيحة رشيدة، فتغرس فيهم مبادئ الإسلام منذ الصغر فينشؤون صالحين في المجتمع .

إن الزوجة الصالحة هي التي توفر لزوجها كل وسائل الاستقرار لينتقل من نجاح إلى نجاح وتعينه على طاعة ربه وتحفظه في حضوره وغيابه وتنصحه وتشير عليه وتخفف عنه ولا تثقل عليه، وإذا نظر إليها سرته وإن دعاها أجابته وإذا غاب عنها حفظته .

الفتاة والشروط

الدكتور نصر فريد واصل، أستاذ الشريعة الإسلامية، مفتي الديار المصرية الأسبق، يؤكد أنه لا ينبغي أن يكون التدقيق من جانب الرجل وحده، بل ومن جانب الفتاة وأسرتها أهم، فالإمام الغزالي يقول: والاحتياط في حقها أهم لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها والزوج قادر على الطلاق بكل حال .

ومن الناحية الشرعية - والكلام على لسان الدكتور واصل - يرى جمهور الفقهاء أن شروطاً كثيرة يجب على الفتاة المسلمة أن تراعيها عند اختيارها الزوج، منها النسب والمهنة والسلامة من العيوب، والكفاءة لأن الكفاءة حق للمرأة وللأولياء .

والحياة السعيدة لن تتحقق إلا عندما تراعي الفتاة عند اختيارها من تريد الارتباط به أن يكون ذا دين وخلق وشرف وحسن سمت، فإن عاشرها عاشرها بالمعروف وإن سرحها سرحها بإحسان، فقد قال رجل للحسن بن عليّ كرم الله وجهه: إن لي بنتاً فمن ترى أزوجها له؟ قال: زوجها ممن يتقي الله فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها . وقالت عائشة رضي الله عنها النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته .

ومن هنا يرى الدكتور واصل أنه يجب على كل فتاة تريد الزواج أن تختار صاحب الخلق والدين، لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .

قدسية العلاقة

الدكتور محمد فؤاد شاكر، أستاذ الدراسات الإسلامية في كلية التربية جامعة عين شمس، يؤكد أن شباب اليوم من الجنسين لا يتعامل مع الحياة الزوجية كما أمر الإسلام، ولذلك يغيب الاستقرار وتختفي الرحمة والمودة من حياة الزوجين، ويقول: الإسلام يعمل على إقامة الزواج على ركائز متينة من التفاهم والتراضي بين الزوجين وأهل كل منهما حتى يتم على أساس مكين لا تزعزعه عواصف الحياة مهما اشتدت، ولهذا حذرنا الإسلام في مواضع عديدة من سوء الاختيار والانخداع بالمظهر البراق والمواصفات، التي تنخدع بها ولا ترفضها فتيات اليوم لأن المظهر أكثر ما يخدع، والإنسان ليس بحسن مظهره بل بحسن جوهره .

ويضيف: للأسف لم تعد الأسرة المسلمة تربي أولادها التربية الدينية التي حثنا عليها الإسلام ورسم لنا خيوطها، فعندما كبروا لم يحسنوا الاختيار، وعندما تزوجوا لم يعرف أي منهم حقوق الآخر ولا واجباته، وعندما تهب المشكلات على الحياة الزوجية يلوذون بالفرار، ومن هنا ارتفعت معدلات الطلاق ومعدلات العنوسة والخيانة الزوجية وعزف الكثير من الشباب عن الزواج، والسبب في ذلك هو أننا لم نعلم أولادنا كيف يختارون شريك حياتهم على أساس الدين والأخلاق ولم نرتب لهم أولويات القيم من الطفولة فشبوا لا يقدسون الحياة الزوجية .

مفتاح السعادة

الدكتورة عزة كريم، أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، تحذر الشباب والفتيات، بل الأزواج والزوجات أيضاً من الانخداع بعرسان وفتيات الدراما والتلفزيون، وتقول: الزواج ليس مجرد علاقة مؤقتة بين الرجل والمرأة يبحث كل منهما عن مصالحه الشخصية، بل هو حياة وعشرة دائمة تتطلب أن يكون بين الطرفين مودة ورحمة وتعاون وصبر وإخلاص، وكي تتحقق هذه المودة والرحمة لا بد من أن يكون اختيار كل طرف من الطرفين شريك حياته اختياراً سليماً يوفر له مقومات الحياة المستقرة نفسياً واجتماعياً ويحقق له السعادة التي ينشدها، فالمال ووسائل الرفاهية التي تتطلع إليها الفتيات اليوم لا تكفي وحدها لتحقيق السعادة الزوجية .

وتشير الدكتورة عزة كريم إلى أنه من حق كل فتاة أن ترسم في خيالها صورة للزوج الذي تريده ويحظى بقبولها وتشعر بأنه سيملأ حياتها حتى لا تنظر إلى غيره . وتقول: لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية المال ومكانة الزوج وأسرته الاجتماعية والوظيفية ولكن كل ذلك يصبح بلا قيمة إذا كان بلا دين وأخلاق، لأن حياة الفتاة معه ستتحول إلى جحيم ولن تهنأ بالمال ولا بالشقة الفاخرة ولا بالسيارة الفارهة ولا مكانة الزوج .

ولكن المطلوب أن يكون لدى آباء وأمهات الفتيات والشبان الوعي بأهمية قيمتي الدين والأخلاق، كما أن هناك عدة نقاط يجب أن يفهمها طرفا العلاقة الزوجية، أولاها وأهمها أن يكون الحرص متبادلاً على إنجاح الحياة الزوجية وحل مشكلاتها، وأنها ليست ميداناً للمبارزة أو العناد أو السيطرة والتحكم بل هي ساحة للرحمة والحنان والعاطفة والمشاعر، فالزواج رابطة روحية قبل أن يكون رابطة مادية .

وتنبه الدكتورة عزة كريم كل شاب وفتاة مقبلين على الزواج إلى أن أهم العقبات التي قد تعترض الزوجين خلال بدايتهما هي تعامل كل منهما مع طباع الآخر ونقاط الضعف، خاصة إذا كانا من بيئتين مختلفتين، ولعل سنين الزواج الأولى هي الأكثر حساسية في الحياة الزوجية كلها، فإذا استطاعا عبورها ستستقر حياتهما ويعيشان في هدوء بلا عواصف، لكن ليس هذا معناه أن الحياة الزوجية خالية من المشكلات مهما بلغ تفاهم الزوجين المهم هو أن يتعاملا مع هذه المشكلات بروية .

عقد نفسية

أما الدكتورة هناء أبو شهبة، أستاذة علم النفس بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، فترى أن السعادة الزوجية من الأمور النسبية بين زوج وآخر، ولا يمكن أن نضع مقاييس محددة بتوافرها تكون السعادة حتمية، لكننا نوضح السبل التي قد تقرب الزوج والزوجة منها، وتقول: لكل من الزوج والزوجة طريقة حياته وطباعه وثقافته وبيئته وتكوينه النفسي الذي يختلف من شخص لآخر، بل إننا نرى ذلك داخل الأسرة الواحدة وبالتالي لا بد من الصبر من الطرفين حتى تتآلف الطباع ويسعى كل منهما لاستكشاف شخصية الآخر ومعرفة مفاتيحها والطرق المثلى في التعامل معه، وبالتالي فالزوجة تحتاج إلى وقت كاف وصبر كي تفهم طباع زوجها وتدفعه لإخراج أفضل ما عنده .

وترى الدكتورة هناء أبو شهبة أن ما يحدث اليوم من سوء اختيار الزوج والانشغال بالمظاهر الخادعة ومدى وسامة الرجل، تأكيد لما نحذر منه دائماً، وهو وضع مواصفات وهمية لشكل الزوج المثالي والعريس المناسب ما يؤدي لانتشار العديد من المظاهر السلبية، منها الطلاق وسوء معاملة الزوجات وضربهن وأشياء أخرى كثيرة، وتختتم: إذا ما ألقينا نظرة فاحصة ودقيقة على آلاف القضايا الموجودة في محاكم الأحوال الشخصية وجدنا السبب الرئيسي يكمن وراء سوء اختيار الزوج من البداية، وأن الأسس التي تم الاختيار عليها خاطئة .